تونسدراساتسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقيا

تونس..الأحزاب الدستورية والتجمعية: تداخل وصراعات وحذر من السيناريوهات المستقبلية (10)

علي اللافي – كاتب ومحلل سياسي

بعد اندلاع ثورة الحرية والكرامة سنة 2011 وحل “التجمع الدستوري الديمقراطي” في مارس من نفس السنة بطلب شعبي، عمد أباطرة المنظومة القديمة إلى تأسيس عددا من الأحزاب الدستورية والتجمعية بلغ عددها في أكتوبر 2011 عمليا 47 حزبا، إلَا أن نتائج انتخابات 23 أكتوبر 2011 ونتائج انتخابات 26 أكتوبر 2014  ثم بلديات ماي 2018  جعلت الأحزاب الدستورية والتجمعية الناشطة يتقلص إلى أقل من 08  أحزاب بينما تم حل بعض الأحزاب الأخرى مُقابل انصهار البعض في أحزاب أخرى يسارية أو ليبرالية أو وسطية، فما هي تلك الأحزاب وما هي آفاقها المستقبلية في أفق الاستحقاقات الانتخابية بشقيها الرئاسي والتشريعي وعلاقاتها بأحزاب نداء تونس والبديل التونسي و”تحيا تونس” و”آفاق تونس” و”الحزب الدستوري الحر” وبقية مكونات المشهد السياسي؟

++ المسار التاريخي للدساترة وأحزابهم

بدأت قصة الأحزاب الدستورية مع “الحزب الحر الدستوري التونسي” الذي أسسه الشيخ الثعالبي سنة 1920، من أجل المطالبة بإقرار دستور وبرلمان تونسيين وبالتحرر الوطني هو الحزب الذي كان جامعا للتونسيين باستثناء الشيوعيين الذين انضموا لــ”الحزب الشيوعي التونسي” قبل وبعد تونسته سنة 1937، إلَا أن الخلافات داخل الحزب ومحاولات اختراقه تعددت يومذاك عبر بعث تنظيمات سياسية لاختراقه على غرار “الحزب الإصلاحي”(القلاتي) و”الحزب الدستوري المستقل”(بن عياد)، ومع بداية سنة 1934 حدثت خلافات داخله أدت في الأخير إلى ظهور حزبين عُرفا عمليا باسمي “الدستوري الجديد” و“الحزب القديم”، أما عشية الاستقلال فقد انحرف الحزب عن أهم رسائله بعد عمليات تصفية متبادلة بين تيَاري “الديوان السياسي” (بقيادة الحبيب بورقيبة) و”الأمانة العامة” (بقيادة صالح بن يوسف) حول مُلابسات مفاوضات الاستقلال وانتهت الصراعات بسحق التيار “اليوسفي” وإعدام وتهجير قياداته ومُناضليه، بل أن الحزب دخل في متاهات “الفردانية” والتمجيد للزعيم الواحد مُنذ مؤتمر 1959 وازداد تغولا على حساب المجتمع اثر مؤتمر المصير ببنزرت ليعرف ظهور تيارات داخله في بداية السبعينات وخاصة بعد انتخاب بورقيبة رئيسا مدى الحياة في سنة 1974 فظهرت تنظيمات معارضة كانت قياداتها ركنا من أركان “الحزب الاشتراكي الدستوري”، وليتطور الصراع حول خلافة بورقيبة إلى أزمات سياسية واجتماعية حادة (الصدام مع الشغالين في 1978 – أحداث قفصة سنة 1980 – أحداث الخبز 1984 – الأحداث الطلابية 1986)، مما أدى في الأخير إلى سقوط بورقيبة ونظامه وقيام الجنرال “بن علي” بانقلابه الأبيض أي عمليا محاولة إنقاذ النظام من داخله، وتم تسليم الحزب في ربيع سنة 1988 إلى الجنرال الذي ناور عبر التلويح بتأسيس “حزب التغيير”، ليستولي على ما تبقى من الحزب الدستوري الحاكم ويعقد له مؤتمرا، سُمي بمؤتمر “الإنقاذ”، ثم تم تحويل الحزب إلى قطعة قماش بالية ليمسح فيها النظام بل الجنرال وعائلته وحاشيته ومستشاريه كُل جرائمهم وعمليات نهبهم المُتواصلة لمُقدَرات الدولة ومُحاصرة أنفاس المجتمع…

وهو ما أدى إلى سقوطه ثم مرحلة ترهله الذي بدت ملامحها واضحة اثر تحرك 18 أكتوبر 2005 للمعرضة الراديكالية (النهضة – البوكت – ناصريين – ديمقراطيين تقدميين – مستقلين)، وتحركات الحوض المنجمي قبل أن يطلق الشهيد “محمد البوعزيزي” شرارة ثورة الحرية والكرامة، ولم يصمد النظام حتى شهر واحد ليفر رمزه بجلده ليترك وراءه الشُعب والجامعات وأركان نظامه والذين سارعوا اثر حل حزبه بعد مطالب شعبية أمام مقره المركزي، بتأسيس أحزاب تحت مُسمَيات عديدة بلغت عناوينها 47 عنوانا وقد تأسست أغلبها في فيلا قريبة من حي المنار 03، وهي أحزاب أقامت في ما بينها تآلفا دستوريا في أكتوبر 2011 ولكنها لم تحصد أي مقعد في المجلس الوطني التأسيسي …

 ++ فُسيفساء الأحزاب الدستورية والتجمعية

أ-الأحزاب والتحالفات الدستورية ذات المرجعية “البورقيبية”

             وهي الأحلاف والأحزاب التي تغلب صفة الدستورية على سمتها “التجمعي” سوى من حيث مرجعياتها التاريخية او مقولاتها وقراءتها للأحداث والتطورات السياسية أو من حيث أن قياداتها لم تتورط بشكل كُلي في سياسات نظام الرئيس المخلوع، أو هُم في حدَ أدنى تخلَصوا من تجربته بشكل كُلي وبمقولاته الكلاسيكية في الإقصاء وتبرير سياساته الكارثية، ومن بينها حزب “المبادرة الوطنية الدستورية” الذي أسسه “كمال مرجان” بداية سنة 2011 تحت مسمى حزب “المبادرة”، والذي خاض عددا من المشاورات مع أحزاب “نداء تونس” و”حزب المشروع” و”مجموعة الزنايدي” وبعض قيادات “الحزب الدستوري الحر”، ثم تطورت الخلافات السياسية بين قياداته مما حدا بمجموعة الوطن بقيادة “محمد جغام” بمغادرة الحزب بداية سنة 2017 والعودة إلى مربعه الأول عند تأسيسه من طرف مرجان وفريعة تحت مسمى حزب “الوطن”، أما حزب “المبادرة الدستورية” فقد اختار منذ نهاية ماي الماضي الانصهار في حزب “تحيا تونس”…

 ب- أحزاب السلفية “الدستورية” و”التجمعية”

+  حزب الاستقلال: وهو حزب صغير أسسته مجموعة صغيرة بقيادة “ريم المورالي”، وهذه الأخيرة قيادية سابقة بحزب “المبادرة”، وكانت قبل الثورة أحد أهم الفاعلين في مكتب الأمين العام للتجمع المنحل…

+  الحزب الدستوري الحر وهو تسمية جديدة للحزب الذي أسسه حامد القروي سنة 2013 إلا أنه وبانسحابه توخَى الحزب عقلية أكثر إقصائية تجاه الآخر السياسي (مرزوق – الإسلاميين – القوميين)، بل ومارس الإقصاء السياسي حتى تجاه بعض قيادييه (طرد حاتم لعماري ونزيهة زروق وآخرين إثر مؤتمر أوت 2016 التأسيسي)، وهو ما يجعل صفة السلفية الدستورية ميزة موضوعية لحزب “موسي” ومن بقي فيه معها.

ت- أحزاب تتبنَى أو هي تدعي أو تتبنَي المرجعية الدستورية:

            عمليا تأسست أحزاب عدة تتبنى المرجعية الدستورية والبورقيبية ولكنها لم تصمد في المشهد السياسي أكثر من سنة واحدة على غرار أحزاب البورقيبية الجديدة (صلاح مصباح) وحزب الحداثة (الأستاذ البعزاوي) وأحزاب “عبد المجيد شاكر” و”فيصل التريكي” و “بن خود” وآخرين من قيادات الحزب الاشتراكي الدستوري في السبعينات، أما الأحزاب التي بقيت فاعلة في الساحة السياسية من حيث حضورها الإعلامي فهي:

حركة مشروع تونس: هو عمليا انشقاق عن “حركة نداء تونس” اثر خلافات أثناء فترة حكومة الحبيب الصيد الأولى، مع ما عُرف يومها بشق جربة (مجموعتي المدير التنفيذي ومدير الديوان الرئاسي آنذاك “رضا بلحاج”)، إلا أن مرزوق سارع عمليا إلى ممارسة سياسة فردية أبعدت عنه مبكرا عددا ممن غادر معه النداء، على غرار “الطاهر بلحسين” و الاستاذين “عبدالستار المسعودي” و”لزهر العكرمي” وآخرين، ثم انشق عنهم أيضا نواب وقياديين آخرين على غرار “وليد جلاد” و”بشرى بلحاج حميدة”، كما شهد الحزب استقالات في عدد من الجامعات والفروع، ويتبنى مرزوق وحزبه مقُولات دعائية على غرار “البورقيبية الجديدة” و”المشروع الوطني العصري”….

حزب بديل تونس: وهو حزب كفاءات إدارية كما يؤكد رئيسه المهدي جمعة، وهو حزب يضم تكنوقراط وبعض وزرائه سنة 2014 وهو حزب يتبنى الإرث البورقيبي سياسيا وفكريا كما يضم عددا من مُنتسبي التجمع المنحل وخاصة الفاعلين الاقتصاديين الذين كانوا يستفيدون من النظام وحزبه الواحد…

حزب تونس المستقبل: وهو حزب يقوده القيادي بتيار اليسار الماركسي في نهاية ستينات وبداية سبعينات القرن الماضي، وهو أيضا قيادي سابق في النداء،  وهو حزب يضم أمنيين متقاعدين وتجمعيين من ذوي الخلفية اليسارية وخاصة في قناتهم الفكرية والاجتماعية…

 ث- حزب حركة نداء تونس وتيَاراته المُتصارعة

لا يختلف اثنان أن نداء تونس التحقت به نُخب من مختلف المشارب الفكرية رغم انه وظَف عمليا الماكينة التجمعية وسط تعتيم إعلامي، وقد استطاع الحزب التطور نحو حزب ليبرالي براغماتي وبفضل حنكة السبسي الأب، فخاض تجربة التوافق رغم وضعه الداخلي، كما سعى لاستقطاب شخصيات بارزة ووزراء سابقين، إلا أن الصراعات والتناحرات أنهكته وأصبح عمليا حزبا مُترهلا وضعيف سياسيا وإسما بدون مسمى وخاصة بعد فك الانصهار مع حزب الرياحي ووفاة الرئيس السابق الباجي قائد السبسي وبقاء حافظ السبسي في الخارج منذ أيام وانسحاب العديد من الوجوه وعمليا ساند الحزب ترشح “عبد الكريم الزبيدي” للرئاسية بحثا منه على الجواد الرابح وتم ذلك رغم مساندة “عيارة” وآخرين ليوسف الشاهد…

++  مستقبل الأحزاب الدستورية في أفق الاستحقاقات الانتخابية

تختلف آفاق الأحزاب الدستورية عموما بـــ:

أ طبيعة التطورات الإقليمية على غرار الوضع في مصر والأردن وما سيترتب عن تطور الأحداث في سويا وليبيا واليمن طبيعة تطورات المسار السياسي في الجزائر والمغرب وموريتانياـ فلا مستقبل لأحزاب على غرار “مشروع تونس” و”المستقبل” و”بني وطني” بدون انتصار الثورات المضادة وعودة المنظومات القديمة خاصة وان نتائج تلك الأحزاب في التشريعية منتظر أن تكون متواضعة، كما من المنتظر أن يحل كل من “العايدي” و”مرزوق” في وسط ترتيب الدرة الأولى للرئاسية ( بعد المرتبة 12 من أصل 26)  …

 ب نجاح تجربة الانتقال الديمقراطي وترسَخها ونجاح العدالة الانتقالية وعندئذ فلن يبقى في الساحة السياسية من بين الأحزاب الدستورية سوى حزب “تحيا تونس” ونسخة معدلة من “نداء تونس” ووجود ضعيف لــــ”لحزب الدستوري الحر” ……

ت قَدرة المجتمع المدني على تصحيح المسار الثوري والمساهمة في تحقيق أهداف الثورة واستكمال مهامها وعندئذ ستجد أحزاب على غرار أحزاب “الاستقلال” و”المستقبل” في طي النسيان والانحلال والتواري عن الساحة السياسية نهائيا…

 ث الحرب المستمرة بأشكال فكرية وسياسية وثقافية مختلفة بين أنصار الثورة التونسية وعقليات الثورة المضادة في الإدارة والمؤسسات وفي المجتمع وفي الخطاب الإعلامي والسياسي…

 ج لن يجدي توظيف “البورقيبية” واللعب على مقولات المشروع العصري بل ستدفع تلك الأحزاب ثمن التوظيف ومنطق التشويه المعتمد في خطابها السياسي لان عقلها السياسي لم يستوعب معطيات التاريخ وأبجديات حاضر الشعب وطبيعته المجتمعية والثقافية وفرادته في الرؤية السياسية الأقرب للفطرية، ولذلك من المنتظر أن تشهد الأحزاب الدستورية والتجمعية تصدعات كبرى وخاصة في حالة عدم صعود الثلاثي الزبيدي والشاهد وجمعة للدور الثاني، وعدم حصول حزبي “تحيا تونس” و”النداء” على كتل نيابية معتبرة، أما “الحزب الدستوري الحر” فسيعرف انقسامات جديدة وخاصة انك وتته النيابية لن تتجاوز أربع أو خمس نواب …

المصدر/ السياسي بتاريخ 08/09/2019

لقراءة المقال من مصدره اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق