دراسات

في ظل ما يجري في التشاد والجنوب الليبي … التبو: من هم؟ وما هو مستقبلهم في ليبيا وفي دول الساحل والصحراء؟ (2 من 3)

 علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

تعرضنا في الحلقة الأولى من هذه الدراسة الاستقرائية والتحليلية الى تعريف بقبائل التبو وأصولهم وانتشارهم الجغرافي وأوضاعهم المعاصرة في الجنوب الليبي وفي بقية دول الساحل الصحراء، إضافة لعرض للتطورات الحاصلة لهم سياسيا واجتماعيا بعد فبراير 2011 في علاقاتهم مع الحكومات المتعاقبة وبقية المكونات القبلية الليبية…

أما في هذه الحلقة الثانية نستعرض سعي كل من قبيلتي “التبو” و”الطوارق” المتناحرتين منذ سنة 2014 إلى تشكيل تحالف للدفاع عن الجنوب ضد التقدم العسكري الذي تقوده قوات حفتر أو تحديد خيارات تحالفية بديلة، والسؤال هل ستتوحد القبائل في الجنوب من أجل منع سيناريو الحرب الأهلية أم أن كل ما يقع هو ترتيبات للحل السياسي مع ابقاء الجنوب في حالة توتر دائم لغايات استراتيجية محبوكة إقليميا ودوليا؟، وما هي الخيارات المطروحة خلال الأسابيع والأشهر القادمة؟

++ بين ترتبات السنوات الماضية وإرهاصات الوضع الحالي

منذ سنة 2011، لم يخضع الجنوب الليبي إلى سيطرة أي حكومة بشكل مستمر ولكن زحف قوات موالية لحفتر بهدف تعزيز نفوذه من أجل غايات متعددة وغامضة ومرحلية بالأساس، وهوه ما أوجد توترات متفاقمة خاصة بعد أن أعلنت قوات موالية لحفتر عن بسط نفوذها على حقل الشرارة النفطي منذ أيام عبر ما سمي بعملية “تسلم” و”تسليم”، وفي ظل انتظار التطورات خلال الأيام القادمة وتأكيد بعض المتابعين أن الامر أقرب للدعاية وأن قوات حفتر لم تتمكن من الوصول سوى إلى مشارف المنشأة مترامية الأطراف، حيث تم في البداية صدّها من طرف لواء الطوارق 30 الذي يسيطر على حقل الشرارة منذ منتصف سنة 2017 كما أن البعض يؤكد أن دور العسكري “علي كنّه” سيتمحور جزئيا وبالأساس حول توحيد وحشد ميليشيات قبائل تبو والطوارق المستقلة ضد قوات ومليشيات متحالفة ظرفيا مع حفتر لأسباب عدة…

وعمليا ومنذ 2011، قامت الميليشيات المحلية بتأمين مناطق شاسعة جنوب البلاد بشكل مستقل، بما في ذلك المنشآت النفطية والمساحات الحدودية الكبيرة، ردا على تجاهل الحكومات الليبية المتعاقبة والمتنافسة مطالب النهوض بهذه المنطقة وهو أي طرح آليا سؤال هل ستتحول العداوة السابقة الى صداقة؟…

 ++ هل يمكن للعداوة السابقة ان تتحول الى صداقة؟

ظلت التوترات بين قبائل الجنوب تحت السيطرة لفترة طويلة في حكم القذافي، حيث كان يتعامل بشكل مكثف مع زعماء القبائل على الرغم من تهميشه المستمر لقبيلة “التبو”، وقد تنامت الخلافات القبلية منذ 2011 بناء على السقوط في مخططات إقليمية ودولية محبوكة بدقة، ونتج عن تطورات الأسابيع الأخيرة التي أدت الى تهديد بتحويل التوازن الهش الذي تحافظ عليه القبائل المحلية في الجنوب إلى اضطرابات عنيفة وتجدد المشاكل القبلية السابقة…

وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين قبائل تبو والطوارق المحلية كانت عدائية منذ سنة 2014، عقب توترات 2011 التي أدت بدورها إلى اندلاع حرب أهلية في مدينة أوباري الجنوبية، ليتم بموجب ذلك نقض اتفاقية السلام التي كانت تجمع بين هاتين القبيلتين الصحراويين والتي استمرت قرنًا من الزمن، وفي خضم النزاع الذي نشب في مدينة أوباري، كانت قبيلة الطوارق تتلقى دعما كبيرا من الحكومة في طرابلس في حين لم تنل قبيلة تبو سوى دعم متواضع للغاية من حكومة طبرق الواقعة شرقي البلاد، وقد تواصلت التوترات بين هاتين القبيلتين حتى بعد التوصل إلى اتفاق سلام هش في أواخر سنة 2015، لكن التقدم العسكري الأخير الذي أحرزته قوات حفتر المدعومة لوجستيا من حكومة طبرق، دفع القبيلتين إلى التخلي عن خلافاتهما السابقة…

وما ترتب عن التطورات  أن “قبيلة تبو تساند بشكل كامل قرار حكومة الوفاق الوطني القاضي بتعيين علي كنّه، وعلى الرغم من أن بعض ميليشيات الطوارق ولا سيما اللواء 173 لا تزال موالية لحفتر، إلا أن جميع القوات التابعة لقبيلة الطوارق كانت تحت حكم كنّه قبل سنة 2011، لذلك يمكن استرجاع ولائهم بشكل كامل”، وقد أكد المتابعون أن قائد اللواء 30 التابع لقبيلة الطوارق أحمد علال، الذي كان يُحكم سيطرته على حقل الشرارة النفطي، متحالف أيضا مع كنّه،  كما أن معظم الميليشيات التابعة لكلا القبيلتين المتناحرين تخلت عن النزاعات السابقة وتعهدت بدعم حكومة الوفاق الوطني والتوحد لمقاومة قوات حفتر وهو رهان أولي فقط في انتظار المتغيرات وموازين القوى…

وما حدث وفقا لقراءات وروايات عدة أنه عندما تعثرت محادثات التحالف السابق الذي عقدته قبيلة تبو مع حكومة طبرق سنة 2016 بعد المزاعم المتعلقة بتفضيل الميليشيات العربية على الميليشيات الأخرى، مما جعل العديد من المنتمين إلى هذه القبيلة يشعرون بخيبة أمل كبيرة وقد اندثرت أي بوادر شعور بالارتياح عندما شكل حفتر تحالفاً مع قبيلة أولاد سليمان العربية، التي تعتبر عدوا قديما آخر لقبيلة تبو في بلدة سبها في الجنوب، مما قوض معاهدة السلام التي تم توقيعها في روما بين أولاد سليمان وزعماء قبائل تبو في مارس سنة 2017….

وعمليا وبفضل تحالفه الجديد مع قبيلة أولاد سليمان، تمكن حفتر من السيطرة على سبها في أواخر جانفي الماضي لتأمين موطئ قدم لحكومة طبرق في الجنوب. وبينما كانت قوات حفتر تسعى للسيطرة على المناطق الجنوبية في اتجاه مدينة مرزق، حدثت اشتباكات بينها وبين قوات تبو في واحة غدوة الواقعة على بعد 60 كيلومترا جنوب سبها، أسفرت عن وقوع خسائر في الأرواح من كلا الجانبين، وذلك وفقا لما أورده مصدر تابع لقبيلة تبو في المنطقة. واحتجاجا على تصاعد العنف في الجنوب وتوغل قوات حفتر في المنطقة التابعة لتبو، استقال العديد من أعضاء هذه القبيلة من البرلمان في طبرق.

من جهة أخرى تفتقر حكومة الوفاق الوطني في طرابلس الى أي استراتيجيا للتفاعل مع مشاغل واهتمامات أهالي الجنوب ويجمع المتابعون أن إبقاء تحالف الميليشيات التابعة لقبائل تبو والطوارق تحت مظلة هذه الحكومة هو السبيل الوحيد للحد من تقدم قوات حفتر نحو الجنوب، وحيال هذا الشأن، يؤكد المتابعون أن الثابت أن كل قبيلة ضعيفة عسكريا إذا كانت بمفردها، ومن خلال الاتحاد ستصبح لدى هذه القبائل القوة الكافية للدفاع عن مناطقها”، ومعلوم أن علي كنّه المعين من طرف حكومة الوفاق لا يملك قوات خاصة به، ولكن إذا تضافرت جهود كل من تبو والطوارق، سيصبح  لديه قوة عسكرية كبيرة قادرة على لعب أدوار أمنية ووقائية ضد أي قوات أخرى بغض النظر عن هويته المحلية أو الإقليمية …

وفي الوقت الراهن، تُحكم قبيلتا الطوارق وتبو سيطرتهما على بلدة أوباري الإستراتيجية، التي كانت في السابق ساحة المعركة، وهي تقع على بعد 60 كيلومترا من حقل الشرارة النفطي، ومن جهة أخرى يؤكد المتابعون أنه “من المستحيل تقريباً على حفتر وقواته مواصلة السيطرة على حقل الشرارة دون السيطرة أيضا على مدينة أوباري”. ولكنها حاليا تتولى السيطرة حاليا على مواقع عسكرية تقع على بعد 40 كيلومترا عن أوباري.

 ++ منشأة نفطية تتحول إلى مركز للفوضى

من الطبيعي أن تشخيص الأزمة في ليبيا منذ 2014 يتلخص عمليا الهدف من خوض المعارك هو من أجل فرض السيطرة على المنشآت النفطية الرئيسية والمطارات إلى جانب البلدات والمدن، وما هو واقع عمليا في الجنوب أن مظاهر الفوضى اجتاحت كل المدن والقرى حيث تتنافس العديد من القوى التي تبدي ولاءات مربكة لحكومات مختلفة على تولي السلطة، وفي حين أن حقل الشرارة النفطي أبقى المنطقة بمنأى عن الحروب، تناوبت أطراف مختلفة تناوبت على السيطرة عليه لعدة مرات، ومنذ أوائل شهر ديسمبر الماضي، عانى حقل الشرارة من ظروف قاهرة خاصة على إثر اقتحام المتظاهرين المحليين المنشأة مشتكين من الإهمال الذي تعاني منه منطقة الجنوب في ليبيا، ومطالبين بضرورة تخصيص عائدات المؤسسة الوطنية للنفط لدعم مشاريع التنمية المحلية، وفي هذا الصدد، أفاد أحد المهندسين في تصريحات لوسائل اعلام عبر القول “لم نباشر العمل منذ أوائل ديسمبر نظرا لأن الطوارق طالبوا بأموال من المؤسسة الوطنية للنفط بينما يرفض صنع الله ذلك بشدة ويعتبر ان الامر غير قانوني”،  وفعليا أصدر صنع الله قرارا بإغلاق حقل الشرارة وقد تم تسريح الجميع، ولم يتبق سوى طاقم الموظفين المشرفين على حماية البنية التحتية النفطية…”

وكان صنع الله قد حث جميع الأطراف على ضبط النفس وتفادي التدخل العسكري في حقل الشرارة النفطي، مع العلم أنه تولى طيلة سنوات مهمة شاقة تتمثل في محاولة إبقاء منشآت النفط تعمل على استغلال احتياطات ليبيا الهيدروكربونية الوفيرة في خضم النزاعات المدنية المعقدة، بل وأكد وفي بيان له منذ أسبوعين عبر القول “تظل سلامة العمال شاغلنا الرئيسي، إذ نحث جميع الأطراف على تجنب الصراع والحرص على عدم تسييس البنية التحتية الأساسية”،  ومعلوم أن أي ضرر يلحق بالميدان أن تكون له عواقب وخيمة قد تمس بالقطاع والبيئة والاقتصاد الليبي، ومن الواضح أنه لا يمكن استئناف العمليات العادية إلى حين استعادة الأمن وانتهاء الصراعات ومحاولات التوظيف المستمرة من طرف الجميع…

1- ما صحة وجود مليشيات أجنبية؟

عمليا كثرت الاتهامات والاتهامات المضادة حول الوجود المزعوم لميليشيات من المناطق المجاورة، على غرار السودان والتشاد والنيجر، في المنطقة، حيث تدعي قبيلة تبو أن حفتر هو السبب وراء استقطاب المرتزقة من السودان، لاسيما وأن قوات السواحل الليبية تواجه صعوبة في خوض القتال داخل المناطق الصحراوية ( وفعليا وجهت محاكم سودانية لمتهمين بتجنيد أكثر من 1000 شخص لصالح قوات حفتر) ولطالما اتهِمت قبيلة تبو والطوارق، إلى جانب تراشق الاتهامات فيما بينهم، بجلب أقاربهم ورفاقهم من قبائل التشاد والنيجر إلى ليبيا من أجل تعزيز صفوف قواتهم العسكرية، وعادة ما يتعمد جميع الأطراف استخدام مصطلحي “الإرهابيون” أو “المرتزقة”، بهدف إضعاف الشرعية الوطنية للمعارضة مقابل إعلان شرعيتهم….

وعمليا لم يساهم غياب الرقابة الحدودية منذ سنة 2011 في تسهيل عمليات التهريب بما في ذلك تهريب أعداد غفيرة من المهاجرين القادمين من جنوب الصحراء فحسب، بل أدى إلى فتح المجال أمام مرور العديد من الأفراد والمجموعات المسلحة، وقد سلطت الاشتباكات في جنوب ليبيا مجددا الضوء على المشاركة المثيرة للجدل لفرنسا، وقد اتهم سكان القبائل الأصليون بجنوب ليبيا فرنسا بخدمة مصالحها الشخصية في منطقة فزان مترامية الأطراف والغنية بالنفط، زاعمين أنها ترمي بثقلها وراء حفتر في سعي منها لتأمين وجودها المستقبلي في المنطقة…

++ التبو وانتظار اتجاهات الاحداث وتطورات الأوضاع   

ما يجري في الجنوب الليبي ليس مجرد عمليات عسكرية لكسب مواقع أو السيطرة على الحقول بل يمكن وصف بارتباك العقل السياسي للفاعلين الاجتماعيين والعسكريين المحليين منهم والإقليميين أيضا، ذلك أن ما يجري خطير بكل المقاييس وترتباته ستكون كارثية على العملية السياسية في ليبيا بل على كل المنطقة وخاصة في ظل التغلغل الإسرائيلي في الساحل والصحراء الإفريقيتين، وقد تٌصبح الحرب الأهلية قاب قوسين أو أدنى كسيناريو أقرب للواقع من بين أربع سيناريوهات محتملة وواردة، ورغم الترتيبات الجارية للعملية السياسية وتمسك سلامة بخارطة الطريق، فالثابت أن الأوضاع مفتوحة على كل الخيارات خاصة في ظل وضع دولي متغير دراماتيكيا وفي ظل توازن الضعف محليا واقليما ودوليا إضافة للتباين بين الإماراتيين والمصريين من جهة والتباين بين حفتر وحلفائه الاقليميين من جهة ثانية بل أن حفتر نفسه مستهدف من قبل قوى حليفة له في الداخل الليبي على غرار تردد حلفائه في المنطقة الغربية أو بالأحرى تخليهم عنه…

كما أن حكومة الوفاق يغلب عليها التردد والضعف المرحلي وغياب الاستراتيجي في عملها وأجنداتها المستقبلية…

وكل ما سبق يؤكد ويحيل الى أن قبائل التبو ستبقى مرحليا تبحث عن آليات وتحالفات مرحلية وانها ستضطر الى اعتماد تكتيكات لتجنب اضعافها وتجنب الاصطفاف وتوظيفها لصالح أجندات الغير محليا وإقليميا ودوليا وهو أمر أكدت عليه تسجيلات قيادات قبلية من التبو وأشارت إليه البيانات السبع لسلطان التبو…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 21 فيفري 2019 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق