الجزائرتقاريرسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

الجزائر: الحراك وملامح الخارطة السياسية الجديدة (3من3)

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

 

     ++ تمهيد

تواصل الحراك الجزائري الأسبوع الماضي عبر تنظيم مسيرات الجمعة الثانية عشر والتي تلت وتفاعلت مع إيقاف الثلاثي “السعيد”، “توفيق” و”طرطاق” والتحقيق معهم في عدد من القضايا الخطيرة، ثم سلسلة من الإجراءات والقرارات المهمة التي حققت أهم مطالب الحراك، ومن المنتظر أن يتم غدا الجمعة 16 ماي 2019 تنظيم فعاليات الجمعة الثالثة عشر عبر مواصلة المطالبة برحيل بقية أركان نظام “بوتفليقة”  والتأكيد مجددا على التماهي بين الجيش والشعب، ورغم تقديم أكثر من 73 شخصا ترشحاتهم لرئاسيات 04 جويلية القادم، فإنه من المنتظر الإعلان خلال الأيام القادمة عن خطوات مهمة في محاربة الفساد وتلبية بقية مطالب الحراك…

ولسبر أغوار معالم الخارطة السياسية والاجتماعية الجديدة في الجزائر استعرضنا في الحلقات الثلاث السابقة من الدراسة، أهم الملاحظات الأساسية حول للمشهد السياسي وعرض أهم مفرداته وتطوراته بين 22 فيفري الماضي وبداية شهر ماي الحالي  أما في هذه الحلقة الأخيرة، فنستقرأ ملامح الخارطة السياسية المستقبلية في الجزائر …

++ أي ملامح للخارطة السياسية المستقبلية في الجزائر؟

أ- عاشت الجزائر تاريخًا حافلًا بالانجازات كما عاشت خلال العقود الماضية مصاعب كثيرة بدءًا من حرب التحرير وصولا لمصاعب بناء الدولة الوطنية وتحدياتها والصراعات بين النخب السياسية والعسكرية…

ب- بدلا من أن تستفيد الجزائر من دروس أحداث أكتوبر 1988، اتجهت الأمور بشكل عكسي نتاج أخطاء تقديرية للنُخب السياسية الحاكمة وأيضا المعارضة وخاصة منها قيادات “جبهة الإنقاذ” التي قدمت منطق المغالبة على منطق المشاركة، فدفعت الجزائر أثمانا باهضة وخاصة بعد الانقلاب على المسار الديمقراطي في بداية التسعينات والذي كانت ترتباته جد كارثية في غياب منطقي الحوار والتنازل، فحدثت مآسي “العشرية السوداء” حتى أن الدولة والمجتمع الجزائريين لا يزالان حتى اليوم يواجهان الجماعات المتطرفة وخاصة في المناطق الحدودية، ولاشك أن كل تلك الاضطرابات والحقب والمراحل السياسية قد ساهمت بنسب مُختلفة في تشكيل النظام السياسي الجزائري الحالي والذي تُطالب النخب بل والحراك الشعبي بتعديله والتشاور بشأنه….

ت- الثابت أن الحراك ونُخبه وكل النخب السياسية يحلمون اليوم وسيعملون في المستقبل في البحث عن بلورة رؤية سياسية مستقبلية تجاه القضايا الداخلية والخارجية في ظل وضع إقليمي متغير ومتطور ووضع دولي ملتبس وقابل للتشكل في كل الاتجاهات…

ث- “النظام الرئاسي” هو النظام السياسي الحالي الذي يقره الدستور الجزائري المعدل في 2006، وحتى مطالب الحراك استهدفت الأشخاص ومحيط الرئيس ولم تستهدف طبيعة النظام السياسي أو مضمون ونصوص الدستور، ومعلوم أن رئيس الجمهورية يحتل في النظام السياسي الحالي هرم السلطة التنفيذية، بل أن الدستور يمنحه صلاحيات واسعة جعلته يمثل مركز ثقل النظام السياسي، كما ينص على التعددية السياسية والمؤسسة البرلمانية، لكن تبقى الحظوة للرئاسة فيما يخص العلاقة بين المؤسسة التنفيذية والمؤسسة التشريعية، وهو ما يعني أن النظام السياسي الجزائري هو ديمقراطي “بنيويًا”، نتاج توفر حد أدنى من الخصائص الديمقراطية ولكنه ليس وظيفيا، وهو ما يعني أن مسؤولية ترسيخ الديمقراطية تعود وستعود مستقبلا لإرادة الفاعلين السياسيين وممارساتهم أساسًا وليس لبنية النظام السياسي من الناحية الدستورية….

ج- عمليا لا يُقدم الدستور الجزائري أي دور سياسي للجيش بشكل ظاهري على الأقل، لكن المتابعين ينظرون عموما إلى الجزائر بكونها تحت حكم عسكري منذ انقلاب “هواري بومدين” على أول رئيس بعد الاستقلال أي “أحمد بن بلة” بدعوى “تصحيح المسار الثوري” يومها (أي سنة 1965) لكن واقعيا المؤسسة العسكريةلها فعليا دور بارز في النظام السياسي الجزائري، وإن تراجعت القبضة العسكرية منذ بداية الألفية الحالية إلا أنه لا زال للجيش تأثير قوي على مصدر القرار، بما له من استخبارات ومعلومات وإمكانيات وكفاءات وتنظيم محكم صارم وقوة ردع لا تقاوم، وقد تبين ذلك خلال الحراك الحالي فالمؤسسة العسكرية هي الرئة التي سارت بها الدولة منذ 22 فيفري الماضي، ولكن قيادة المؤسسة انتبهت للمزالق التي يُريد البعض دفعها نحوها فرفضت عبر خطابها وتصريحاتها وإجراءاتها العملية الانزلاق مجددا لمربع التسعينات، ونعتقد أنها ستكون حذرة مستقبلا لكي لا تتكرر أخطاء مرحلة “بوتفليقة” أو حتى ما قبلها وستعمل أن تبقى حامية للجزائر ويحتكم إليها في الظروف الطارئة والاستثنائية بين كل الفرقاء الجزائريين سياسيا واجتماعيا…

ح- تتمثل المعارضة الجزائرية في القطب الإسلامي المشكل فسيفسائيا من “حركة مجتمع السلم” (حمس) وأحزاب “البناء الوطني” و”حركة النهضة” و”حركة الإصلاح الوطني” و”جبهة العدالة والتنمية” و”حزب الحرية والعدالة” وبعض نخب “جبهة الإنقاذ” المحظورة، وأحزاب علمانية أبرزها “حزب جبهة القوى الاشتراكية” و”التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية”، بالإضافة إلى “حزب طلائع الحريات” (بقيادة رئيس الحكومة الأسبق “علي بن فليس”) وهي قوى سياسية تدعو إلى التغيير، لكن لكل منهم رؤية مختلفة وتصورات متباينة للطرق الكفيلة بتحقيق ذلك، ولكنها جميعا تعاملت بذكاء وحس سياسي مع الحراك ومطالبه ورفضت العهدة الخامسة…

خ- سنة 2011 وفي الوقت الذي كانت فيه رياح الربيع العربي تهبُ على البلدان العربية قبل أن تتحول إلى ريح عشواء في بعضها (باستثناء تونس أساسا)، كانت الأنظار يومها تتجه إلى الجزائر ولكن بعكس التوقعات خرج النظام الجزائري يومها بأقل التنازلات، حتى مقارنة مع الجارة المغربية، حيث لم تعرف الجزائر إلا مظاهرات محدودة جدا تم احتواؤها بسرعة، ولكن البلاد لم تتجنب تشكل بارونات مصالح وفساد نهبت خيرات الجزائر وعبثت بمقدراتها حتى ن رئيس الأركان الحالي “أحمد قايد صالح” سماها بـــ”عصابة الفاسدين والمفسدين”، ومع ذلك فقد استفادت الجزائر من أجواء الحرية في المنطقة فقد تم إلغاء العمل بحالة الطوارئ منذ مطلع سنة 2011، كما تراخت يومها القبضة الأمنية، كما انتعشت حرية التعبير ونشاط القوى المدنية والسياسية وهو ما مكن الحراك الجزائري من اكتساب طرق مبتكرة في السلمية والاستقلالية ورفض الوصاية سواء من قوى في الداخل الجزائري وأيضا رفض كل توظيف ووصاية خارجية وتم توجيه رسائل واضحة للفرنسيين خاصة وللغربيين عامة إضافة لرفض تدخلات قوى إقليمية وبالأساس المشرقية بالذات…

د- تنقسم رؤى المُحللين والمتابعين للتطورات في الجزائر حول مستقبل النظام السياسي، فهناك من يرى وهو -الاتجاه الأكثر تشاؤما- أن النخبة العسكرية ستستمر في احتكارها للسلطة، وإن صنعت مشاهد توحي بأن هناك تحولًا نحو الديمقراطية، أما الاتجاه الأكثر تفاؤلا فيرى أن المجتمع الجزائري بلغ مستوى من الوعي والنضج بعد تاريخه الحافل بالمعاناة، يخول له الانتقال إلى الديمقراطية الحقيقية، حيث يمكن للمؤسسة العسكرية أن تلعب دورًا توحيديًا وتصالحيًا مع مختلف المكونات الجزائرية، وكما أكدنا في الحلقة الثالثة من هذه الدراسة فان الخيار الثاني هو الأقرب في ظل التحقق التراكمي لمطالب الحراك الشعبي وتماهي المؤسسة العسكرية مع مطالبه منذ 11 مارس الماضي وخاصة خلال الأسبوعين الماضيين …

ذ- تعيش الجزائر منذ 22 فيفري الماضي مخاضا سياسيا ومدنيا، ينبئ ربما عن تغيير سياسي مستقبلا، خصوصا بعد إيقاف “السعيد” و”توفيق” و”طرطاق” وقبل ذلك إفشال تمرير العهدة الخامسة الأمر الذي ينظر إليه أن الجزائريين قد صنعوا الاستثناء سلميا وما تعمل له شعوب طوال سنوات وعقود ولا شك أن المعرضة والحراك سيطالبون بأن يزداد الضغط المدني والسياسي من أجل وقف الرقابة الشديدة لجهاز المخابرات المسمى “دي آس آر (DSR)، في حياة أفراد المجتمع وحريتهم مستقبلا….

ر- هناك ثلاثة ملفات أساسية تلقي بظلالها على الشأن الحكومي الجزائري خلال المرحلة القادمة وخاصة لو تم الإبقاء على كل من “بدوي” كرئيس للحكومة و”بن صالح” كرئيس مؤقت، وهي الأمن والعدالة والديمقراطية، فالهاجس الأمني سيكون الشاغل الأكبر للدولة الجزائرية حاليا ذلك أن ما يجري في ليبيا وانتعاش نشاط الجماعات المتطرفة في أراضيها الحدودية الشاسعة يشكل وسيشكل تهديدا حقيقيا للبلد، بالإضافة إلى القلق الداخلي الممثل في سعي أطراف إقليمية ودولية إلى توظيف مباشر وغير مباشر للصراعات العرقية بين الأمازيغ والعرب (الصراع الإثني) وأيضا للصراع الجهوي (صراع شرق/عرب)…

ز- تملك الدولة الجزائرية موارد نفطيةضخمة تدرّ على البلد مداخيل مالية مهمة لكنها عانت خلال السنوات الماضية بحدة من سوء توزيع تلك الموارد بل وكل الثروة بين مختلف أفراد الشعب، كما لا تنعكس الموارد المالية المحصلة من النفط على مستوى التنمية بشكل مقبول، ما يؤدي إلى احتقان اجتماعي اقتصادي في الأوساط الشعبية (وهو ما تجسد في جزء من مطالب الحراك)…

س- بدأت الجزائر تنفتح في السنوات الأخيرة سياسيا واقتصاديا على الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا وحتى إيران، ولم تعد تنحصر علاقتها مع حليفيها التقليديين روسيا والصين، كما تحاول توطيد علاقتها مع فرنسا بشكل توازني في العلاقات الثنائية بين البلدين…

ش- تنظر الجزائر بعين الاهتمام للوضع بليبيا وبمالي، حيث يرتبط استقرار المنطقتين بأمنها القومي، ما جعلها تقود محاولات تهدئة عبر الحوار السلمي والاتفاق بين الأطراف المتصارعة هناك، وكانت الجزائر قد رفضت منذ 2013 طلبًا للقاهرة بالتدخل في ليبيا عسكريا، وقد رفض ووزير الجزائري ما قام به حفتر من قصف لطرابلس الغرب، ومعلوم أن الجزائر أبدت تحفظها على تشكيل قوة عسكرية عربية مشتركة، كما تحفظت سنة 2015 على العملية العسكرية “عاصفة الحزم” التي تقودها السعودية في اليمن لردع الحوثيين، مفضلة المفاوضات السياسية السلمية لحل كل الأزمات الإقليمية…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية ،16 ماي 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق