تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: قصة التباين بين داعمي حفتر الإقليميين وخيبة النتائج

علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

رغم أن الصراع في ليبيا منذ 2014 ما هو إلا حرب لا هوادة فيها بين وكلاء محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي، فان كل الترتيبات والتحركات تتحكم فيها أذرع وقوى إقليمية عبر سند ودعم قوى دولية، ولكن لماذا أدت التباينات والخلافات والدائرة منذ أشهر بين تلك القوى الإقليمية إلى منح حفتر الضوء الأخضر للقيام بهجومه الأخير على العاصمة طرابلس، ولماذا خابت نتائجه حتى الآن، وما هي قصة تلك التباينات وخاصة بين الإماراتيين والمصريين؟  

++ التباينات المصرية الإماراتية وأثرها على دعم حفتر في ليبيا    

ليس خافيا على أحد قصة تصاعد الخلافات المصرية الإماراتية أو بالأحرى التباينات بين الحليفين، وهي خلافات/تباينات تسببت فيها منذ أشهر مساعي الرئيس المصري لتخفيف حدة السيادة الإماراتية عليه وعلى القرار المصري، إضافة لمجموعة من الملفات الإقليمية والمحلية، حتى أن القاهرة أرسلت منذ أكثر من ثلاث أسابيع إشارات تُوضح غضبها من السياسة الإماراتية تجاه النظام، عبر إبعاد المسؤولين المحسوبين على أبو ظبي في الأجهزة الحساسة والوزارات السيادية، مثل الاستخبارات العامة والحربية ووزارة الداخلية….

وقد نقلت مواقع ووسائل إعلام عربية أنّ الأزمة وصلت إلى ذروتها خلال شهر فبراير/شباط الماضي، عندما ألقت الأجهزة الأمنية المصرية القبض على ضابط اتصال في سفارة أبو ظبي في القاهرة، بتهمة التجسس ومحاولة تجنيد مسؤولين في مواقع حساسة لإمداده بمعلومات دقيقة، ثم وبناء على وساطات أصدر السيسي تعليمات شخصية بإطلاق سراح الضابط والذي غادر القاهرة على متن طائرة خاصة بصحبة أحد المسؤولين، قبل أن يتبعه إلى العاصمة الإماراتية مدير الاستخبارات العامة اللواء عباس كامل، التي زارها بدعوة من ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، لبحث التداعيات….

في السياق ذاته، أكد المتابعون أنّ تفجُّر الخلاف الذي بدأت السيطرة عليه أخيراً جاء نتيجة مجموعة من التراكمات وليس لسبب واحد، مشيرة إلى أنّ من بين تلك التراكمات سعي الجانب الإماراتي لسحب الملف الليبي من مصر، على الرغم من أهمية هذا الملف بالنسبة إلى القاهرة، نظراً لتأثيره المباشر على أمنها القومي والحدود المشتركة بين الدولتين، وقال محللون ومتابعون أنّ “الأمر بدأ في هذا السياق بخلافات في وجهات النظر بشأن التعامل مع الأزمة والحلول المتعلقة بها، إذ كانت القاهرة تتبنى وجهة النظر الهادئة التي تقضي بتوفيق الرؤى بين حفتر والسراج خاصة وأن الأخير مدعوم أممياً، والتوصل إلى حلول سياسية للأزمة. في المقابل، تتبنى الإمارات وجهة نظر تقضي بحل عسكري، عبر دخول العاصمة طرابلس عسكرياً من جانب القوات التي يقودها حفتر…

ومعلوم أن تلك الخلافات أخذت في التعاظم بعد محاولات مصرية لجعلها في إطار المناقشات، حتى بدأت أبو ظبي أخذَ خطوات منفردة، بدعوة القيادات الليبية إلى أراضيها للاجتماع هناك بعيداً عن القاهرة….

وفي الخلاصة أن التباينات في المواقف بين السيسي وبن زايد لم تمنع العملية العسكرية ولكنها ستكون حاضرة في مستقبل تطور الأوضاع، والتباينات هي التي وضعت السعودية في وضع مباشر مع حفتر نتاج عاملين رئيسيين وهما تطور التباين المصري الإماراتي حول الملف إضافة لحاجة حفتر للدعم المالي للخطوة العسكرية الحالية في اتجاه العاصمة …

++ حيثيات المواقف المصرية من دعم حفتر  

يومين بعد هجوم حفتر على طرابلس وتوضح التصدي القوي له وأنه لن يكون في متناوله تحقيق أي أهداف تذكر في وقت قصير، نقلت مصادر إعلامية عن مصادر دبلوماسية مصرية مطلعة على الملف الليبي تأكيدها أنه “يُمكن وصْف تلك التحركات بأنها سياسية أكثر منها عسكرية”، مؤكدة أن “تلك التحركات ليس من بين أهدافها في الوقت الراهن دخول العاصمة التي تقع تحت مسؤولية حكومة الوفاق المدعومة أمميا”، وأضافت المصادر أن “التحرك يهدف إلى توسيع أوراق الضغط، وتضييق الخناق على طموحات وتحركات حكومة الوفاق التي يترأسها فائز السراج في أي مفاوضات أو اتفاقات سياسية…”

وكشفت نفس تلك المصادر أن “تحجيم القوة العسكرية لحفتر، كان رؤية مصرية في المقام الأول، خصوصاً بعدما تبنّت الإمارات التي تمثّل طرف التحالف الآخر رؤية اقتراح حفتر دخول العاصمة عسكرياً”، مضيفة: “القاهرة ترى في تلك الخطوة مزيداً من الفوضى، خصوصاً أن قوات حفتر لن يكون بمقدورها حسْم الصراع عسكرياً على الأرض، في ظل قوة الكتائب والمليشيات التي تدعم حكومة الوفاق في الغرب، ومصراتة بالتحديد”.

وأشارت المصادر إلى أن “كافة الاستطلاعات لدى الأجهزة المصرية التي تتابع الملف الليبي تشير إلى صعوبة الحسم العسكري، وأن أي مواجهة عسكرية ستكون نتائجها وخيمة وستقود إلى مزيد من الفوضى، والتي سيتبعها انتشار السلاح مجدداً في أيدي الجميع، وسيكون من السهل وقتها انتقاله إلى أيدي تنظيمات متطرفة وتكفيرية، ما سيجعل من ليبيا بيئة خصبة للغاية لعناصر داعش الهاربين من سورية والعراق بعد القضاء على التنظيم هناك”.

وأكدت المصادر أن “حجم القوات العسكرية الموجودة في الغرب الليبي وبالتحديد في مصراتة، يفوق لجهة الأعداد والمعدات القوات التابعة لحفتر، وهذا أمر في الحسبان المصري تماماً، فالأمر لن يكون نزهة أو شبيهاً بدخول درنة وبنغازي”.

وكشفت المصادر أن “ما يقوم به حفتر في الوقت الراهن، هو رؤية وسطية بين التصوّر المصري، الذي يتبنّى حلاً سياسياً، تكون للجيش الليبي اليد العليا فيه، وبين الرؤية الإماراتية التي تتبنّى سرعة الحسم العسكري”، موضحة أن “التحرك يأتي في المناطق الممتدة جنوب العاصمة طرابلس، والتي تضم مجموعات مسلحة تم شراء ولاءات واسعة منها”، متابعة: “الفترة الماضية شهدت اجتماعات ولقاءات في العاصمة الإماراتية، والشرق الليبي، كان من بين أطرافها قادة عسكريون سابقون في جيش القذافي، والذين يقودون مجموعات مسلحة في مناطق على أطراف طرابلس في غريان وبني وليد”.

وأوضحت المصادر أن “هؤلاء القادة ليست لديهم الرغبة في المواجهة العسكرية، سواء مع قوات العاصمة طرابلس أو قوات حفتر، والكثير منهم فضّل التزام الحياد، بعد الحصول على أموال طائلة”، فيما يستغل حفتر الموقف الإعلامي لإظهار دخول قوات تابعة له إلى تلك المناطق في إطار توجهه نحو العاصمة، بما يمكّنه من الضغط بشكل أكبر على حكومة الوفاق.

ومعلوم أن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس زار القاهرة، والتقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ووزير الخارجية سامح شكري، قبل أن يتوجه إلى طرابلس التي وصل إليها مساء الأربعاء للقاء رئيس حكومة الوفاق عشية اعتداء حفتر على الضاحية الجنوبية للعاصمة وقد طالب يومها بالقيام بدور أوسع بشأن الوضع في ليبيا للحفاظ على المساعي الرامية للتوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، ومواجهة الخطط العسكرية لحفتر حفاظاً على أرواح الليبيين واستقرار المنطقة،وعمليا أكد وزير الخارجية المصري يومها تمسُّك القاهرة بالحل السياسي للأزمة، ورفْض الحلول العسكرية لما لها من آثار وخيمة على المنطقة برمتها.

والخلاصة أن المصريين على تباين مع حفتر ورؤيته، ولكنهم لا يزلون حلفاء له والتباين جلي في ملف الضابط المصري وفي ملف الجنوب وفي هوية موقعه في السلطة الليبية وهل هو سياسي أو عسكري، وتجلى ذلك التباين في التصريحات الرسمية المصرية منذ يوم 03 افريل تاريخ بداية هجوم قواته على العاصمة حتى مساء أول أمس الثلاثاء 09 أفريل الحالي…

++ حيثيات الدعم وخيبة النتائج

يوم 27 آذار/ مارس الماضي استضاف الملك السعودي اللواء المتقاعد خليفة حفتر في إطار اجتماع شهد حضور شخصيات بارزة في المملكة، بما في ذلك وزيري الداخلية والخارجية السعودييْن، إلى جانب وزير الدولة للشؤون الأفريقية، واكتسى ذلك الاستقبال الاستثنائي أهمية بالغة في المملكة التي من الجلي أنها أبدت موافقتها على هجوم حفتر ضد طرابلس عبر ترتيبات دولية وإقليمية سابقة أمنها الفرنسيون والإماراتيون وضوء أصفر من أطراف في الادارة الأمريكية الحالية، وقبل ذلك ومنذ أشهر نجح  التجار والسياسيون الذين تربطهم علاقة بالإمارات في تأليب الكتائب الرئيسية في مدينة غريان (شمال غرب ليبيا) وتم ذلك عبر زيارات تم ترتيبها لبعضهم لمدن إماراتية وقد تم إقامة علاقات عامة لهم وتم تمويلهم، وعمليا كان الهدف الرئيسي هو موطأ القدم الذي يمكن لحفتر وحلفائه من عدم الذهاب للملتقى الجامع الذي كلن سيُعقد بعد 11 يوم فقط من بداية الهجوم على العاصمة ( بُرمج الملتقى الجامع ليومي 14 و15 بينما بدار حفتر بالهجوم مساء 03 أفريل)، وكل ذلك يعني أن حفتر وحليفيه الإقليميين الرئيسيين أي السعودية والامارات، يرفضون ويعيقون الحوار الليبي – الليبي  بل أن التصعيد يهدف عمليا إلى عرقلة التوصّل إلى كل توافق محتمل، كما أن الدعم السعودي/الاماراتي/المصري يهدف أساسا إلى تعزيز السلطوية وزعزعة الاستقرار في العالم العربي وحرق ثورات وأهداف الربيع العربي نهائيا وتدمير أي آمال في التحرر والانعتاق بل وتكريس البقاء تحت نير أنظمة عسكرية ظالمة ومستبدة وخادمة للاستعمار بأشكاله الجديدة والمبتكرة، كما أنه من غير الموضوعية تغييب أو التغاضي أن هجوم قوات حفتر وحلفائه المحليين والإقليميين قد تزامن مع خوض الجزائر نزاعًا ديمقراطيًا يُثير مخاوف كل من السعودية والإمارات إضافة إلى أن الجار الإقليمي الأقوى يرفض تدخل دول أخرى غير مغاربية في شؤون المنطقة وهو أمر رئيسي في سياسته الخارجية بل أن أغلب حكوماته منذ الاستقلال عادة ما تخصص وزارة كاملة للشؤون المغاربية والإفريقية، بل أن كل المتابعين أكدوا أن السعوديين والإماراتيين يكثفون جهودهما لتجنّب عملية الانتقال الديمقراطي في الجزائر التي من شأنها أن تتسبّب في تقويض نفوذهما في كل المنطقة الشمال افريقية  بل أن الثابت انه مع استفادته المتواصلة من حماية الغرب له، أصبح هذا الثنائي الخليجي أكثر تمكينا من خلال إتباع سياسته الخاصة، بناء على ثقل استثماراتهما والصفقات الضخمة لشراء السلع والأسلحة وفساد النخب، بينما يُعتبر دعم فرنسا لحفتر في هجومه في جنوب ليبيا يرتكز بالأساس حسب بعض الخبراء والمتابعين من خلال مدّه بطائرات المراقبة والاستطلاع علامة على تشجيعها لطموحاته[1] إضافة إلى غرف عمليات دعم لوجستي ومعلوماتي والتي تواترت الأخبار انه قامت بعملها في الشرق الليبي ثم نقلت لغريان منذ 03 افريل الحالي قبل نقلها لقاعدة الوطية حسب آخر الأخبار المروجة في الغرب الليبي…

وتوضح ارتباك حلفاء حفتر المحللين والإقليميين والدوليين عندما تطورت الأحداث وفشل في حسم الأمور وفقا للخطة “أ” الأولى والتي كانت محددة زمنيا وعمليا للساعة السادسة من مساء السبت 06 أفريل الحالي حيث سقطت حسابات بناها حفتر، وذلك بسبب:

  • فشل تحقيق اختراقات كُبرى داخل العاصمة، فلا “مليشيات” العاصمة وخاصة المدخلية التوجه تراجعت عن دعم حلفاء 2014 في العاصمة ولا هي اصطفت مع حفتر وخلفائه رغم كل ما خطط له …
  • كشف الخلايا النائمة عبر اعتقال أهم القائمين عليها من حيث إيقاف عدة أشخاص، إضافة إلى نجاح الاقتحامات التي قام بها مساعدو وزير الداخلية فتحي بشاغا عبر محاصرة حوالي 20 منزلا تحصنت فيها فلول تلك الخلايا وكانت تنوي استعمالاها لإحداث البلبلة واختراق كتائب العاصمة ونجاعتها في التصدي لقوات حفتر …
  • قدرة كتائب الزاوية الميدانية في التصدي لأي أفراد أو مجموعات قد تساعد حفتر في غرب العاصمة وعدم قدرة أنصار حفتر في مدينة صرمان وصبراطة بالقيام بأي اختراقات بل وانقلاب المدينتين عليه وعلى مشروعه….

والخلاصة أن حفتر قد قدم للمنطقة الغربية خدمات مجانية لم تكن تحلم بالحصول عليها نتاج ترتبات صراعات الغلبة والغنيمة منذ 2015، أي الوحدة الصماء والموضوعية رغم الاختلافات العديدة بين مكوناتها ( اختلافات سياسية بين الإسلاميين/الليبراليين – الاختلافات الاجتماعية والقبلية – الاختلافات الفكرية بين أنصار التيار المدخلي وبين قطاع واسع من تيار فبراير ….)، وبالتالي لم يستطع حفتر الاستيلاء على طرابلس وخاصة بعد انخراط مقاتلي مصراتة بل أن عدوانية قوات حفتر أصبحت أفضل محفز للقوى السياسية والعسكرية في غرب ليبيا….

ومن المهم الإشارة إلى أن بعض خيبات حفتر انبنت على أوهام خيانة التاجوري والطرابلسي  وكارة وغيرهم لحلفائهم في العاصمة، وأن ذلك حول أحلامه إلى سراب على الأقل إلى حد الآن ميدانيا (صبيحة الأربعاء 10 أفريل)، وهي أوهام تم الترويج لها بناء على علاقات تم الحديث عليها وقيل في أكثر من مناسبة أن ترتيبات مادية إماراتية وسعودية كما أن اللعب على القرب الفكري لأنصار “كارة” و”التارجوي” من السعودية ومن المدخلي باءت أيضا بالفشل وتبين أن العامل الاجتماعي والعلاقة مع فبراير أكثر متانة مما حيك ودُبر وخُطط له في عواصم دعم حفتر الإقليمية والدولية …

ومن الواضح وفي انتظار نتائج الكر والفر في جنوب طرابلس فان الثابت أن الفصائل المختلفة والمنقسمة في طرابلس خاصة وفي المنطقة الغربية  تتفق على رفض القوة العسكرية التي يجسدها شخص حفتر، بل أكثر من ذلك حيث أدت هجمات قوات حفتر وبتلك الشراسة، إلى لمّ شمل الفصائل وقلب موازين القوى لصالحهم وهو أمر واضح وجلي حتى الساعات الأولى من فجر أمس الأربعاء 10 افريل الحالي لا سيما مع دخول كل كتائب مصراتة في اللعبة، إضافة إلى وصول كتائب من زليتن ومن بقية المن الغربية …

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق