تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: مؤتمر برلين وطبيعة الأدوار الدولية وأفق الحلول

علي عبداللطيف اللافي
كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

لا خلاف أن الصراع في ليبيا ما هو إلا حرب بالوكالة بين فاعلين محليين ضيقي الأفق الاستراتيجي بدفع عملي وضغط من أذرع إقليمية خادمة بدورها لقوى دولية تسعى لنهب ثروات ليبيا الهائلة والنادرةـ ومن ثم المرور الاستراتيجي وبيسر للعمق الافريقي، ولكن أي تطور وتغير في المشهد وخاصة على مستوى الأدوار الدولية تجاه الملف الأكثر تعقيدا في حوض المتوسط منذ سنوات، خاصة قبل أيام وأسابيع من مؤتمر برلين المرتقب؟

++ الأدوار الدولية والبحث المضني عن رسم الحلول

  • نقل ناشطون سياسيون ليبيون أكثر من مرة أن المبعوث الاممي غسان سلامة قد أكد لهم في أكثر من مناسبة انه لا يكفي ان يتفق الليبيون على الحل وانهاء الخلاف القائم منذ 2014 بل أولا وأخيرا أن تتفق القوى الدولية والإقليمية على تلك الحلول، وهو ما يعني اننا أمام تشكل مشهد 1951 مع تغيرت طفيفة جغرافية وفي المسميات والمفردات…
  • الثابت أن السير على المسارات الثلاث (السياسي والعسكري والدستوري)، يطبخ الحل ويقربه للواقعية خاصة وأن العمل الدستوري يعطي جانب كبير من المسؤولية إلى الشعب، ويحافظ له على العوامل المادية والمعنوية التي تمكنه فعليا آلا يستنزف طاقاته الليبية في صناعة الحكام الجدد لدولته والتي بإمكانها لاحقا أن تنتج ثقافة سياسية جديدة مبنية على الحوار والمسار الديمقراطي، ذلك أن دعم دور الاستقرار والسلام الداخلي في ليبيا متاح أمام الجميع من القوى المتصارعة على السلطة ولوقف نزيف تمزيق الدولة الليبية، وهو أمر يجب أن يبدأ بدحر العدوان نعم ولكن باليات تفاوضية تقوم على منطق أن ليبيا لكل الليبيين ,انه لابد من لقاء يجمع جميع الأطراف من أجل استقرار وسلامة ليبيا وإنقاذ البلاد المهدد بالتلاشي على أثار التقسيمات التي تطوف في الأفاق وانحسار السيناريوهات ضمن منطق الكارثي فقط مستقبليا لو تم اعدام الحلول السياسية…
  • هناك سؤال طرحه جد موضوعي وضروري، وهو هل الدول بصنفيها الرئيسي والوظيفي ستعمل فعليا على مساعدة غسان سلامة سياسيا في عملية لقاء المؤتمر الوطني الذي أعلن عنه الرئيس السراج في مبادرة استئناف الملتقى الجامع لتحقيق الاستقرار في البلاد، وعمليا ومن حيث الإعلان فان كل الدول أجمعت على التنسيق مع البعثة الأممية، من بينهما فرنسا وايطاليا، وهما الدولتان اللتان أصابهما نوع من التوتر في الفترة الماضية بسبب المصالح المشتركة بين شركتي “أيني” الايطالية و”توتال” الفرنسية على مشروعات النفط والغاز في ليبيا، ذلك أن المصالح السياسية والاقتصادية بين إيطاليا وفرنسا تحتم عليهم مستقبلا المواجهة وجه لوجه مع زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان إلى روما في مقابلة مع نظيرة “انزو مافيرو” على شرف للفاتيكان، ولقد تم إرسال أسئلة من الصحفيين الايطاليين حول الأزمة الليبية، رد عليها المسؤول الفرنسي بأن ” السماء صافية اليوم في روما وتظهر إن الغيوم أقل تواترا”..
  • معلوم أن إيطاليا وفرنسا اقتربتا مرارا من نتائج الحلول السياسية الليبية وخاصة في “أبوظبي” و”باليرمو”، وكانا في طريقهما على التعاون المشترك الذي يجعل من فرنسا ثاني أكبر شريك تجاري في إيطاليا ومن استثمارات كثيرة ومتعددة في واقع كل من الدولتان الايطالية والفرنسيةـ والثابت اليوم أن فرنسا وايطاليا يسعيان على اتفاق حول مصالحهم المشتركة بالنسبة للقضية الليبية وانهما توصلا أخيرا الى أن عامل المصالحة السياسية أفضل من الحلول العسكرية للازمة، وليس هنالك طريق للخروج من الأزمة إلا إذا تمكن الليبيون من عقد الملتقى الجامع على ضوء مقترحات المنظمة الدولية…
  • أكد الجنرال المتقاعد في محولة منها للحاق المتغيرات بأن المبادرة الأخيرة لم تنبع من فايز السراج باعتباره رئيسا لحكومة الوفاق الوطني، وانما هي عبارة عن ترديد لما قاله المبعوث الأممي غسان سلامة مؤكدا على أن المبادرة لا معنى لها ما لم تكن شجاعة تحمل بنودا تمس صلب الأزمة الليبية، مضيفا أن ليبيا “لا تستطيع العيش في ظل الإرهاب والجماعات من مثل القاعدة والإخوان المسلمين،  والمليشيات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة والخطف ودواعش المال العام،  لكن الحل السياسي والديمقراطي هو الأمثل على أساس القيم المؤسسة للدولة المدنية العصرية” وهذا الرد أو الٍاي هو أسطوانة كلاسيكية يرددها الرجل منذ بداية 2015 بل منذ اعلان انقلابه الأبيض على حكومة زيدان)…
  • السراج أوضح أن “بدأ محادثات سلام مرهون بالتصدي لقوات خليفة حفتر ودحر قواته وإرجاعها من حيث ما أتت وسوف تهزم قواته وحينما تهدأ المدافع سنعود لاستئناف المحادثات”، وهو موقف براغماتي والرجل هادئ ومتوثب رغم أنه متهم بانه لا يريد الحسم في أي اتجاه….
  • ضمن ذلك التجاذب في المواقف والمعارك يعتقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن القتال ضروري ضد الإرهاب والتطرف في ليبيا، لكن هنالك حاجة إلى السلام والاستقرار، ولكن المخفي في كل هذا أن الأمريكيين يملكون تفاصيل المشهد وتطوراته وتوصلوا بسياساتهم التي اتسمت بمنطق وكأنهم غير مهتمين بالملف الليبي بينما هم أرهقوا كل الفاعلين الدوليين والمحورين الإقليميين (المصري/ الاماراتي/ السعودي – القطري/ التركي) وانهم يكتسبون هامش قدرة تفاعلية مع تطوراته بناء على احترام الخطوط الحمراء على غرار ملفي “محاربة الإرهاب” و”حماية انتاج النفط”، ولكن ما يهمهم بالنتيجة أن من ينتصر هو الفاعل الذي تتم مجاراة التعامل معه لبناء الحلول لاحقا ومع ذلك تبقى سياسة “عدم التسرع” السمة الغالبة على موقف الإدارة الامريكية وخاصة في سنة الانتخابات رغم ان الدولة العميقة الأمريكية هي التي تصنع السياسات وتسطرها وتنزلها، وهذه الأخيرة ترى ان الحل العسكري قُبر وان بعض فاعلين وأولهم حفتر وبدرجة ُثانية السراح يجب ان يغادروا المشهد ليحل محلهم فاعلين آخرين غير جدليين….

++ ملامح وآفاق الحلول في انتظار مؤتمر برلين

  • مما لاشك فيه أن المواجهات العسكرية مستمرة بين طرفي النزاع، بناء على أن قوات عسكرية تتبع حفتر تحاول ربح ولو امتار منذ 06 أشهر وأنها خسرت “غريان” آخر يونيو الماضي، وهذا الأسبوع وبعد اعتقادها أنها قد تكسب خسرت محور العزيزية (أول أمس الثلاثاء 08 أكتوبر)، ومقابل ذلك تعمل قوات عسكرية موالية لثوار فبراير على صد الهجمات العسكرية القادمة إليها وسط تمسك بقبر الحلول العسكرية وايمان بالدولة المدنية، ولكن ذلك مصاحب بخذلان الوفاق وعجز طاقمها السياسي على لعب أدوار في توظيف انتصارات الميدان التي حققتها قوات بركان الغضب….
  • قبل أسابيع من مؤتمر برلين والذي لم يبلور برنامجه بعد، تبدو دول كبرى في مجلس الأمن منها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا والصين وروسيا، راغبة في الحل السياسي والعمل على حسم واحتواء الصراع ووضع خطوات يرونها معيارا للنجاح في أزمة طال أمدها، والثابت أن دولا أجنبية وعربية أخرى سوف تشارك في المؤتمر الدولي من ضمنهم إيطاليا وفرنسا وتركيا ومصر والإمارات العربية وقطر بهدف الخروج برؤية واحدة تعمل على مساعدة ليبيا في أزمتها الخانقة….
  • السؤال الرئيسي هو هل ان مؤتمر برلين المؤجل لشهر نوفمبر المقبل حيث فشلت مؤتمرات ولقاءات “أبو ظبي1″ و”2 ” و”باريس 1″ و”2″ و”باليرمو” في نحت الحلول والتوصل الى توافقات وفي الوفاء وبالتزاماتنا للقضية الليبية لاحقا في مؤتمر ليبي-ليبي جامع وحتى لا نستعجل بالحكم وتفشل التجربة الليبية بالانقضاء مرة أخرى. ملامح مبادرة دولية جديدة للخروج بموقف موحد من أجل وقف إطلاق النار والعودة إلى العمل السياسي والتفاوضي الذي يمهد إلى المؤتمر الليبي – الليبي الجامع في خطة دولية مرسومة بثلاث خطوات أساسية، وإذا كان تقييم الأزمة الليبية حقا على الدول الكبرى الخمس التي سوف تشترك في مؤتمر برلين القادم، كان علينا نحن حقا إن نجتمع في مؤتمر ليبي – ليبي يكفل حق التعبير عن الرأي الصائب في فك النزاعات السياسية والعسكرية التي توجهها الدولة الليبية المعاصرة…
  • الأزمة الليبية تعتبر بالنسبة لبعض دول العالم ودول الجوار خطرا على أمنهم القومي وخطرا على مصالحهم الاقتصادية، كما أن الأزمة الليبية تشكل تلاشي برامج الانتخابية ودستورية الدولة الذي يبشر باستقرار وامن الدولة الليبية….
  • يجب وجود شجاعة ليبية في التنازل أولا وفي القدرة على اسقاط السيناريو الذي يشتغل عليه الإقليمي القائم على حرق ثورات الشعوب العربية وبشط أنظمة عسكرية في كل المنطقة الشمال افريقية، وهو ما يسهل استئناف مسارات 2012-2014، أي دعم فعلي وميداني لانتقال ديمقراطي تساهم فيه كل مناطق ومدن وقبائل ليبيا…

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 10 اكتوبر 2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق