المغربتحاليلشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

المغرب : خلفيات الانسحاب المتأخر “للكتاب” من حكومة العثماني

افريقيا 2050  خلود الطيب

بعد أزيد من 20 سنة من المشاركة في الحكومات المتعاقبة منذ حكومة عبد الرحمن اليوسفي، قرر حزب “التقدم والاشتراكية” وضع نقطة نهاية لهذا المسار، معلنا اختياره الاصطفاف في المعارضة.

والواقع أن هذا القرار يأتي متأخرا، بالنظر إلى أن مسببات نزوله كانت حاضرة منذ الإعلان عن تشكيل حكومة سعد الدين العثماني، التي ظل حزب علي يعتة فيها “شبه منبوذ” داخل تحالفها الحكومي الذي كان يرى قادة أحزابه أنه موروث عن حقبة سابقة (حكومة عبد الإله بن كيران).

إن العناصر الذاتية في انسحاب حزب “الكتاب” تتطلب تقديم كرونولوجيا إشكاليات وجوده داخل الأغلبية الحكومية، ولكن قبل القيام بذلك لا بد من الاعتراف أن عددا من المعطيات الواردة في بلاغ الانسحاب الصادر عن الديوان السياسي يمكن اعتبارها ملاحظات وجيهة.

التشخيص الذي قدمه بيان الحزب يمكن تجميعه في عدد من النقط:

أولها غياب “النفس السياسي” الذي يمكن من التعاطي الفعال مع الملفات والقضايا المطروحة، وهذا يمكن التعبير عليه بأزمة الوساطة مع المجتمع التي ظهرت خلال عدد من الأحداث والاحتجاجات الاجتماعية الكبرى (احتجاجات الحسيمة، احتجاجات جرادة، احتجاجات الأساتذة المتعاقدين..).

إن غياب المخرجات السياسية للإشكاليات الكبرى يجعل من الحكومة مجرد وزارات لتصريف الأعمال الغير قادرة على الحوار المباشر مع المجتمع.

وطبعا فإن أزمة الوساطة لا تعني الحكومة وحدها وإنما حتى الأحزاب المشكلة لها، التي يبدو أنها نسيت دورها الدستوري المحدد في التمثيل والتأطير، وانخرطت في صراع انتخابي قبل أوانه بكثير، والواقع أن تنبيه البيان المذكور إلى كون مكونات الأغلبية الحكومية قد خيم عليها “الصراع والتجاذب والسلبي وممارسات سياسوية مرفوضة، حيث تم إعطاء الأولوية للتسابق الانتخابوي في أفق سنة 2021″، ملاحظة صحيحة ولا تحتاج إلى حجج كثيرة، يكفي فقط التذكير بالملاسنات التي طالما عبر انخرط فيها زعماء الحزبين الذين يقودان الحكومة (البيجيدي والأحرار).

إن الملاحظتين الواردتين في بيان حزب “الكتاب” تستندان على العديد من المعطيات التي لا حاجة اليوم إلى التنقيب عليها لأنها متوفرة، وتحول الحديث بشأنها إلى ما يشبه التحصيل الحاصل.

ويبقى الرهان على الحكومة بعد التعديل الوزاري الموسع من أجل تجاوز النقط السلبية، رغم أن المؤشرات بهذا التغيير تبقى ضعيفة.

وبالعودة إلى قرار “التقدم والاشتراكية” وجب التذكير أنه جاء متأخرا للعديد من الاعتبارات، فوجوده داخل هذه الأغلبية الحكومية لم يكن مرغوبا فيه منذ البداية.

حزب “الكتاب” كان في البداية جزء من أحزاب الكتلة الديمقراطية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي) وشارك معها في كل الحكومات المتعاقبة منذ سنة 1998، وبعد انتخابات 2011 السابقة لأوانها اختار أن يشارك في حكومة عبد الإله بن كيران.

تطور الأحداث السياسية ولاسيما بعد خروج حزب “الاستقلال” إلى المعارضة، جعل حزب علي يعتة يصبح حليفا لحزب “العدالة والتنمية”، والواقع أن الحزبان معا لم يجمعهما تحالف بين هيئات سياسية، وإنما كان تحالفا بين شخصين هما نبيل بنعبد الله وعبد الإله بن كيران، الأول وجد في الثاني مصدرا لقوة جديدة لحزبه يترجمها عدد الوزارات والثاني وجد فيه مظلة سياسية تقيه من “العزلة السياسية”.

وخلال فترة البلوكاج الحكومي  التي تلت انتخابات  2016 كان واضحا أن عزيز أخنوش، رئيس “التجمع الوطني للأحرار” بمعية حلفائه الحزبيين حينها (الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية) الذين حصلوا على أزيد من 100 مقعد، يريدون إزاحة “التقدم والاشتراكية” من الحكومة، لكنهم كانوا يتجنبون ذلك على اعتبار أن لائحة شروطهم كانت أكبر من أن يتضمنها هذا الشرط (إقصاء حزب الاستقلال كان حينها أولوية).

فشل بن كيران بسبب رفضه الإذعان لشروط أخنوش في تشكيل الحكومة، وعوضه سعد الدين العثماني الذي نفذ كل شروط رئيس التجمع الوطني للأحرار بما فيها دخول حزب “الوردة” إلى الحكومة، وكان من الصعب حينها المطالبة بإبعاد حزب “الكتاب” مخافة المساس بعملية الإعلان عن الحكومة في صيغتها الجديدة ولاسيما وأن قرارا من هذا القبيل لم يكن ليستسيغه جناح بن كيران بسهولة لأن التحالف مع رفاق بنعبد الله يعنيه هو أساسا.

استمر حزب التقدم والاشتراكية في الحكومة وجاءت محطة احتجاجات الريف التي تم بموجبها معاقبة عدد من الوزراء المقصرين في ما عرف بملف “الحسيمة جوهرة المتوسط”، فكان نصيب الحزب قرار بعزل اثنين من وزرائه على خلفية تعثر مشروع “الحسيمة: جوهرة المتوسط”، وهما محمد نبيل بنعبد الله نفسه، باعتباره وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والحسين الوردي، باعتباره وزير الصحة السابق، وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه البعض انسحاب “التقدم والاشتراكية” من الحكومة قررت لجنته المركزية الاستمرار في التحالف الحكومي.

بعد ذلك جاء إعفاء شرفات أفيلال بشكل مفاجئ من مهامها ككاتبة دولة لدى وزارة التجهيز والنقل والماء واللوجستيك المكلفة بالماء، إذ جاء في بلاغ للديوان الملكي أن جلالة الملك “تفضل بالموافقة على اقتراح رئيس الحكومة، بحذف كتابة الدولة المكلفة بالماء لدى وزارة التجهيز والنقل واللوجيستيك والماء”. هذا الإعفاء المفاجئ إن دل على شيء فإنه يدل على أن “التقدم والاشتراكية” لم يعد لا حليفا ولا رقما بالنسبة إلى “البيجيدي”، وهو ما فهمه جدا نبيل بنعبد الله الذي بدأ يعد للخروج من الحكومة منذ شهور عبر تصريحات إعلامية يلوح فيها بالانسحاب من حكومة سعد الدين العثماني.

كما أن المؤشر الثاني لتأزم العلاقة بين الحليفين السابقين، يتمثل في عدم موافقة “البيجيدي” على ترؤس التقدم والاشتراكية للجنة المالية بمجلس النواب، فبعدما قررت المجموعة النيابية لرفاق بنعبد الله في الغرفة الأولى ترشيح النائب رشيد الحموني، اختار حزب “المصباح” الدفع بنائب من فريقه البرلماني والذي تمكن من الفوز بهذا المنصب. وهو ما اعتبره المكتب السياسي لحزب “الكتاب” سلوكا منافيا “لأخلاقيات العمل السياسي النبيل القائمة على احترام الالتزامات والاتفاقات القبلية، والمنافي لروح الدستور والقانون الداخلي لمجلس النواب فيما يخص حماية وتعزيز وتكريس التعددية”.

وبناء على هذه الأحداث وكرونولوجيا وجود التقدم والاشتراكية في الحكومة، فإن اختيار رفاق بنعبد الله الخروج إلى المعارضة لم يكن موقفا مفاجئا، بل إن الأمين العام للحزب نفسه أشار إليه بشكل واضح لا ينم عن مجرد حسابات لتعزيز موقع تفاوضي.

والسؤال الذي سيطرح: هل سيتمكن “البيجيدي” من الاستمرار دون حليف قوي سياسيا، مع تحالف من أربعة أحزاب جاءت إلى الحكومة مجتمعة تحت مظلة التجمع الوطني للأحرار؟

المصدر :  الجريدة 24 بتاريخ 05 اكتوبر 2019
لقراءة الخبر من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق