تونسدراساتسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

الأحزاب الليبرالية في تونس: تعدد المُسميات والالتباسات وغياب التجذر والبرامج والبدائل (11)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

++ تمهيد   

الليبرالية أو”اللبرالية” من(ليبِرَالِس) “līberālis” اللاتينية وتعني “حرّ”، هي فلسفة سياسية وهي أيضا نظرة عالمية تقوم على قيمتي الحرية والمساواة، وتختلف تفسيرات الليبراليين لهذين المفهومين (الحرية – المساواة)، وينعكس ذلك على توجّهاتهم، ولكن عموم الليبراليين يدعون في المجمل إلى دستورية الدولة، والديمقراطية، والانتخابات الحرة والنزيهة، وحقوق الإنسان، وحرية الاعتقاد، والسوق الحرة، والملكية الخاصة، وخلال القرن الثامن عشر الميلادي، أو خلال ما يُعرف بعصر التنوير، تجلّت الليبرالية كحركة سياسية مستقلة، إذ أصبحت شائعة جداً بين الفلاسفة وعلماء الاقتصاد في العالم الغربي، ولقد اعترضت الليبرالية على أفكار شائعة يومها كالمزايا الموروثة، وتديّن الدولة، والملكية المطلقة، وحق الملوك الإلهي، أما في تونس و رغم التطوّر الكمّي الهائل للأحزاب السياسية في تونس (نحو 220 حزبا  سياسيا مقننا)، لم تستطع المُسمّيات الليبرالية أن تجد لها مكانا في المشهد السياسي المُتقلّب بطبيعته نتيجة مسار تاريخي فريد ونوعي للحياة السياسية منذ 20 مارس 1956، والسؤال المطروح هو لماذا لم تشهد تونس بناء حزب ليبرالي قوي أو نخبة ليبرالية قادرة على أداء دور المُعدّل بين اليسار الماركسي والتيار الإسلامي؟ ؟ وما هو واقع وفسيفساء الأحزاب الليبرالية وما هو مستقبلها في أفق الاستحقاق الانتخابي بنسختيه التشريعية والرئاسية؟

++ تطور الفكرة الليبرالية في تونس وتجسدها وتعثرها من مرحلة التحرر الوطني حتى فرار الرئيس المخلوع

أ- مرحلة التحرر الوطني: عرفت تونس حضور الليبرالية  الفكرية دون أن تتحول إلى أيديولوجيا متبناة من طرف الشباب المتعلم والمثقف يومها وحتى من قبل الفاعلين السياسيين  ولا حتى من قبل طرف قيادات التحرر الوطني لاحقا، وكانت ملامحه الأولية منذ بداية الاحتكاك مع الأوروبيين فالحرية هي المطلب الأساسي والحيوي للمجتمع منذ بداية القرن التاسع عشر وهو ما تثبته أدبيات رواد الإصلاح بل أن الليبرالية المتبناة تونسيا يومها كانت مستندة للمرجعية الإسلامية وهي مواقف أكدتها أدبيات وكتابات حركة الشباب التونسي وقبل ذلك في أطروحات خير الدين التونسي، وقد عرف عن الثعالبي ورفاقه تبينهم لمقولات التحرر والحرية والدفاع عن الحريات العامة ورغم أن الدستوري القديم تعايش في إطاره تيارين متصارعين، تيار أول متأثر بفكرة الجامعة الإسلامية وتيار ثان يمكن تسميته بالتيار الليبرالي،فان الشيخ الثعالبي آمن بفكرة الممازجة بين الفكر الليبرالي التحرري وبين روح التحرر في الإسلام حتى أنه ألف أهم كتبه تحت عنوان “روح التحرر في القرآن الكريم” بل أنه جسد ذلك في التسمية الأولى للحزب تحت مسمى “الحزب الحر الدستوري التونسي”، وقد تأثر بذلك لاحقا كل منتسبي الحزب وقياداته بمن فيهم شبيبة الحزب على غرار “محمود الماطري” و”صالح بن يوسف” و”الحبيب بورقيبة”…

ب-  الحقبة البورقيبية: أو”الليبرالية دون ليبراليين”: مباشرة بعد الاستقلال سقطت قيادة الحزب الدستوري في أتون الصراعات بل واختارت التوجه نحو الحكم الفردي حيث صُودرت كل الصحف والدوريات الحرة والمستقلة التي عارضت سياسة الحزب الحاكم الذي تبنى لاحقا الاشتراكية الدستورية في مؤتمر بنزرت سنة 1964، وهو المؤتمر الذي اتخذ 3 قرارات أخرى خطيرة ضد المنحى التحرري للحزب عند نشأته وتأسيسه من طرف الشيخ الثعالبي، ومعنى بعض تلك القرارات هو ضرب التوجه الليبرالي للحزب في عمقه الأساسي فكريا وثقافيا وواقعيا، كما أسلفنا بيانه سابقا، وهو ما يعني أنه لن يكون لشعارات الليبرالية بأطروحاتها المختلفة الجاذبية الكافية لتستميل العناصر الشبابية في نهاية الخمسينات وبداية الستينات، وعمليا كانت المطالبة بالحرية (أي واقعيا المطالبة بالليبرالية السياسية) يومها ضرورة لم تدركها مكونات المشهد السياسي (أحزابا ومستقلين) أمام تغوّل الحزب الحاكم ونفوذه الكبير وغير المحدود الذي لم يكن يومها ممكنا التمييز بينه وبين جهاز الدولة، وعمليا لم يستوعب العقل السياسي لمختلف الأطراف والأحزاب السياسية المختلفة ضرورة تخليها عن أطروحاتها الشمولية وتبني الأطروحات الليبرالية…

ورغم كل ذلك نشأ تيّار ليبرالي داخل الحزب الحاكم نفسه بقيادة الوزير والمناضل أحمد المستيري والذي أسّس حركة الديمقراطيين الاشتراكيين والتي تخلت عن البعد الليبرالي لمصلحة الفكرة الاشتراكية، وصنفت نفسها ضمن تيارات يسار الوسط رغم أن بعض مطالبها السياسية بقيت ليبرالية نوعا ما، بقي أن نشير أن الهادي نويرة كان بحق ليبراليا بحق على الأقل في المجال الاقتصادي…

ت- حقبة الرئيس المخلوع: الليبرالية الموظفة والوظيفية: بعد انقلاب الجنرال “بن علي” وتحقيق انفراج سياسي مرحلي مصحوب بتوجه اقتصادي قائم على ما يعرف بـ”الليبرالية المتوحشة” تم منح تأشيرة لحزب ليبرالي للمرة الأولى، وهو الحزب الاجتماعي التحرري بقيادة الأستاذ منير الباجي الذي كان في البداية جزءا من الديكور الحزبي وحزبا من أحزاب الموالاة؛ وقد منح مقعدين في البرلمان سنة 2004، ونتاج عدم الرضا عن الباجي لاحقا وتطور علاقاته الدولية بالمنظمة الدولية لليبرالية والتحررية تم إيصال المنذر ثابت (كان ناشطا سياسيا “تروتسكيا” أثناء دراسته الجامعية) إلى رئاسة الحزب بعد التحاق مجموعة بالحزب بدفع من النظام والحزب الحاكم (منذر بلحاج علي – حافظ قائد السبسي- برهان بسيس وآخرون) ومن ثمّ تحول الحزب الليبرالي الوحيد إلى خادم أمين للاستبداد، وملمّع لصورة الحاكم وحزبه وخاصة بعد انقلاب أو مؤتمر نصف ساعة يوم 15 جويلية 2006…

++ الأحزاب ليبرالية بعد الثورة أو في غلبة الكمي على الكيفي في ظل مشهد سياسي متطور ومتقلب

                 فتحت ثورة الحرية والكرامة بعد 14-01-2011 المجال لكل القوى الحزبية للإعلان عن حضورها في المشهد السياسي، ورغم ذلك، فإن وضعية الأحزاب الليبرالية ظلت تراوح مكانها من حيث الضعف في البناء الحزبي والعجز عن الحضور والاستقطاب السياسيين، وقد تم الاعتراف بعشرات الأحزاب التي تتبنى المنهج الليبرالي في برامجها، وأهمها من حيث الحضور السياسي والإعلامي:

أ- الإتحاد الوطني الحرّ (بقيادة سليم الرياحي): هو فعليا الحزب الموسوم بحزب الشركة والذي تم تغيير تسميته أخيرا بحزب “الوطن الجديد” والذي يشرف عليه مؤقتا محامي الرياحي مكرم بالصادق، وهو فعليا حزب ليبرالي قاده منذ 2011 رجل الأعمال سليم الرياحي، وقد تطور وجوده في الساحة السياسة بين يمين الوسط وأقصى اليمين، وقد ضم يساريين سابقين وقوميين عرب غادروا أحزابهم، وليبراليين سابقين، وبعض الكوادر الوسطى السابقة للتجمّع المنحل، ولبعض أعضائه تجارب سياسية في أحزاب الوسط واليمين واليسار، ومن حيث المسار استفاد الحزب سنة 2014 من خيبته في انتخابات 2011 فضمّ منذ نهاية 2013 وجوها وقيادات أعطت الحزب بُعده الليبرالي واليميني، وهو ما سمح له بالتموقع السياسي عشية الاعلان عن نتائج انتخابات 26-10-2014  وخاصة بعد حصوله على 16 مقعدا بمجلس نواب الشعب (بقي منهم 11 فقط حتى منتصف 2018 أي عند الانصهار في النداء ثم 8 عند فك الارتباط به في مارس 2019)، وكان بإمكان الحزب التطور ولكنه ترنح في أكثر من مناسبة، ولم يتمكن الحزب من التطور ولا التنامي لأنه لم يحسن استقطاب بعض النخب الليبرالية الجديدة وبقي مرتبطا برهانات وشخص سليم الرياحي وأمواله وشركاته واصطفافه الإقليمي، ومعلوم أنه قد التحق بالحزب وغادره أكثر من وجه سياسي معروف على غرار خالد شوكات – أحمد القديدي– محسن حسن –  ماهر بن ضياء – الطاهر فضيل…

ب – الحزب الليبرالي المغاربي (بقيادة محمد البوصيري بوعبدلي): وهو حزب ليبرالي فعلا واستطاع في البداية الصمود في الساحة السياسية، إلا أنه بقي نخبويا ما بعد 2014 مع أن قيادته اقتربت من حزب تحيا تونس…

ت- آفاق تونس (بقيادة ياسين إبراهيم): وهو حزب تأسس بعد الثورة، وتحديدا سنة 2011، أسسه عدد من مثقفي اليمين الليبرالي، وأساسا من جمعية “آتيج” (الدارسين في المدارس الفرنسية العليا)، وهو حزب تحصل على 8 مقاعد في مجلس نواب الشعب الحالي (بينما كان له 4 نواب فقط في المجلس الوطني التأسيسي) ورغم تأسيسه لكتلة نيابية مع نواب مستقلين ومن أحزاب صغرى، إلا أنها حلت بسبب الاضطراب السياسي لمواقفه وسياساته، وللحزب قدراته المالية وقدرته على تأطير النخب الشبابية الليبرالية، وله مواقف سياسية براغماتية ومتوازنة رغم تبنه المنطق الاستئصالي منذ أكثر من سنتين، وعمليا خسر الحزب رهان أن يكون من الأحزاب الثلاثة الأولى في أفق نهاية العشرية الحالية وذلك بسبب الانقسامات التي حجمت دوره نتاج أخطاء ياسين ابراهيم، وقد كان مرشحا إلى أن يفتك قطاعات واسعة وعديدة من حزبي نداء تونس وتحيا تونس إلا أن العكس هو الذي حدث….

ث – حزب البديل التونسي، وهو الحزب الذي أسسه رئيس الحكومة الأسبق المهدي جمعة كحزب ليبرالي وهو أقرب لليبرالية المتوحشة من حيث سياساته أثناء ترأسه للحكومة أو طبيعة قياداته الحالية، وهو حزب لم يحصل على أي نتائج تذكر ومت المنتظر أن يبقى حزبا نخبويا…

ح – أحزاب ليبرالية أخرى، لقد أثبتت السنوات الماضية وخاصة بعد انتخابات 2014 أن كل هذه الأحزاب التي توسم نفسها بالليبرالية ما هي إلا أحزاب ضعيفة ولا استراتيجيا لها نتاج ضعف حاضنتها الشعبية وقصورها الاجتماعي والثقافي وعدم قدرتها على تقديم أدبيات وبدائل وبرامج سياسية تتناسب مع خصوصيات المجتمع التونسي وتطوره وبالتالي فهي عاجزة عن الاستقطاب، وخاصة في الجهات الداخلية وفي الأوساط الشبابية والنسائية مما يعني قصورا في فهم التطورات من مرحلة إلى أخرى (قبل وبعد الثورة) ومن مرحلة إلى أخرى ومن محطة انتخابية إلى أخرى وإلا ماذا يعني مثلا تراجع أحزاب ليبرالية  بشكل لم يعد لها أي حضور يذكر في السنتين الماضيتين؟ وعمليا يمكن تصنيف قلب تونس ‘ بقيادة نبيل القروي) و”تحيا تونس” و”نداء تونس وغيرها من الأحزاب التي ركبت موجة الوسطية بأنها فعليا أحزاب ليبرالية أو هي في حد أدنى أحزاب يمين الوسط….

خ- حزب الأحرار التونسي (بقيادة منير بعطور): وهو حزب انتهى موضوعيا وبقي اسما بدون مسمى، وهو حزب انشق بعد الثورة عن الحزب التحرري لطبيعة علاقته بنظام المخلوع، ونشط مدة محددة، وبقي نخبويا، إلا أن أحداثا حفت بزعيم الحزب جعلت الحزب في موضع البطالة الكاملة عن النشاط السياسي وركوب موجة إبراز إعلامي لمشكلة المثلية الجنسية وجمعية شمس وغيرها من المواضيع التي لا تعني شسئا للتونسيين بل هي مستفزة لهم ولخصوصياتهم الحضارية والقيمية…

++ أي مستقبل للأحزاب الليبرالية في أفق الاستحقاقات الانتخابية؟

أ- إن أزمة الأحزاب الليبرالية في تونس ما بعد انتخابات 2014، هي مع بعض الاختلافات أزمة مشهد سياسي بكامله، باعتبار أن أحزابنا التونسية بكل مدارسها لم ينطبق عليها مفهوم الحزب السياسي حيث لم تتطور ولم تتهيكل ولم تفتح مكاتب في الجهات حيث تواجدها يكون مناسباتيا ومرتبطا بالاستحقاقات الانتخابية، وحتى من استطاع ذلك فبناء على عوامل تاريخية تراكمية في بنائه ويضاف إلى كل ذلك ظاهرة تناحر التيارات والخلاف بين الزعامات وهذا سمة الأحزاب الليبرالية التونسية ولا يمكن التغافل على ظاهرة السياحة السياسية التي زادت من قتامة المشهد الحزبي الليبرالي المتأثر في بنتيه بمراحل الاستبداد حيث لم يفسح النظام طوال العقود الماضية ببناء تنظيمي هادئ لأي تيار مما يعني أن كل مؤسسي الأحزاب قد تأثروا ببورقيبة وبفكرة الزعيم الملهم والزعيم الأوحد، ولم يبنى أي تنظيم بعقلية البنية الواضحة وفقا لأهداف سامية وعلى أساس الأفكار والرؤى…

ب- مما لا شك فيه أن أحزاب على غرار “نداء تونس” و”تحيا تونس” و”قلب تونس” هي أحزاب يمينية وليبرالية وهي مرشحة أن تحصل على ما يعادل كتل نيابية ربما تكون وازنة بل هي عمليا ضمن أقصى اليمين الليبرالي وهي أقرب للعائلة الدستورية رغم ضمها لقيادات سابقة ومعروفة بأنها نقابية وتجمعية ويسارية ( على غرار عناصر من الحزب الشيوعي وشبكات وتنتظيمات “الوطد”)…

ت- ما سبق ذكره يعني بالضرورة أننا سنبقى حتى بعد الاستحقاق الانتخابي بفصليه الرئاسي والتشريعي، ضمن منطق التشتت والتبدل الدوري في مشهد التيارات الليبرالية التونسية…

المصدر/ السياسي بتاريخ 09/09/2019

لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق