النيجرتقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبياوسط إفريقيا

أحد أهدافها المباشرة توجيه الصراع في ليبيا … ما هي قصة ومرامي القاعدة العسكرية الإماراتية في النيجر؟

علي اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

 

نشرت عددا من الصحف والمواقع الأوروبية المختصة تقارير مختلفة تحدثت فيها عن المفاوضات الجارية بين الإمارات العربية المتحدة ودولة النيجر، لإنشاء قاعدة عسكرية على أراضي هذه الأخيرة، وذلك لأهداف لوجستية وإستراتيجية عدة من بينها أن تكون القوات الإماراتية قريبة من الحدود الجزائرية والليبية، ومما يمكنها من دعم مباشر لقوات حليفها الرئيسي في ليبيا أي العسكري المتقاعد خليفة حفتر في صراعه مع قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليا…

فما هي قصة ومرامي هذه القاعدة العسكرية، وما هي ترتبات إقامتها في النيجر على المنطقة وعلى مستقبل تطورات الأحداث في ليبيا وعلى المبادرات السياسية المطروحة؟

أ- أهم التقارير حول القاعدة العسكرية الإماراتية أكدت أن “المفاوضات الجارية بين الإمارات العربية المتحدة والنيجر من أجل إنشاء قاعدة عسكرية في أراضي هذه الدولة الإفريقية، وصلت إلى مراحلها الأخيرة”، وقد أشارت صحيفة “كوميرسانت” الروسية مثلا “أن النيجر الواقعة في منطقة الساحل الإفريقي، تعتمد منذ سنوات على مساعدة الشركاء الغربيين لمكافحة الإرهاب…”[1]

ب- معنى وملخص التقارير الغربية وفقا للخبراء والمتابعين والمحللين والآن بالذات هو انخراط كلي وعملي من دولة الإمارات في مواصلة التدخل في الملف الليبي بشكل استراتيجي، ذلك أن هناك هدف أساسي وخاصة بعد تكرر هزائمها في اليمن وبدايات مصاعب وتباينات مع السعوديين، وان الهدف العملي والمباشر للخطوة هو دعم ميداني ولوجستي لمعسكر حليفها خليفة حفتر ولقواته، خاصة إذا ما تعثر البحث عن بديل سياسي له بعد خسارته لمدينة غريان الإستراتيجية، وقد يكون هدف الإماراتيين هو السيطرة المستقبلية على ليبيا والتي تعتبر في ثنايا الاستراتيجيات المستقبلية لأهم منافسي الإمارات الإقليميين بما تحتويه من خيرات باطنية وثروات نادرة وهائلة وخاصة قريبا من المثلث الحدودي أي في مدنية “غدامس” الإستراتيجية….

ت- من المعلوم أن العديد من الدول تمتلك قواعد عسكرية في النيجر، من بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا، وترتكز نوايا الإماراتيين على النسج على منوال تلك الدول، وقالت مصادر مختصة وفقا لما نقلته مواقع وصحف أوروبية وآسيوية أن المفاوضات قد تمت بين الطرفين منذ أسابيع بل أن الترتيبات للمشاورات تمت قبل أشهر ومنذ السنة الماضية، وأن الاتفاق النهائي بات وشيكا…[2]

ث- وفقا للمعطيات المتوفرة والتي نقلتها الصحيفة الروسية سالفة الذكر، ستتمركز القوات الإماراتية عمليا في شمال النيجر قريبا على مقربة كبيرة من حدود الجزائر وليبيا، وهنا يبقى السؤال مطروحا لماذا الآن بالذات وهل سيقبل الجزائريون وبعين الارتياح لهذا الأمر، وهل كان ذلك سيتم لولا الظروف الداخلية للجزائر؟[3]

ج- بحسب نفس الصحيفة الروسية سالفة الذكر[4]، فإن “حسين جاسم النويس” (مدير شركة “أميا باور” والتي يوجد مقرها الاجتماعي الرئيسي في مدينة دبي)، قد التقى في عدة مناسبات بـــ”محمدو إيسوفو” (الرئيس الحالي لدولة النيجر)، وتحدثا حول مشاريع عديدة مشتركة من بينها موضوع القاعدة العسكرية الإماراتية، ويُمكن الجزم بناء على ما سبق ذكره من معطيات وظروف موضوعية في المنطقة أن “افتتاح القاعدة العسكرية الإماراتية، يعني أساسا ارتفاع عدد الدول المشاركة والتي تدعي ظاهرا أنها تسعى لدعم بسط الاستقرار في هذا البلد الإفريقي، ومعلوم أن أهم الوعود التي قدمها الرئيس “محمدو إيسوفو” قبل انتخابه هي القضاء على المسلحين المتشددين…..

ح- في سياق متصل بالموضوع، أشارت تقارير “وكالة غوث اللاجئين” (التابعة للأمم المتحدة)، خلال الفترة الماضية إلى وجود ما لا يقل عن 4 أو 5 منظمات إرهابية تنشط حاليا في النيجر، بينما تؤكد تقارير أهم الاستخبارات الدولية أن النيجر هي ثالث بلد في العالم من حيث مستوى التهديد الإرهابي، ولذلك فإنه من المهم لهذا البلد الحصول على المساعدات الخارجية، من خلال وسائل عديدة، منها المناورات العسكرية المشتركة بين أفريقيا والولايات المتحدة ودول غربية، والتي جرت في نيسان/ أبريل الماضي في النيجر، وشارك فيها ممثلون عن أكثر من 20 دولة، وفي مقابل كل ذلك حذرت أوساط سياسية ودولية ومختصين وخبراء أن الرئيس “محمد إيسوفو” بموافقته على إنشاء القاعدة العسكرية الإماراتية سيورط بلده في المستنقع الليبي وفي صراعات المحورين المتنازعين في المنطقة، ذلك أن دعم أحد المحورين أللإقليميين أو أحد طرفي الصراع وخاصة قوات حفتر بالذات سيزيد من تعقيد الأوضاع ليس فقط في ليبيا بل أيضا في المنطقة (شمال إفريقيا – دول الساحل والصحراء)، بل وفي النيجر تحديدا….

خ- بالعودة إلى التحركات والخطوات الإماراتية المباشرة يمكن تفسيرها بطرق مختلفة ومتباينة:

  • العديد من المتابعين يروا أنها تهدف إلى خلق توازن قوى في مواجهة النفوذ التركي في ليبيا. خاصة وأن البلدين يدعمان الطرفين المتصارعين في هذا البلد، حيث أن الإمارات تعد أكبر حليف لحفتر، فيما تدعم القيادة التركية رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، حتى أن الصحيفة الروسية قد نقلت عن كيريل سيمينوف، الخبير في المجلس الروسي للشؤون الدولية، قوله “إن إنشاء قاعدة في النيجر مرتبط ليس فقط بمراقبة الأوضاع عن كثب في ليبيا، بل أيضا يتعلق بضمان ممرات جوية سرية إلى هذا البلد، وإمكانية نقل قوات خاصة إلى هناك….
  • الإماراتيين يفكرون بمنطق آخر وليس فقط في ارتباط موضوعي فقط بالصراع الليبي بل محاولة التواجد في عديد الملفات وفي مناطق مختلفة من العالم والسيطرة على مناطق النفوذ لتعدد طموحاتهم أولا وثانيا للتورية على التورط والفشل في ساحات ثانية على غرار اليمن والسودان وعدم القدرة على احتواء الحراك الجزائري…

د- في قراءة لبقية الأهداف التي يمكن أن تكون رواء سعي الإمارات لإقامة القاعدة العسكرية في النيجر وقريبا من الحدود الليبية الجزائرية، لا يمكن عمليا تغييب الأهداف التالية:

  • سعي الإماراتيين إلى أهداف أخرى متنوعة ذلك أنهم ساعون إلى المشاركة في عمليات مكافحة الإرهاب بالشراكة مع الأمريكيين والفرنسيين. خاصة أن القوات الإماراتية تدعي أنها تمتلك خبرة في العمليات التي شهدتها أفغانستان رغم انتقادات البعض لأدوارهم هناك…
  • توسيع نطاق نفوذهم من خلال إنشاء شبكة كاملة من القواعد العسكرية في إريتريا والصومال وليبيا، ولنفس هذا السبب كانت قد تدخلت في الصراع اليمني، من أجل السيطرة على مضيق باب المندب وقبلها كانت طرفا في الصراع الصومالي….
  • لابد من التساؤل هنا حول الحضور الإسرائيلي في المنطقة وهدف تحركاته والتقاطعات الحالية بين حفتر والإسرائيليين المباشرة أو غير المباشرة من جهة[5]، وبين المحور المصري/الإماراتي/السعودي والإسرائيليين من جهة ثانية في دولتي النيجر والتشاد وخاصة بعد زيارة الرئيس التشادي لإسرائيل وزيارة نتانيهو للتشاد منذ أشهر، وعلاقة كل ذلك بموضع القاعدة العسكرية وأهدافها وتوقيتها[6] ….
  • متابعة ومحاصرة النفوذ التركي أولا، والإيراني ثانيا وهو ما يفسر اقتراب الإماراتيين وشراكتهم غير المباشرة في مشروع طريق الحرير الصيني عبر منطق احتوائي ترتبات نجاحه استراتيجيا، إضافة إلى منافسة قطر، التي تسعى لإظهار حضورها في المنطقة، ولذلك فإن أبوظبي تسعى للحصول على الأسبقية والتفوق على خصمها العربي والخليجي المباشر…

المصدر: صحيفة 24/24 بتاريخ 16 جويلية 2019

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المراجع:

[1]  أنظر تقرير “الإمارات تسعى لإنشاء قاعدة عسكرية قرب ليبيا لمساندة حفتر“، موقع ليبيا الخبر (www.libyaalkhabar.com) 14-07-2019

[2]  يمكن تبين أهداف مشاورات خاضها حفتر بنفسه سنة 2018 في النيجر عبر علاقات قبلية واجتماعية هناك، والتساؤل على الرابط بين تلك المشاورات وبين مسعى الإماراتيين الحالي ….

[3]   ارجع مقال الكاتب في موقع الوجهة الأولى “غسان سلامة وفرملة التحركات العسكرية لحفتر”….

[4]  نفس المصدر السابق – أي تقرير موقع ليبيا الخبر – بتصرف-

[5]  راجع تصريحات محمد البصير المستشار السابق لحفتر  حول علاقات حفتر بالإسرائيليين…

[6]  راجع مقال الكاتب “الجنوب الليبي : رهانات حفتر الجديدة بين الأدوار الإسرائيلية والصراعات الدولية في إفريقيا“، أسبوعية الرأي العام التونسية بتاريخ 31-01-2019 ص 20-21 ، وموقع إفريقيا 2050 (www.afrique2050.net )بتاريخ 30-01-2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق