تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: مستقبل الليبرالية والليبراليون في أفق عقد الملتقى الجامع

علي عبداللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي تونسي مختص في الشؤون الإفريقية

 

          رغم أن التيار الليبرالي في ليبيا  قد تقلص حضوره الشعبي ورغم التداخل التنظيمي والحزبي بين التيار الليبرالي وكلا التيارين المنافسين له أي الإسلاميين والسبتمبريين، فإن السؤال المطروح هو هل ستتكرس السيطرة النسبية للتيار الليبرالي انتخابيا خلال الاستحقاقات الانتخابية القادمة على غرار ما حدث سنتي 2012 و2014، وما هو مستقبل الليبرالية والليبراليين في ليبيا، وأي من الأحزاب الليبرالية الحالية سيبسط هيمنته على الساحة الليبرالية خاصة والوسطية في ليبيا عموما في أفق  عقد الملتقى الوطني الجامع أو بالأحرى في أفق إجراء الاستحقاقات الانتخابية والمنتظر إجراؤها في أكتوبر القادم حسب مقررات مؤتمر الاتحاد الإفريقي الأخير؟

  • فُسيفساء وآفاق الأحزاب الليبرالية في ليبيا

إضافة لعدد من التنظيمات ذات المنزع الليبرالي تفكيرا ومن حيث الرؤية السياسية وطبيعة علاقتها مع القوى والمنظمات الدولية خلال عقدي ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، تشكلت بعد ثورة فبراير العديد من الأحزاب الليبرالية سواء من حيث تسميتها القانونية والرسمية أو من خلال أطروحاتها أو برامجها المعلنة في انتخابات يوليو 2012

 أ- حزب تحالف القوى الوطنية

           وهو أكبر المكونات الليبرالية في ليبيا ويتزعمه محمود جبريل، وقد استطاع الحزب الفوز النسبي في انتخابات 2012 والحصول على نتائج طيبة في انتخابات 2014، وقد عقد مؤتمر انتخابي له بتونس سنة 2017، وهو حزب له اصطفافاته الإقليمية الكبرى وله حضور في بعض المدن الليبية وله قدرات مادية ولوجستية وله علاقات مع أحزاب مصرية وتونسية وأوروبية، ويبقى مستقبله السياسي مرتبطا بتطور الأوضاع الإقليمية وقدرته على بناء علاقة تنافسية وائتلافية ولابد من التأكيد أنه عرف الانحصار نتاج خياراته مواقفه مع بقاء تعاطف قطاع واسع من الأكاديميين والمثقفين، وقد أعاد بناء نفسه كحزب، وهو أمام فرص استثمار تنوع الساحة السياسية القابلة بطبيعتها لإعادة التشكل، خاصة وأن جبريل يناور في العلاقة بمعسكر الكرامة وهو من الأطراف الممضية منذ أشهر على ميثاق الشرف، وقد عمد إلى تغيير اسمه كما تم الحديث عن تأسيس حزبين ليبراليين بتسميات أخرى لخوض الانتخابات باسمها في خطوة احتياطية …

 وعمليا يبحث الحزب مثل غيره من القوى الليبية عن حل للازمة الليبية المتفاقمة منذ منتصف سنة 2014، وقد فقد جزء من إشعاعه الداخلي نتاج إعطاء الأزمة الليبية واختصارها في ثنائية “السراج –حفتر” (رغم أن الأول أقرب سياسيا لجبريل ورفاقه والثاني حليف لهم حاليا من حيث الاصطفاف الإقليمي)…

أما مستقبل التحالف فهو مرتبط بعدد من العوامل المختلفة:

** قدرته على الدفع في اتجاه الحل السياسي وتكريس لرؤيته السياسية في بناء دولة مدنية وتحقيق أهداف ثورة 17 فبراير واستكمال مهامها، وأساسا تكريس المصالحة الوطنية ودفن لآلام الماضي عبر إرساء العدالة الانتقالية…

** قدرته على التخلص من تبعيته السياسية في الاصطفاف الإقليمي والاستفادة منه دون مزيد من الارتهان لها عندما تتعارض مع مصالح ليبيا إقليما ودوليا….

** قدرته على الدفع في اتجاه الخيار التونسي من حيث التعايش بين الإسلاميين والليبراليين وكل القوى السياسية، بدون فقدان علاقات الحزب مع المجتمع المدني المصري وبعض القوى الفاعلة في الساحة المصرية أو الخليجية ….[1]

ب- حزب الجبهة الوطنية

وهو حزب ليبرالي معروف حيث أن له القُدرة على استرجاع إشعاع “الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا” وأهم زعمائه هم “عبد المجيد صهد” و”عبدالله جودات الرفادي” وهذا الأخير أصبح رئيسا للحزب اثر آخر مؤتمر، وتشغل الدكتورة “فيروز النعاس” خطة أمين عام للحزب، ويُصنف مع الأحزاب الليبرالية والتقدمية ويطالب بحكومة ديمقراطية ومدىً معيناً من اللامركزية، معارضاً في الوقت نفسه النظام الفيدرالي، وهو حزب مرشح لأدوار سياسية مستقبلية واستقطاب الناخب الليبي في الجهتين الشرقية والغربية…

وقد عرف الرئيس الحالي للحزب عن هويته الليبرالية في جوابه  على سؤال: “هل أنتم حزب ليبرالي من حيث منطلقاته السياسية، ومن حيث تطلعاته السياسية والاقتصادية؟، عبر التأكيد أنه “إذا كانت الليبرالية تأسست على أفكار الحرية والمساواة واحترام الفصل بين السلطات ، واحترام كرامة الإنسان والمساواة أمام القانون، وتعني فيما تعنيه صون حرية التعبير والحقوق المدنية والسوق الحر ، فهي المنطلقات التي ينطلق منها حزب الجبهة الوطنية ويسعى إلى تحقيقها ومن هنا يصنف الحزب كحزب وطني ليبرالي خاصة في تطلعاته السياسية وفلسفته الاقتصادية دون المساس بعقيدة الشعب موروثة الثقافي والاجتماعي، وهي مطالب الشعب الليبي وتطلعاته في بناء دولة مدنية حرة مستقلة حديثة ، تحارب فيها العصبية بكل أنواعها وأنماطها ، تقاطع الديكتاتورية مهما كان نوعها وحكم العسكر، تتداول فيها السلطة وفق صندوق الاقتراع . من هذا المنظور كان اللقاء داخل حزب الجبهة الوطنية على أساس وطني بحت، لسنا يمنيين أو يساريين أو حتى وسطيين، بل ليبيين وكفى،إذا كانت هذه ليبرالية، فلا مستقبل في ليبيا إلا لها”[2]… .

ت-حزب الليبيين الأحرار

هو حزب ليبي ذو توجه ليبرالي، ويتكون من عدد من أطياف المجتمع الليبي، ويرأسه المحامي “محمد إبراهيم العلاقي” ويعمل على قيام دولة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون وعلى اقتصاد وطني حر، ومن بين أعضاء الحزب “فتحي البعجة” و”سعد المريمي” و”أنور فكيني” والمحامية “نيفين عبد الحميد” و”عبد السلام قديمش”، وهو من الأحزاب التي قد تمثل مفاجأة في الأحزاب الليبرالية خلال السنوات القادمة…

 ث- أحزاب ليبرالية أخرى

           من بين حوالي أكثر من 70 حزبا يوجد أكثر من 15 حزبا ليبيا ذا توجهات ليبرالية ووسطية على غرار أحزاب حزب التيار الوسطي (بقيادة علي الطرهوني) أو حزب التغيير (جمعة القماطي) وحزب الاستقلال المحافظ و”حزب الوسط الليبي” و”حزب شباب ليبيا” و”حزب الوفاق الليبي” و”حزب التنمية والرخاء الديمقراطي”….

  • تجمعات سياسية تضم مكونات أو شخصيات ليبرالية

تشكلت بعد 2014 عددا من التجمعات السياسية وبعضها ضم في تركيبته عددا من المكونات والشخصيات الليبرالية ومن أهم تلك التكتلات السياسية:

  • حراك نعم ليببا:حراك جديد، يضم مجموعة من “السبتمبريين” و”الفبراريين”، في محاولة لتجاوز الانقسام والاستفادة من المساحة البينية المتروكة، وهو حراك يضم شخصيات ليبرالية ولكنه حراك نخبوي ويبقى مستقبله رهين التطورات المحلية والتطورات الإقليمية…
  • التكتل الوطني الديمقراطي: تجمع سياسي يقوده القيادي المعروف الدكتور علي الصلابي والذي استطاع أن يضم لهذا التكتل السياسي ليبراليين أقرب فكريا للتيار الإسلامي وسبتمبريين وجوه وشخصيات انتمت سابقا لتنظيمات إسلامية على غرار الإخوان أو الحركة الإسلامية للتغيير (وريثة الجماعة المقاتلة)، وهو تكتل راهن خلال الأشهر الماضية على تكوين إطاراته عبر تكثيف التدريب السياسي والتكوين في مختلف المجالات وينوي تنظيم فعاليات سياسية وندوات كبرى خلال الأسابيع والأشهر القادمة وهو محسوب سياسيا على القطريين من حيث الاصطفاف الإقليمي بناء على مقاربات وأطروحات…
  • الحراك من أجل ليبيا: تجمع سياسي أغلب قياداته موجودة في المهجر وخاصة في تونس، يضم وجوه دبلوماسية من العهد السابق وبعض الباحثين في الشؤون الإفريقية وبعض المسؤولين الإداريين والأمنيين السابقين …
  • تجمعات سياسية أخرى: عديدة هي التجمعات السياسية الأخرى اليت تضم شخصيات ليبرالية أو هي ليبرالية من حيث التكوين والتوجهات، سواء تلك هي تحت التأسيس على غرار تجمع القوى الوطنية بقيادة محمد الشريف رغم أنها في ظاهرها جمع لأنصار القذافي، وهناك تجمعات تجمع بين السياسي والاجتماعي على غرار “حراك إصلاح ليبيا” و”الحراك الوطني من اجل ليبيا” و”حراك ليبيا حلها الشباب” و”حراك ليبيا الى السلام”….

 

  • حول مستقبل الليبرالية والليبراليين في ليبيا

*** الليبرالية لا يمكن القفز إليها من مجتمع قبلي، كما يراد للكثير من المجتمعات العربية أن تكون، فإذا كانت “الليبرالية” تقوم على مبدأ “الحرية” الكامن في الولاء لـ “الفكرة”، فيما “القبلية” تقوم على مبدأ “العصبية” الكامن في الولاء لـ “الدم”، فإن ما لا شك فيه وفق طبيعة الولاءات المتناقضة التي تفرضها كل من “الليبرالية” و”القبلية”، أن تكون القبيلة طاردة للحرية، ومن ثم لليبرالية، فكيف يتوقع – والحال كذلك – أن بالإمكان القفز بنمط البُنْيَة المجتمعية من حالتها القبلية – البدائية – الطاردة للفكرة وبالتالي للحرية، إلى حالة متقدمة حاضنة للفكرة وولادة للحرية هي “الليبرالية”؟! وإن لغة التاريخ ونواميس وقوانين السيرورة المجتمعية التي أشرنا إليها، تؤكِّد على أن هناك بُنْيَة مُجتمعية انتقالية لا مفر منها بين المجتمع “القبلي” والمجتمع “الليبرالي”، لا يمكن القفز من الأول إلى الثاني بدون المرور بها، وإلا فسيحدث الانهيار والتفكُّك في المجتمع، لا يختلف كثيرا من حيث الجوهر عن ذلك الذي حصل في الاتحاد السوفييتي[3]

*** إن تلك “البُنية المجتمعية الانتقالية التي لا مفر من بناء الدولة في ضوء حيثياتها لتحقيق انتقال سلس من الدولة القبلية إلى الدولة الليبرالية عبر جيل من الزمن، فهي تلك التي تنزع إلى خلق دولة مدنية تشاركية في قالب ديني متفتح، لأن الدين بطبيعته فرض نفسه تاريخيا كمنظومة توفيقية بين القبلية والمدنية، والدولة الليبية بل ومعظم الدول العربية أقرب إلى هذا النموذج من أي نموذج آخر. وإن أي محاولة لفرض النموذج الليبرالي الغربي في سياقاته المتطورة على مجتمعات ما تزال تتسيَّد فيها القبلية، هو ضربٌ من ضروب الدعوة إلى تفكيك تلك الدول إلى بناها الفرعية المضعفة لها بدل دفع تلك البُنى نحو التلاقي والاستقواء، تمهيدا لتطور طبيعي وسلس لليبرالية فيها”[4]

*** عانى التيار الليبرالي خلال السنوات الماضية وأساسا بعد 2014 مثله مثل كل مكونات تيار فبراير من التخبط والتشظي وتفشي العقلية الغنائمية وعدم الثقة بين أطرافه ومع خارجهم رغم إمضاء الجميع لميثاق الشرف بداية سنة 2018 ولن تتطور مكونات فبراير إلا بوجود تيار واقعي يبني الائتلافات والتحالفات والتوافقات في إدارة ليبيا مستقبلا بناء على إرادة الليبيين وبناء على نتائج الصناديق، أما التيار الليبرالي تحديدا فلا  يزال غير واضح من حيث التشكل بالإضافة إلى تحفظ جزء من شباب الثورة الليبية على الارتباطات الإقليمية لبعض مكوناته وعدد من مواقفه، إضافة إلى إخفاقه في الخروج من الجمود الخطابي والعملي وقصوره مع التعامل البراغماتي مع السلطات والقوى على الأرض وقد تعاني بعض مكوناته من التفكك على غرار تحالف القوى الوطنية وفقا لطبيعة الرهانات المستقبلية في ليبيا ووفقا لتطورات الصراعات في الإقليم ولطبيعة مستقبل العلاقة بين التيارين الإسلامي والليبرالي كما أن تشكيل الائتلافات والتجمعات السياسية في ليبيا سيعطي حضورا قويا للشخصيات والأفكار الليبرالية مما يمكن قوى سياسية على غرار تجمع الوطنيين الأحرار من اكتساب حاضنة شعبية في عدد من  المدن تمكنه من التموقع السياسي وربما الحصول على كتلة نيابية تمكن الليبراليين عموما من الحضور القوي سياسيا في مستقبل ليبيا السياسي والدولي…

*** من خلال استقراء المشهد السياسي الليبي منذ 2012 وبناء على التطورات الإقليمية ونتاج الطبيعة الصدامية بين الإسلاميين والسبتمبريين، ونتاج الواقع الاجتماعي والمعيشي اليومي لليبيين يجعلهم  قد تدفع العديد من الناخبين ألليبيين بحثا منهم على الاستقرار والأمن يصوتون عن مرشحين أقرب للتيار الليبرالي باعتبار أنهم ملوا التجاذب الإيديولوجي المباشر ورغم أن التيار الليبرالي تقلصت حاضنته الشعبية نتاج رهانات واصطفافات حزب تحالف القوى الوطنية، فانه يمكن الجزم أن الليبراليين سيكونون رقما أساسيا في السلطة السياسية التي ستتشكل بعد الاستحقاقات الانتخابية القادمة أي أنهم كنخبة مؤهلين ليكونوا من بين حكام ليبيا المستقبليين، ورغم أن ظروف 2012 ليست هي ظروف 2019 ورغم أن الملتحقين بالتيار الليبرالي راهنا ومستقبلا، قد تغلب عليهم المسحة البراغماتية التي تلامس الغنائمية والانتهازية والنفعية المرتبطة بالوقائعية، ورغم ذلك يمكن التأكيد أن المستقبل فعلا هو لليبراليين ولكنهم المعتدلين والوطنيين الذين لا يتبنون الإقصاء ولا الاستئصال لخصومهم الفكريين والسياسيين…

المصدر:صحيفة الرأي العام ، العدد 95 بتاريخ 14 فيفري 2019

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1]  مقتطفات من دراسة نشرها الكاتب في صحيفة “الرأي العام” التونسية بتاريخ 01 مارس 2018….

[2]  حوار رئيس الحزب في صحيفة “رؤية ليبية” العدد 08 ص 05 بتاريخ 23-07-2018

[3]   عكنان (أسامة)، مقال بعنوان “هل من مستقبل لليبرالية في ليبيا؟ ” صحيفة “رؤية ليبية”  العدد 08 ص 05 بتاريخ 23-07-2018

[4]  نفس المصدر ص 05

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق