رأيشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

حفتر/ترامب أو في حقيقة التلاعب بالعقول وبمسار الأحداث في ليبيا

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

في ماهية التطورات الأخيرة في ليبيا وعلاقتها بالاتصال “الحدث”

           لا شك أن الليبيين خلال الأسابيع القادمة هم أمام فرضيتين سترسمان مسار التاريخ لا في بلاد عمر المختار فقط، بل في كل المنطقة بامتداداتها المغاربية والعربية والإسلامية والمتوسطية والإفريقية:

  •  الفرضية الأولى، هي أن يبنوا ملاحم ويرسموا أحداثا خلال الأسابيع القادمة وهو ما يعني بناء أحداث وتطورات ستصنع التاريخ…
  • الفرضية الثانية، وهي (لا قدرالله)، العودة إلى مربع بداية السبعينات أي تصفية وقتل وانتقام متبادل وإخراج المبدعين والعلماء والعباقرة من ساحة الفعل ومستقبل ذلك سيقوم على الدفع الإقليمي والدولي لبناء وإقامة حكم عسكري تابع ومصطف إقليميا والسقوط في أداء أدوار وظيفية لقوى إقليمية ودولية لمدة عقود وتوزيع الثروات الليبية الهائلة والنادرة على الغير في بعض ربوع الأرض أو حتى على بناء ما يسمى بـــ”إسرائيل الكبرى”، وفي الأخير وبتجسد هذه الفرضية لن يستفيد الليبيون من خيراتهم ولو بنزر قليل…

ومن المعلوم للجميع أن هناك صراع في المنطقة تدور معاركه الحقيقة الآن ومنذ بداية الشهر الحالي على تخوم العاصمة طرابلس، فماذا يجري عمليا بعد عدم قدرة العسكري المتقاعد على دخولها وهو الذي تمنى ذلك مساء السبت 06 افريل/نيسان ثم بعد أسبوع ثم أسبوعين وها هي العاصمة صامدة موحدة بعد 17 يوما من معارك الكر والفر بين ثوار المنطقة الغربية وبين قوات حاسي/حفتر، فما هي حقيقة تواصل حفتر بالرئيس الأمريكي ترامب وما هي تفاصيل ما دار بين حفتر ومحاوره (بغض النظر عن هويته)، وكيف تم الترتيب لذلك وما هو موقع ذلك من حيث التأثير والتوجيه  في السيناريوهات المحتملة والمتوقعة لنهاية الحرب المفروضة على الليبيين والتي هي في الأول والأخير المنطق الدامي والمجسد والمتجسد للصراع الخليجي المحتدم منذ جوان 2017  ولكن على تراب طرابلس الغرب، وفي الأخير، ما هو مستقبل الجهود الدولية للتعامل مع تطورات الأزمة الليبية؟

حقيقة حيثيات الاتصال بين حفتر وأحد أركان الإدارة الأمريكية

  • لا خلاف بين كل المصادر الإعلامية والسياسية أن المكالمة تمت صباح يوم الاثنين الموافق 15 ابريل/نيسان 2019 أي بداية الأسبوع الجاري…
  •  تمت المكالمة عمليا بعد إلحاح شديد من بعض الشخصيات المقربة شخصياً من ترامب، وعلى رأسهم زوج ابنته “كوشنر” (وهو شخصية مقربة جداً من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ومن وزير الخارجية الإماراتي محمد بن زايد)…
  •  سبق لمصادر ومواقع وصفحات ومنذ عدة أشهر، أن أشارت إلى أدوار ومهام شركة علاقات عامة في واشنطن يعمل معها شخص اسمه “وليد فارس” (وهو أمريكي من أصول لبنانية وكان احد العاملين في حملة ترامب الانتخابية ولكنه لا يحمل أي صفة رسمية في الإدارة الأمريكية الحالية…)
  •  المدعو “وليد فارس” لديه تواصل مستمر مع “كوشنر” (صهر ترامب)، وفي الأيام القليلة الماضية تم حسب بعض مواقع ومنصات الكترونية دفع مبلغ مالي (الفرضية الأقوى أن تكون الحكومة السعودية أو الإماراتية هي الأرجح من قامت بتسديد ذلك المبلغ حسب ما رجحته مصادر إعلامية)، إلى شركة تتبع المدعو “كوشنر” من اجل ترتيب لقاء حفتر مع ترامب…
  •  نقلت مصادر مواقع وصفحات أنه بعد تدخل شخصيات من الإدارة الأمريكية في مجلس الأمن القومي والخارجية ووزارة الدفاع، تم صرف النظر عن ترتيب لقاء رغم الإلحاح الشديد من قبل كوشنر، ولكن وافق ترامب على إجراء مكالمة هاتفية معه لتبرير المبلغ المالي الذي تم دفعه للشركة التابعة لكوشنر…
  •  بعد أن تمت المكالمة يوم الاثنين 15 أفريل/نيسان الحالي، وعلم بها أعضاء في مجلس الأمن القومي ووزير الخارجية “بومبيو” ووزارة الدفاع الأمريكية، تم التكتم على المكالمة لمدة أربعة أيام (لأسباب قد تكون متعلقة بالرأي العام المحلي في أمريكا، والانتظار إلى بعد أن يصدر تقرير المدعي العام مولر – ولكن قد تكون لأسباب أخرى عديدة ومختلفة)…
  • تم الإفصاح عن المكالمة في إيجاز صحفي لموظف في البيت الأبيض وتم تجاهل الخبر من معظم وسائل الإعلام المحلية في أمريكا، نتيجة لاهتمامهم بتفاصيل تقرير المدعي العام مولر...
  • بداية من الجمعة 19 أفريل/نيسان الحالي تم تأكيد الاتصال مع الاختلاف في مضمون المكالمة (أنظر لاحقا تحليل المضمون والذي من الثابت أنه كان معوما وغير ملزم لان الرئيس الأمريكي في الأخير مرتبط بإدارة أمريكية عميقة هي من تحدد السياسات وخاصة في القضايا الكبرى)…

ماذا يعني الاتصال وما هي ترتباته؟

  • الرئيس الأمريكي المباشر لا يحدد السياسات الأمريكية بل يعطيها نُكهة تنفيذية تنزيلا ومن حيث بعض الخيارات التي لا تتصادم مع استراتيجيات الأمن القومي والمصالح الأمريكية الكبرى في العالم، وبالتالي فــ”الاتصال/المجاملة” أو المبني بطريقة وتفاصيل أشرنا إليهما أعلاه لن يغير مواقف الإدارة الأمريكية من الملف الليبي والتي تتميز بخاصيات عدة أولها أن الملف الليبي ليس أولوية قصوى مقارنة ببقية الملفات، ثانيهما أن الأمريكيين يعتمدون في متابعة الملف وتحقيق أهدافهم على أدوار وظيفية تقوم بها دول أوروبية وعربية، وثالث الأمور المحددة للسياسات الأمريكية هي المصالح الإستراتيجية وأولويات تنفيذيها ثم أخيرا وهو المحدد الأهم أنهم لا يضعون بيضهم في سلة خيار وحيد أو شخص وحيد في كل دولة أو منطقة أو أي ملف  بل أنهم يعتمدون منطق الأقدر وبناء على تنزيل أكثر من 12 سيناريو في كل منطقة أو ملف أو بلد ويتابعون بدقة متناهية دراسة المستجدات ورؤية مؤسسات الأمن القومي الأمريكية وهي مؤسسات متعددة ومن زوايا متعددة وبالتالي فالاسطوانة “انا مدعوم أمريكيا” هي مشروخة بالضرورة وهي للتسويق الإعلامي لا أكثر ولا أقل…
  • في تنزيل سياسات الإدارة ألأمريكية يمكن الجزم أن اتصال حفتر بترامب أو العكس، هو لصالح الثوار وليس العكس كما يظن البعض ولعل الجميع يذكر أن ترامب إذا توعد مسؤولا فاعلم أن ذلك المسؤول لن يحدث له شيء حيث توعد سابقا “بشار الأسد” بأنه لن يبقى حاكما لسوريا ولم يحدث ذلك كما هو معلوم، كما توعد رئيس كوريا الشمالية بضربه بالقنابل النووية وبعد ذلك ذهب لزيارته…

  كما أن ترامب هدد الرئيس التركي أردوغان أكثر من مرة كما هو معلوم ولم يحدث أَي سوء يذكر في تركيا بل العكس تماما إذ تم التقارب ثم الفتور مجددا وفقا لتطورات القضايا الإقليمية بين البلدين، وكل هذه الأمثلة تؤكد أن اتصاله بحفتر ورقة لصالح ثوار فبراير بالمنطقة الغربية بل أن التجربة أثبتت أن الكونغرس الأمريكي لا يقبل ترامب و”همجيته” ولا من يرفض مشروع الأمم المتحدة في ليبيا، ومعلوم أن المجتمع الدولي متمثلا في عدد من الدول الأوروبية لا تقبل خيارات ترامب في عدد من القضايا وخاصة بالنسبة للملفات الحارقة دوليا، وفي بعض الأحيان  وحيث ذهب ترامب تتجه خياراتها إلى عكسه والأمثلة أكثر من أن تحصى أو تعد …

  •  الظروف موضوعيا مناسبة للثوار لعمل تحالفات دولية معروفة بقواها ومخالفتها لسياسة ترامب، ويمكن التأكيد أن “الجميل” في مسيرة الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب أنه ليس صاحب صبر ولا قدرة لدية على التحمل لفترة طويلة ولذلك علاقته مع رجل مثل “حفتر” ستنتهي قريبا إذا ما طالت الحرب في ليبيا أو آلت الأمور ضد قواته…
  • .بناء على ما سبق وإذا ما اعتمدت قوات المنطقة الغربية في ليبيا استعمال تكتيك الهجمات المفاجئة بدلا عن تلقي الهجمات وكذلك فتح جبهات متباعدة مثل جبهة في غرب ليبيا وأخرى في وسطها (الجفرة) وثالثة في الجنوب (في تمنهنت مثلا)، فإن ذلك سيُغير ويدفع المعادلات في اتجاهات أخرى…
  • العلاقة بين حفتر و ترامب هي لصالح الثوار لان عدد من الدول الكبيرة والمهمة لا تقبل ترامب وستقبل أن تهزم ترامب أو على الأقل ستساهم في اندحار قوات حفتر عن مواقع كثيرة، ولكن ذلك سيكون مشروطا بفاعلية أكثر وبداهة والجمع بين الانتصارات الميدانية والعقلية السياسية المرنة والقارئة للتطورات المحلية والإقليمية والدولية، ولعل أهم الخطوات التي يجري الحديث حولها في طرابلس الآن هي أولا وقبل كل شيء تكوين ما يعرف بالإدارة السياسية للثوار وذلك بهدف التواصل مع القوى الدولية الكبرى ومن بينها الكونغرس الأمريكي لان عدد من شيوخ الكونغرس يعملون منذ فترة ضد توجهات ترامب التي ورطتهم في كثير من النقد الجارح للسياسة الأمريكية كلها، بل أن ذلك ألأمر-أي تكون الإدارة السياسية- خلال المرحلة القادمة سيكون ضروريا بل ومساعدا وموجها من بين عدة موجهات أخرى يساعد الجبهات في الميدان …

الخلاصة

  • الثابت أن حيثيات “الاتصال/المكالمة” أريد التسويق لها إعلاميا للتأثير على الميدان وعلى الروح القتالية لثوار المنطقة الغربية في الجبهات، وهو أمر تم النجاح فيه نسبيا وان بدرجة جد ضعيفة (سيطرة نسبية لقوات حفتر على مطار طربلس مجددا بين الجمعة 19-04/السبت 20-04 أي بعد نشر الخبر وتداوله من قبل قنوات ووكالات وان بطرق مضخمة وبروايات مختلفة ودون تقديم الحيثيات كما هي…
  • الثابت أن الأمر كانت الغاية منه في البداية عند الترتيب الأولي لقاء وليس مجرد “مكالمة/اتصال” خاصة بعد لقاء حفتر بالملك السعودي (قبل هجوم قواته في 03-04-2019) وكذلك لقائه بالسيسي والذي قيل انه تم إثره نقل رسالة من ترامب كما كان لقاءه بالسيسي تأنيبيا لحفتر وبدت ملامح وجهه وهو يغادر الاجتماع تدل على صعوبة ذلك اللقاء والذي جرى بعد فترة تباين بينه وبين المصريين من جهة وبين المصريين والإماراتيين من جهة ثانية، وأن أثاره كانت كارثية عليه وعلى قواته التي استعملت القوة والقصف على المدنيين وكأنها عمليات انتقام من الفشل على الأرض والفشل على مقابلات سابقة له….
  •      الجهود الدولية قد تتوقف لفترة نتيجة الموقف الأمريكي الرافض لقبول أي منتج دولي يصدر عن مجلس الأمن بشأن الأوضاع في ليبيا، ذلك أن الموقف الأمريكي يعكس تغيرا مهما في إدارة الأزمة الليبية وليس بالضرورة تغيرا في السياسات، فالموقف الأمريكي البارحة في مجلس الأمن يعني أن ثقل القرار السياسي قد أصبح عند ” بولتون” في البيت الأبيض وليس لدى وزارة الخارجية الأمريكية، وكل ذلك يعني أن الرئيس ترامب قد أعطى فرصة أخرى محددة زمنيا للحسم على الأرض للطرف القادر، مما يعني احتمالية دخول الأزمة في مرحلة “كسر العظم”، وهو عمليا تطور مهم قد يسمح لداعمي الطرفين بدور اكبر على الأرض…

المصدر: بوابة الوجهة الاولى بتاريخ 20 افريل 2019 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق