دراسات

في ظل ما يجري في التشاد والجنوب الليبي … التبو: من هم؟ وما هو مستقبلهم في ليبيا وفي دول الساحل والصحراء؟ (1 من 2)

علي عبد اللطيف اللافي

 

    “التبو” مجموعة قبائل وعشائر بدوية ذات هوية زنجية عربية مختلطة، تسكن الصحراء الكبرى  خاصة منطقة جبال تيبستي، وتمتهن تنمية المواشي، وتتألف من قبيلتين أساسيتين هما “التدَّا” و”الدازا”، وقد كثر الحديث عنهم خلال الأيام الماضية وخاصة في ظل التطورات الأخيرة ميدانيا وعسكريا في كل من التشاد والجنوب الليبي وطبيعة ردود أفعال مختلف الأطراف وهذا أمر منتظر منذ مدة بناء على تغير خارطة التحالفات وتعدد عمليات التواصل بين الأطراف والمكونات والدول في الساحل والصحراء الإفريقيتين، وهي تحالفات سيكون لـــ”التبو” فيها أدوارا ومواقع رئيسية بل وسيكونون محور ورهان الأحداث مستقبلا، فمن هم “التبو”، وما هي أصولهم وما هو مسارهم التاريخي وما هي طبيعة اصطفافاتهم قبل وبعد ثورة فبراير؟، وما هي أدوارهم الراهنة في ظل الصراعات والاشتباكات القائمة في التشاد والجنوب الليبي وما هي آفاقهم السياسية خلال الأشهر والسنوات القادمة وليبيا وغي دول الساحل والصحراء؟

  • التعريف والأصول والانتشار الجغرافي

            1- من هم التبو؟

“التوبو” أو “التبو” (من التبو القديمة، وتعني “شعب الصخر”[1])، هي جماعة عرقية تعيش في شمال تشاد، جنوب ليبيا، شمال شرق النيجر وشمال غرب السودان، ويعيش “التبو” إما كرعاة رُحل أو كمزارعين بالقرب من الواحاتويعتمد مجتمعهم على النظام القبلي، حيث تمتلك كل قبيلة واحات، ومراعي وآبار خاصة بها، وينقسم التبو عموماً إلى جماعتين متقاربتين: التيدا (أو التـِدا، التودا) والدازا (أو الدازاگا، الدازاگارا، الدازا)، وهما يتشاركان نفس الأصل ويتحدثان لغتين متقاربتين تسميا التيدا (تيدا التبو) والدازا (الدازا گوران)، وينتمي كلاهما إلى اللغات النيلية الصحراوية ويتحدث شعب “التبو” لغات “التبو” المشتقة من الفرع الصحراوي لعائلة اللغات النيلية الصحراوية

يعيش التيدا في أقصى شمال تشاد، حول حدود ليبيا والنيجر وفي جبال تبستي. ينتشر شعب الدازا في شمال تشاد ومنطقة شرق النيجر وشمال غرب السودان الدازا، الموجودين في الجنوب من التيدا، هم الأكثر عدداً، 1.500.000 شخص، بينما يبلغ عدد التيدا 750.000 شخص وتؤكد المصادر أن تجمعات من التبو ظلت تعيش في مصر حتى عشرينيات القرن العشرين….

أ- الأصول

            الثابت الوحيد من حيث أصولهم بشكل دقيق أنهم سكنوا منطقة الساحل الأفريقي منذ قرون غابرة، وقد نسبهم المؤرخون على غرار “هيرودوت” (مؤرخ يوناني) إلى المجموعة الزنجية الإثيوبية (أي الحبشية)، والذي أكد أن مواطن سكنهم منذ قرون هي فزان في ليبيا مرورا بتشاد وصولا إلى النيجر، مع امتدادات محدودة في الدول المجاورة على غرار السودان وأفريقيا الوسطى، وهو ما يفسر طبيعة ملبسهم وتقاليدهم وطرق عيشهم خلال العقود الماضية، وإن كان تأثرهم بالرافد العربي المتاخم لهم من الشمال أمر بين وجلي، فهم يرتدون العمائم البيض إضافة إلى تعلقهم بالإبل وبالصحراء وحياتها…

وقد أكد بعض المؤرخين الأوربيين أن التبو يشبهون من حيث ازدواج هويتهم قبائل “آيت باعمران” في جنوب المغرب الذين يعتبرهم جيرانهم في الجنوب (من عرب بني حسان وبني معقل) من الأمازيغ، في حين يعتبرهم الأمازيغ عربا… وكذلك التبو، يُصنفهم جوارهم الزنجي عربا وفي الآن نفسه يُصنفهم العرب زنوجا….

تتألف مجموعة التبو من نحو 50 عشيرة يُعتقد على نطاق واسع أن نحو نصفها وُلد من تمايُزات عشائرية نشأت بسبب النمو الديمغرافي للمجموعة، ولعوامل أخرى تتعلق بالتمدن والتحديث في المحيط السياسي والاجتماعي للمجموعة وهو الساحل الأفريقي. وتحصر دراسات اجتماعية أُنجزت في الحقبة الاستعمارية بطون التبو في 36 بطنا….[2]

وهنا تجدر الإشارة إلى أن تسمية “التبو” يعود شيوعها إلى الحقبة الاستعمارية الفرنسية، حيث لاقى المستعمر الفرنسي مقاومة شرسة من مقاتلي التبو، وكذلك من “الطوارق” و”الفُلّان”، على عكس المجموعات الزنجية الخالصة التي كانت في أغلبها مهادنة للحملات الاستعمارية بل تم الاحتفاء والترحيب بها في أحيان كثيرة…

وبشكل عام يُمكن حصر مواطن التبو في مساحة تُقدر بمليون وربع مليون كيلومتر مربع توجد كلها في منطقة الصحراء الكبرى، مع الإشارة إلى أن كثافتهم في هذا الفضاء الفسيح ضعيفة جدا، فالإحصائيات المتوفرة تُقدرهم بـ400 ألف نسمة.

يمارس التبو الرعي والتنمية الحيوانية على نطاق واسع، ويُفسر ارتباطهم بقطعانهم فساحة المساحات التي يتحركون عليها بحثا عن الكلأ والماء. وقد نجد -في حالات نادرة- لدى بعض عشائر التبو أنشطة زراعية محدودة.

  • المسار التاريخي لقبائل التبو في الصحراء الإفريقية

 تاريخ التبو يكتنفه الكثير من الغموض وتغلب عليه الثقافة الشفوية بينهم وقد عانى المؤرخون كثيرا من قلة المعلومات عن هذه القبائل، ومعظم الذين كتبوا عن التبو وتاريخهم هم من الرحالة الغربيين وبعض العرب من الذين جابوا الصحراء الليبية منذ حوالي ثلاث قرون، وأما التبو فلم يكتبوا شيئا عن أنفسهم، ولم يتركوا آثارا واضحة يمكن الاستدلال بها لمعرفة تاريخهم البعيد وحتى المعاصر منه…

ويمكن البدء بتاريخ التبو في ما دونه المؤرخون عن قبائل تسكن جزء من شمال ليبيا وجنوبها وهي قبائل “الجرمنت” و”التروجليدات“، حيث كانت هذه القبائل تشبه في صفاتها وأوصافها التبو، وهو ما يؤكد أن قبائل “التبو” هم من سكان ليبيا الأصليين، وليس كما يدعي البعض بأنهم هاجروا من اليمن أو إثيوبيا أو القرن الإفريقي، ومعظم الرحالة الذين قدموا إلى ليبيا في مختلف العصور تحدثوا عن التبو ووجودهم في الجنوب الليبي، ولكن في معظم كتبهم لم يكتبوا عنهم بالشكل الوافي ومعظم الكتب الغنية بالمعلومات عن التبو لم تترجم إلى العربية أصلا في ما وردت إشارات مبكرة لشعب التبو في الأدب الإسلامي على غرار تلك التي رافقت الإشارة لشعب “الزغاوة” في نص من القرن الثامن للعالم العربي “ابن قتيبة“، أما في القرن التاسع فقد أشار الخوارزمي إلى شعب الدازا (التبو الجنوبيون)…

أ- المسار التاريخي للتبو حتى بداية سبعينات القرن الماضي

عرفَ “التبو” الإسلام متأخرين نسبيا، ويعود الفضل في انتشار تعاليمه بينهم إلى أسرة السنوسيين الصوفية الشهيرة في منطقة الصحراء الكبرى وبرقة في شرق ليبيا، وهكذا ساد لديهم إسلام صوفي اختلط كثيرا مع التقاليد حتى بات يعسرُ التمييز بينهما.

وتتفق أغلبية الدراسات التي تناولت المجموعة على أن تقاليد “التيدا” تحديدا تحكم مناحي الحياة كلها تقريبا، وتبدو السمة البارزة للمنظومة القيمية والأخلاقية لمجموعات التبو، وقد قاوم التبو بشدة الاستعمار الفرنسي الذي غزا المنطقة مطلع القرن العشرين، ورفضوا الانخراط في مخططاته التعميرية الرامية إلى تثبيت السكان في تجمعات قروية ثابتة، وآثروا على ذلك ترحالهم الدائم بحثا عن الكلأ لقطعان ماشيتهم….

ويُفسر هذا الرفض ضعفَ اندماج التبو في الحياة السياسية التي نشأت في ظل الاستعمار، وانتهت إلى قيام الدول الوطنية في أفريقيا خلال ستينيات القرن العشرين، ومع ذلك فقد تمكنوا لاحقا من المساهمة في المسار السياسي لبعض الدول الناشئة، كما أنَّ قيادات سياسية منهم يعود لها الفضل في تأسيس جبهة “فرولينا” التي  قادت التمرد على أول رئيس لتشاد (وهو فرانسوا تومبال باي)، إثرَ قمعه انتفاضة المنمّين في منطقة مانغالمي سنة 1965…

تعيش مجموعات التبو في ظل الدول الوطنية المنبثقة عن الحقبة الاستعمارية، لكن لا تزال مشاركة التبو ضعيفة في الحياة السياسية، ونسبة التمدن والتعليم في صفوف التبو ضعيفة للغاية، وهو أمر ينسحب على هذه المنطقة المصنفة ضمن مناطق العالم الأشد فقرا…

ومع ذلك، شارك التبو في عمليات “تمرد” بعدد من الدول “طلبا للإنصاف والعيش الكريم”، ومن أمثلة ذلك مشاركتهم في حركات مناوئة لأنظمة الحكم في تشاد والنيجر.

 ب- الأوضاع المعاصرة للتبو في التشاد وليبيا

  • التشاد: تنحدر أغلب الطبقة السياسية التشادية من عرقية الدازا، وأثناء الحرب الأهلية التشادية (1966-1979)، أصبح الدرده يشغلون المزيد من المناصب الهامة، وقبل ذلك وتحديدا سنة 1965 فرضت الحكومة التشادية سلطة مباشرة على جبال تبستي، وأرسلت حامية عسكرية وإداريين إلى بارداي، عاصمة مقاطعة تبستي. وفي غضون سنة واحدة أي سنة 1966 أثارت انتهاكات السلطة معارضة قوية بين التبو،الدرده وداي كيشيدمي، المعترف به لكن لم يكن يحظى سوى بتقديراً محدوداً في ذلك الوقت، ذهب للمنفى في ليبيا، ومع دعم الطلبة التبو في جامعة البيضاء الإسلامية، أصبح رمزاً لمعارضة الحكومة التشادية، وعزز هذا الدور مكانة الدرده بين التبو

بعد عام 1967، كان الدرده يأمل حشد التبو في الجبهة التشادية للتحرير الوطني. بعد فترة وجيزة، أصبحت السلطة الأخلاقية سلطة عسكرية، عندما أصبح ابنه گوكوني وداي أحد قادة جيش التحرير الثاني للجبهة، أصبح گوكوني شخصية وطنية؛ وساعد بدور هام في معركة نجامينا عام 1979 و1980، وخدم كرئيس للدولة في ذلك الوقت، شمالي آخر، حسين حبري من الدازا، خلف گوكوني من التيدا عام 1982، وفي النهاية فقد سلطته لصالح إدريس ديدي من الزغاوة بعد ثمانية سنوات….

  • ليبيا: عانت أقلية التبو في ليبيا فيما ويصف بالتمييز الهائل وخاصة تحت سلطة معمر القذافي (1969- 2011)، ففي ديسمبر 2007 مثلا جردت حكومة القذافي يومذاك ليبيين تبو من جنسيتهم، مدعية أنهم ليسوا ليبيين، لكنهم تشاديين. بالإضافة إلى ذلك، منعت السلطات المحلية دخول أفراد من التبو البلاد للتعليم والرعاية الصحية[3]، ورداً على ذلك، قامت جماعة مسلحة تدعى جبهة التبو لإنقاذ ليبيا بانتفاضة في نوفمبر 2008 التي استمرت خمسة أيام وتسببت في وفاة 33 شخص قبل أن تسحقها قوات الأمن الحكومية، على الرغم من المقاومة والشجب العام، إلا أن نظام القذافي استمر في اضطهاده لأقلية التبو في ليبيا. بدءاً من نوفمبر 2009، بدأت الحكومة برنامجاً للترحيل الإجباري وهدم منازل التبو، تاركة الكثير من التبو بلا مأوى. اعتقل عشرات من المحتجين على هدم منازلهم، وتعرضت العائلات التي رفضت الرحيل للضرب…

ت- “التبو” بين 2011 و2015

مع اندلاع الثورة الليبية على نظام القذافي في فيفري 2011، انخرط التبو على نطاق واسع في قتال النظام الليبي السابق حتى سقوطه..

ومنذ 2012 دخلوا في مواجهات عنيفة مع بعض جيرانهم من القبائل العربية بمنطقة الكفرة، أما في مارس 2012، فقد اندلعت اشتباكات دموية بين قبائل التبو والقبائل العربية في مدينة سبها بجنوب ليبيا. رداً على ذلك، هدد عيسى عبد المجيد منصور، زعيم قبيلة التبو في ليبيا بالانفصال، منتقداً ما اعتبره “تطهيراً عرقياً” ضد التبو، وصرح قائلاً: “نحن نعلن إعادة تنشيط جبهة التبو لإنقاذ ليبيا لحماية شعب التبو من التطهير العرقي”…[4]

ومثلما حدث منذ ثلاث عقود ونتاج عدم توافر الوظائف في جنوب غرب ليبيا، اشتغل الكثير من التبو مهربين لمهاجري غرب أفريقيا المتجهين إلى أوروپا ومن المعلوم أن التبو والطوارق أيضا يُسيطرون على طرق التهريب الرئيسية في الصحراء الكبرى…..

وفي أكتوبر 2014، فقد شهدت مدينة “أوباري” قتالا بين “التبو” والطوارق استمر عامين كاملين، وسقط بسببه عشرات القتلى والجرحى ونزح عن المدينة قرابة 80% من سكانها، وانتهى هذا الاقتتال بتوقيع اتفاق الدوحة بين قبائل التبو والطوارق يوم 23 نوفمبر 2015 بوساطة من دولة قطر

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 14 فيفري 2019

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]   MacMichael, Harold: A history of the Arabs in the Sudan and some account of the people who preceded them and of the tribes inhabiting Darfur. 1922.

[2]   انظر موسوعة الجزيرة، “قبائل التبو” تاريخ الاطلاع 01-02-2019 ….

[3]  في تقرير نشرته المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أفادت جمعية الشعوب المهددة بوجود “تمييز هائل” ضد أقلية التبو، التي تقيم في الركن الجنوب الشرقي من البلاد حول واحة-بلدة الكفرة….

[4]  كانت جبهة التبو لإنقاذ ليبيا جماعة معارضة نشطة في أحداث فوضى 2007-2008 التي “اضطهدت بقسوة” من قبل حكومة القذافي…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق