تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: سر ظهور تنظيم داعش في الجنوب كلما اقترب الحل السياسي

علي عبداللطيف اللافيكاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

++ تمهيد

رغم أن الظهور الجديد لـكل من خلايا “تنظيم الدولة” وبعض الشبكات التابعة لتنظيم “القاعدة” في الجنوب الليبي، وأيضا في بعض دول الساحل والصحراء، شكل عاملا حاسما في مسارعة بعض القوى الدولية لغربية نحو الحل السياسي في ليبيا، ولكن السؤال المطروح هو لماذا تظهر الفروع والخلايا الإرهابية كلما كانت هناك مقاربات للحلول السياسية وامكانيات تجسيدها عبر الوصول الى حلول ممكنة بين فرقاء الصراع وهو الامر الذي يمكن القول بتجسده منذ بداية 2015 أثناء النقاشات الممهدة لحوار الصخيرات المغربية؟

++ إطار التطورات الراهنة وعلاقة ذلك بامتداد التنظيمات الإرهابية

منذ استطاعت قوات البنيان المرصوص محاصرة مقاتلي تنظيم “داعش” الإرهابي في سرت منذ أكثر من سنتين، قررت القيادة المركزية للتنظيم الإرهابي تقسيم مقاتليها في سرت الى ثلاث اقسام:

** قسم أول غارب في اتجاه المنطقة الغربية وبعض تلك الخلايا عبرت الحدود في اتجاه دول مجاورة على غرار تونس والبعض الاخر تحول الى خلايا نائمة في بعض المدن على غرار “الخمس” و”مسلاتة” و”صبراطة” و”صرمان”…

** قسم ثان قاتل أعضاؤه حتى الموت…

** قسم ثالث انتقل أعضاؤه نحو الصحراء الليبية رغم ان نصفهم أي سدس المقاتلين عبروا فعليا الى النيجر والسودان فيما استبطن سدسهم (نصف الثلث الأخير) الصحراء الليبية الواسعة وهي خلايا في أغلبها على علاقة مع مشغليها الاقليميين والدوليين، وهي خلايا معدة لتكون عبر عملياتها المتكررة سيفا مسلطا على أي حكومة وحدة وطنية مرتقبة، وتكون أداة عملية لفرملة وتركيب الحلول السياسية المستقبلية…

  • أثبتت الازمة الليبية الراهنة أنه لا يمكن أن يكون هناك غالب ومغلوب، بالرغم من الهزيمة الاستراتيجية لقوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر في غريان وفي محاور جنوب العاصمة وفي ترهونة وهو ما اضطره الى القيام بتغييرات في قياداته في أكثر من مرة بل وتصفية البعض الآخر وفقا لما هو متداول، وفي استقراء لكل الاخبار والتطورات في الجنوب الليبي يمكن التأكيد أن “تنظيم الدولة” قد عزز انتشاره في الجنوب خلال الأسابيع والاشهر الماضية ووظف التجاذب القائم في ليبيا وتطورات المعارك الدائرة في جنوب وغرب العاصمة كما حقق انتقالا سلسا لعناصره، من شمال ليبيا، وبخاصة مدينتي سرت ودرنة، نحو الجنوب، وهو الامر الذي تم أيضا سنتي 2015و2016…
  • مما لا شك فيه أن التنظيم استطاع معاودة بناء معاقل له في الصحراء الممتدة بعيدا عن الرقابة والتي من الصعب القيام بها على من الحكومتين المتصارعتين ولا حتى من طرف قوات “الافريكوم” حتى لو ارادت ذلك، بل أن التنظيم صعَد من هجماته منذ أسابيع حيث تم استهداف منشآت في مدن الجنوب وأشخاصا يُعتقد أنهم من الرافضين لسلطة داعش.
  • أكثر من ذلك، لم يتوان التنظيم الذي خسر آخر معاقله في العراق وسوريا، عن اتخاذ مدينة الفقهاء في الجنوب الليبي معقلا جديدا له، وهو ما أكدته تقارير موقع “يورونيوز” الأوروبي، وهي تقارير يمكن أن يُستشف منها أن عناصر التنظيم بدأت تظهر في المزارع بالجنوب، وأن عناصر غير ليبية من دول الجوار انضمت إليها، وخاصة من تشاد والنيجر المجاورتين لليبيان بل أن تلك التقارير رجحت أن التنظيم قد يبادر الى اعلان عن ولاية جديدة في ليبيا، لاسيما بعدما ظهر زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، آمرا أتباعه بتنفيذ عمليات استنزافية في ليبيا وبعض البلدان الأخرى، مُركزا على تصفية العسكريين والأمنيين، لقطع الطريق أمام محاولة إعادة بناء جيش نظامي موحد ومؤسسات أمنية محترفة…
  • في أقل من شهرين شنت عناصر التنظيم هجومين على بلدة غدوة، جنوب سبها (عاصمة الجنوب)، واغتالت شخصين (عسكريين) كما أحرقت مقر المجلس المحلي وعددا من منازل سكان القرية، كما عمدت قبل ذلك الى شن هجوم على معسكر للتدريب في مقر الكتيبة 160 مشاة، أسفر عن مقتل سبعة من جنود الكتيبة، قُتل أحدهم ذبحا على الطريقة الداعشية…
  • الثابت أيضا أن قوات حفتر لم تستطع احتواء التمدُد الداعشي، ولا استطاعت أن تفعل ذلك أيضا القوات المؤيدة لحكومة الوفاق، بسبب اتساع الرقعة الجغرافية، وصعوبة تأمين خطوط الإمداد والإسناد، وفي الحصيلة اضطر السكان للدفاع عن أنفسهم بأنفسهم، والذين أكدوا لإعلاميين أنهم واجهوا المهاجمين المسلحين بوسائل بسيطة لم تساعدهم على الصمود…
  • من الممكن أن تطال الهجمات في المستقبل مدينة سبها نفسها، بسبب غياب الدولة التام من الجنوب، وفي سياق متصل تؤكد التقارير والمعطيات أن الوضع في بلدان الساحل والصحراء لا يختلف عما يجري في الجنوب الليبي كثيرا، إذ ترتع فيها الجماعات المسلحة، عابرة الحدود بلا صعوبات، عدا حذرها الدائم من الضربات الجوية الأمريكية. وتكثفت الهجمات المسلحة في الفترة الأخيرة، وهو ما حدا بالسكان للاعتماد على أنفسهم في التصدي لهجمات الداعشيين، ذلك أن حوالي 845 قرويا افريقيا قُتلوا في هجمات إرهابيين منذ بداية 2019، وعمليا يُظهر الخط البياني للهجمات هناك أي في الصحراء الافريقية الممتدة أنها في ارتفاع مطرد، فبعدما كان تنظيم الدولة يُنفذ عملية انتحارية كل ستة شهور في المتوسط، قبل اندلاع “حرب طرابلس” في نيسان/ابريل الماضي، تجاوز عدد عملياته منذ ذلك الحين الست عمليات وفقا لتقارير منظمات وأجهزة مختصة…

++ قلق دولي وتحول حفتر الى صداع مزمن لها

  • من الواضح أن القوى الدولية وخاصة الولايات المتحدة الامريكية قد تزايد لديها القلق من اتساع نفوذ تنظيم الدولة وجماعات إرهابية أخرى ملحقة به أو هي على تقاطع مع أجنداته في الجنوب الليبي، ومن نتائج ذلك القلق ارتفاع نبرة الدعوة الأمريكية إلى وقف دائم لإطلاق النار وحل سياسي تفاوضي يُكرس الأمن والاستقرار، وهو ما يفسر لقاء السفير مع حفتر في ابوظبي الأسبوع الماضي، وهو ما يبرر أيضا تقاطع ذلك الموقف مع مساعي البعثة الأممية إلى ليبيا بقيادة غسان سلامة، الذي اقترح على القوتين المتصارعتين القيام بثلاث خطوات لحلحلة الأزمة، أولاها تكريس الهدنة، ثم عقد اجتماع رفيع المستوى للبلدان المعنية بالملف الليبي، من أجل ترسيخ وقف الأعمال العدائية، وثالثتُها إقامة اجتماع دولي يعقبه اجتماع ليبي، يضم الشخصيات القيادية المؤثرة، من جميع أنحاء البلاد، للاتفاق على خريطة طريق.
  • البعثة الأممية غيرت استراتيجيتها السابقة حيث أصبحت تعمل على إنضاج الظروف للحل السياسي من خلال الاتصال بعمداء البلديات وأعضائها، وممثلين عن المجتمع المدني وزعماء القبائل، وكذلك ممثلين عن المرأة والنشطاء الاجتماعيين، وبالنظر للوزنين السياسي والاقتصادي الكبيرين لمدينة مصراتة، ذهبت إليها أخيرا نائبة الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية، ستيفاني ويليامز واجتمعت إلى قياداتها للبحث في سُبُل إنهاء الأزمة الراهنة…
  • عمليا تحول حفتر فعليا لصداع مزمن للعواصم الغربية وخاصة مع تحول الملف لألمانيا بعد حوارات جس نبض في روما بين 13 و16 سبتمبر الحالي، وعمليا بدأ التباعد يتكرس ويتعمق معه بما في ذلك التي كانت تحميه وخاصة بعدما عجز عن الايفاء بوعوده، بالقضاء على الإرهاب في ليبيا وباتت تلك العواصم على قناعة بأن الجنرال وقف عند أبواب طرابلس، ولن يستطيع التقدم بعد المعارك التي أنهكت قواته واستنزفت أسلحته وعتاده…
  • إخفاق حفتر في معركة طرابلس، نزع عنه الصفة التي كان يحاول ترسيخها باعتباره الجدار الأقوى أمام انتشار التطرف والإرهاب، كما أفرغ شعارات أخرى من مضمونها مثل قولهم إنه الرجل القوي في الشرق، وهو لقب ثبت لديهم بالدليل أنه لا يستحقه، والثابت أن المسؤولين الغربيين يعون المخاطر الذي من الممكن التنظيمات الإرهابية في كل دول الساحل والصحراء بناء على الوضع المتردي في ليبيا ,انه لا حل الا في المضي في الحل السياسي ذلك أنه في مالي، كما في النيجر تندلع، من وقت إلى آخر، معارك عنيفة ترتدي أحيانا طابعا قبليا، وتكون أحيانا أخرى هجمات يُنفذها “تنظيم الدولة”، من دون أن تكون للسلطات المركزية قدرة على الرد عليها، وحماية المدنيين….
  • يتفق الخبراء على أن قوة التنظيم وقدراته الهجومية تضاعفت، منذ حلول عناصره الأولى في المنطقة عام 2016، وتمكن خلال الفترة الماضية من إحكام سيطرته على قسم من شبكات التهريب عبر الصحراء والاستثمار في تجارة السلاح، وخاصة مع الجماعات القبلية المتمردة في غرب افريقيا، وهو ما يعني أنه لابد من حل سياسي في ليبيا للتفرغ للأبعاد الأمنية في استراتيجيات الحكومة التي سيتم التوصل على تشكيلها، وبالتالي لابد من غياب وجوه معطلة للحلول ومن بينها حفتر وغيره من الشخصيات الجديلية وان عبر مراحل…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 26 سبتمبر / أيلول 2019

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق