تحاليل

لماذا تستهدف الأذرع الالكترونية للكيان الصهيوني الاستحقاقات الانتخابية الإفريقية؟

علي اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

 

       تناقلت وكالات الأنباء الأسبوع الماضي، أخبارا مفادها استهداف شركة إسرائيلية انتخابات دولا إفريقية من بينها تونس، وذلك عبر حسابات وصفحات ومجموعات وهمية للتأثير في انتخابات عدد من الدول الإفريقية المستهدفة، وذلك عبر محاولة بث أخبار ومواد سياسية بهويات وهمية وبطرق احترافية عالية الدقة، فما هي حيثيات وتفاصيل ذلك الاستهداف، وما هي أهدافه ومراميه؟

++ الحيثيات والتفاصيل

تكشف الأمر واقعيا  اثر تأكيد شركة “فيسبوك” أنها حذفت 265 من الحسابات والصفحات والمجموعات والأحداث المرتبطة بإسرائيل على موقع التواصل الاجتماعي وكذلك “أنستغرام” بسبب ما وصفته بأنه “سلوك زائف” يستهدف المستخدمين، موضحة أن ذلك  النشاط “الزائف” نشأ في إسرائيل وركز على تونس وتوغو وأنغولا والنيجر ونيجيريا والسنغال، وكذلك على أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا…

وعمليا حددت مؤسسة “فيسبوك” مجموعة “أرخميدس” الإسرائيلية كمصدر لبعض الأنشطة المريبة وغير القانونية ولا تندرج في سياسات المؤسسة،  وقد أكد رئيس سياسة الأمن الإلكتروني في “فيسبوك”، “ناثانيل غليشر” وسط الأسبوع الماضي في مؤتمر صُحفي أن “ارخميدس” وجميع الشركات التابعة لها محظورة مستقبلا من “فيسبوك”، مضيفا أن تلك المؤسسة أنفقت أكثر من 800 ألف دولار على إعلانات وحسابات في منصة “فيسبوك” وأن لديها 161 حسابا على شبكة “فيسبوك” وأربعة حسابات على شبكة “أنستغرام”. وأنه قد تابع حوالي 2.8 مليون شخص حساب صفحتها الخاصة وبقية الصفحات التابعة لها ….

++ الخلفبات والمرامي والأهداف

إذا ما نظرنا من زاوية الاستشراف وقراءة استراتيجيات للقوى الدولية والإقليمية والتي تمتلك رؤى إستراتيجية على مدى سنوات وعقود، فان إفريقيا تعتبر قارة المستقبل بل أن تلك القوى قد أنشأت فعليا ومنذ نهاية القرن الماضي  مراكز أبحاث ودوائر خاصة في الإدارات الرئيسية لمؤسسات الأمن القومي خاصة بإفريقيا وذلك بغاية الحضور على امتداد السنوات والعقود المقبلة فيها، وهو ما يفُسر الاستهداف الحالي المستقبلي لدول أفريقية ونخبها وانتخاباتها وثرواتها، وهنا يمكن فهم ما يجري في ليبيا منذ سنوات باعتبرها ممرا فريدا واستثنائيا نحو العمق الإفريقي، حتى أن الصراع في ليبيا وكما هو معلوم قد تحول إلى حروب بالوكالة بين فرقاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي والذي تبين خلال السنتين الماضيتين خاصة أنهم مشغلون من طرف أذرع إقليمية خادمة بطبيعتها لمصالح قوى دولية تريد نهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرة والمرور بيسر للعمق الإفريقي…

وبناء على ذلك وبناء على أن إسرائيل ولطبيعة أنه كيان لقيط وله هوس بعقليتي “التوسع” و”التأثير” وخاصة أينما يكون هناك حضور عربي وإسلامي، وبالتالي بنت إسرائيل منذ أكثر من عقدين إستراتيجيتها الاختراقية والوقائية والتموقع أينما توجد الثروات المهمة والنادرة، كما أنها ككيان واع بقدرة الحروب “السيبرانية” وقادر على توظيف التكنولوجيا ضمن آليات ضرورية لتغيير أنظمة أو إسقاط أخرى مثلما حصل في 2011 حيث ساهمت الشبكات الاجتماعية والمواقع الالكترونية في آليات ووسائل مهمة لتنمية الوعي وتجميع الناس في فضح الأنظمة المستبدة وقمع أجهزتها وعمالتها للآخر، وبالتالي سهل إسقاطها بغض النظر على نجاح الثورات في تحقيق أهدافها واستكمال مهامها …

وكما هو معلوم فأن الشبكات الاجتماعية والتطبيقات المختلفة على الهواتف الجوالة كان لها تأثير مهم ورئيسي  في أحداث السودان منذ أشهر إضافة إلى تأثيرها في نسقية والقدرات التأثيرية في تنظيم الحراك الشعبي الجزائري ومنحه القدرة على الفاعلية والتوحد والتماهي بين كل المدن  الجزائرية في رفض العهدة الخامسة وتحقيق بعض مطالب أخرى تحققت منذ أسبوعين، وكل ذلك نمى لدى القوى الدولية والإقليمية بأهمية الشبكات الاجتماعية وتطبيقات الهاتف الجوال وبالتالي نسج سياسيات تقوم على مزيد استغلالها مستقبلا وتوظيفها سياسيا واستراتيجيا:

أ- الثابت أن التأثير على الانتخابات يتم من خلال التأثير على الناخب بخلق أغلبية بتوجه معين وهذا ممكن من خلال خطط واستراتيجيات تُنفذ من حيث الآليات من خلال الشبكات وتطبيقات الهاتف الجوال…

ب- في تونس بالذات، توجد قوى بطريقة مباشرة أو غير مباشرة هي حليف لقوى قريبة من إسرائيل، وبالتالي الانتخابات القادمة ستكون الحرب الإلكترونية مؤثرة فيها من خلال نشر الأخبار والفيديوهات التي تشوش الرأي العام وذلك ينطبق أيضا على بقية الدول الإفريقية المستهدفة…

ت- الكيان الإسرائيلي بما يملكه من تاريخ وتجربة ودعم دولي وبما حققه منذ حرب 1948 قادر على توجيه الناخبين والتأثير عليهم نظرا لقدرته واكتسابه لعقليتي “الاختراق” و”التوظيف”، سواء عندما كان الاختراق مباشر عبر جهاز الاستخبارات “الموساد” وأذرعه في آسيا وإفريقيا أو بطرق غير مباشرة من خلال حروب الاختراق إلكترونية لمنظومات الدول الحساسة والمؤثرة…

ث- ما تم الكشف عنه من معطيات هو في الحقيقة جزء لما كان يدار من سنوات طوال من طرف إسرائيل، حيث أن ذلك الاختراق يرتكز فعليا على وضع حليف مباشر أو غير مباشر لإسرائيل في الدول التي لديها انتخابات عبر السعي لتوجيه الناخبين وبث الأخبار والمعطيات الزائفة للحصول على الأصوات وتوجيهها في اتجاه معين…

ج- من الواضح أن أحد المحورين العربيين الرئيسيين موال لإسرائيل سواء في أفكاره وذهنية الفاعلين فيه أو من خلال إصطفافات زعمائه الرئيسية في رؤيتهم للعالم العربي، كما انك هناك فاعلين سياسيين مباشرين لهم ارتباط ولائي بتلك الدول العربية والخليجية خاصة وهو موالون لها فكريا وماليا أو هم يقاسمونها رؤيتها للعالم العربي وكيفية إلحاقه بالاستعمار أو الأحلاف الدولية فكريا وسياسيا وثقافيا …

ح- إسرائيل ككيان لقيط لم تكن يوما بعيدة عن ساحات الفعل الرئيسية للثورات المضادة بل أن لديها دول عربية حليفة تقوم هي بدورها بوظائف التمويل والإسناد اللوجستي ومن بينه وظيفة تنزيل الحروب “السيبرانية” في الدول الإفريقية والعربية المستهدفة وتوجيه الرأي العام فيها والتأثير تباعا في عموم الناخبين….

خ- لا شك أن “هدف إسرائيل واضح وبديهي بل هو يرتكز أساسا على فكرة أن الاستعمار كان يدار عن طريق الرجل رقم واحد والذي كان يتواصل بعد مساعدته في الوصول لسدة الحكم، ليقوم بالدور الوظيفي المنط بعهدته، أما اليوم ولعدد من التغيرات وباعتبار أن الصندوق هو المحدد وأن التجارب الديمقراطية تقوم على منطق أن الرئيس لم يعد قادرا على الحسم لوحده في كل الملفات والعلاقات فلا بد من توجيه الأحزاب والبرلمان والمسؤولين ليكونوا حلفاء دولة عربية أو اثنين هما عادة حليفتين لإسرائيل، فيتم بناء زعامات لم تكن موجودة أصلا وأخرى بشكل سريع وفي وقت وجيز لاستغلالها وتوظيفها لاحقا لتقوم بما هو مطلوب وبشكل وظيفي مباشر…

المصدر: يومية 24/24 ___ 21 ماي 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق