تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: هل عمق حفتر وحلفائه أزمة النسيج الاجتماعي في الجنوب؟

بقلم : علي عبد اللطيف اللافي

كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الإفريقية

مما لا شك فيه أن الغيورين على ليبيا ومستقبلها هم جد قلقين اليوم من المخاطر التي تتهدد النسيج المجتمعي الليبي وخاصة في جنوب البلاد ذلك أن ملامح الانقسامات جلية ومُضاف إليها تراكم الأزمات الاجتماعية الكبيرة على خلفيّة الصراعات القبلية التي أذكتها الحروب وخاصة تلك التي دفع إليها اللواء المتقاعد خليفة حفتر ومن بينها معارك بداية السنة الحالية والتي أعقبتها دول إقليمية في إقامة قواعد عسكرية في التشاد والنيجر وبما في السودان لاحقا، وقبل ذلك تعدد الخلايا النائمة لتنظيم داعش الإرهابي والتي ارتبطت بعصابات الإجرام والتهريب، ولكن هل عمق حفتر وقواته وحلفائه المحليين والإقليميين والدوليين أزمة النسيج الاجتماعي في جنوب البلاد؟

  • لم يعرف تاريخ ليبيا الوسيط والمعاصر صراعا يذكر لا اثني ولا عرقي ولا مذهبي، فهي بلد متماه مع المالكية، وعاش أهلها في تناغم بين المسلمين والمسيحيين على قلة عددهم كما عاش في البلد قبل خمسينات القرن الماضي عشرات الآلاف من اليهود، وبرغم من التعدد القبلي عاش الجميع متحابين ومتصاهرين طوال قرون وعقود، رغم وجود كل المذاهب وتعدد القبائل والتي راوح عددها 140 قبيلة….
  • الثابت من خلال دراسة التاريخ المعاصر لليبيا أن أطرافاً خارجية زجّت بالجنوب الليبي في حروب على أساس نعرات تاريخية، ولعل بعض القوى الخارجية وحلفائها المحليين مدعومين بأذرع إقليمية لا تريد لليبيا لا التوحد ولا الهناء ولا الاستقرار من أجل توظيف ثرواتها وموانئها، تبحث عن إحياء تلك النعرات بين حوالي 17 قبيلة في جنوب البلاد …..
  • في محاولة منها لجر البلاد إلى مستنقع حالة ألا استقرار عمدت أطراف إلى تغذية الصراعات منذ سنتي 2012 و2013، بهدف وأد التجربة الديمقراطية حيث شهدت منطقتا “الكفرة” و”أوباري” حروباً استمرّت شهوراً عدّة بين بعض القبائل، وقد انتهت كبرى تلك الحروب بين مكوني “التبو” و”الطوارق” بمصالحة وُقّعت في الدوحة في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2015، لكنّ ما حدث أن طموحات حفتر العسكرية والتي تطورت سنة 2015 إلى السعي من أجل السيطرة على الجنوب، دفعته إلى عقد اتفاقات وصفقات مع القبائل الكبرى، مثل قبيلة “التبو” الممتدة في أكثر من منطقة، وقبيلة “الزوية” في الكفرة، فكفلت له تلك القبائل سيطرة بـــ”الاسم” على مناطقها لكنّها في الوقت ذاته اضطرت إلى خوض معارك مع قبائل أخرى مثل قبيلة “أولاد سليمان” وقبيلة “المجابرة” وقبيلة الطوارق وغيرها، لمصلحته….
  • مع انكفاء الجزائريين على أوضاعهم الداخلية منذ فيفري الماضي ووضوح حضور الإسرائيليين في غرب إفريقيا وغلبة المنزع العسكري وتراخي المجلس الرئاسي في متابعة أوضاع سكان الجنوب، وتنامي الدعم السخي ماديا ولوجستيا وضوء الأخضر الممنوح من بعض الدول الغربية، أطلق حفتر عملية عسكرية للسيطرة على الجنوب بمساعدة دول جوار أفريقية، في مقدمتها تشاد، في يناير/كانون الثاني من السنة الحالية مما حدا به إلى فكّ تحالفاته مع قبيلة “التبو” والتي تحولت إلى عدو رئيسي له بناء على اكتشاف رموزها أنه قد عقد صفقات مع قبائل منافسة لها وهو ما ترتب عليه كما هو معروف انسحاب وزرائهم من حكومة الثني (المؤقتة) ونوابهم من برلمان طبرق….
  • بينت تصريحات عسكريي قوات حفتر استعانته بمليشيات قبليّة محسوبة على “أولاد سليمان” و”الحساونة” و”المجابرة” وغيرها لمواجهة خصومه الجدد أي “التبو”، بالإضافة إلى إثارة نعرات قبليّة بين العرب من جهة وبين “التبو” و”الطوارق” من جهة أخرى، وهو أمر جد خطير خاصة في ظل وجود نوايا التغيير الديموغرافي ضد العرب من طرف جهات أخرى، وهو ملف وفره حفتر لدخول قواته للجنوب من جهة وللتحشيد ثانيا واللعب على التوازنات ثالثا …..
  • أدى ميل بعض قبائل الجنوب الأكثر تنفّذاً وقوّة على غرار “الطوارق” لمصلحة حكومة الوفاق الوطني في ليبيا ( تعيين علي كنة آمرا للمنطقة الجنوبية مثال للذكر لا الحصر) ، الخصم السياسي التقليدي لحفتر، وهو ما حدا بهذا الأخير إلى الاستعانة بالمرتزقة من تشاد والسودان وخاصة بعد تعاون “حميدتي” في السودان مع الإماراتيين أي حلفاء حفتر مما مكنه آليا من دعم كبير بمئات من المرتزقة حتى أن زيارتهما لقاهرة أي “حفتر” و”حميدتي” تزامنت في وقت واحد منذ أسابيع …أكدت أغلب تقارير للأمم المتحدة تنفّذ مليشيات المرتزقة في الجنوب والثابت أن اللعب على الوتر القبلي من أبرز العوامل التي مكنت حفتر من السيطرة وهي في الحقيقة ليست سيطرة بل مسميات واتفاقيات هشة، ومما لا شك فيه أن حفتر يعرف جيدا أنّ لتلك القبائل امتدادات وراء الحدود جنوباً وكذلك خلافات مع قبائل أخرى ما وراء الحدود، بالتالي عمد إلى فتح الباب موارباً أمام مرتزقة قبائل ما وراء الحدود للنَيل من خصومه…
  • ما حدث ويحدث اجتماعيا في مدينة “مرزق” هو نتاج طبيعي وابن بكر للعب “حفتر” ورجاله على الوتر القبلي، حتى أن الأمم المتحدة أعلنت قبل نحو أسبوع عن مقتل أكثر من 90 مدنياً في الاشتباكات القبلية في داخل مرزق وإصابة أكثر من 200 آخرين، بالإضافة إلى حرق وتدمير أكثر من 1200 مسكن…..
  • حفتر لا تهمه الترتبات لأنه يبحث عن مكاسب آنية وفي بعض الأحوال يُربك حتى حلفائه الإقليميين وخاصة المصريين، ذلك أن اعتماد سياسة ومنطق ضرب القبائل بعضها ببعض، ثم الوقوف في صف المنتصر أمر له ترتبات خطيرة على ليبيا والليبيين وأيضا على المصريين، ولعل مثال سياسته مع “الطوارق” ثم مع “التبو” أبرز مثال على ذلك فهو قد ناصر “التبو” سابقا قبل أن ينقلب عليهم ويُوالي خُصومهم لإقصائهم، ومعلوم اليوم أن “التبو” تُمثّل غالبية “قوة حماية الجنوب”(موالية لحكومة الوفاق)، والتي تخوض قتالاً منذ أيام في مناطق مرزق وجوارها، وذلك في محاولة منها لإعادة السيطرة على مناطقها القبلية وطرد فصائل قبلية أخرى موالية لحفتر….
  • كُل ما ذكر أعلاه يؤكد أن الآثار والترتبات السلبية لاستراتيجيات حفتر والمقربين منه وحلفاؤه في الجنوب الليبي ورغم صمت المجتمع الدولي تجاه الحروب القائمة على الثارات القبيلة والتي دفع إليها حفتر كما بينا ذلك أعلاه ستكون أولى نتائجها استمرار حالة الفوضى وعدم الاستقرار وامتداد آثارها إلى دول الجوار، أمّا النتائج على المدى البعيد وكما يقول كل المتابعين فهي تعميق الانقسام القبلي وبلوغه درجات ألا عودة…
  • بينت التجارب أنّ الصراعات القبلية لا تنتهي بسرعة، وأن لها امتداداتها بل هي ستمحو مميزات أكثر من خمسين عاماً من الاستقرار والتعايش القبلي، وهو ما يعني أن ما يقوم به حفتر في الدفع إلى الخلافات التاريخية القديمة أمر خطير وجسيم وتعميق للانقسامات وتغذية لها وهو لعب بالنار وان معالجته ستتطلب قدرات ومصالحات وكوارثه الاجتماعية أكثر من أن تحصى وتعد….
  • لا شك أن سياسة حرق المنازل التي تجري منذ مدة في “مرزق” ( وهي أكبر مدن الجنوب)، يعني أنّ الصراع وصل إلى مرحلة متقدمة، وإن ما يجري هو انتقام وثأر، وأن القيم الأساسية للتعايش التي كانت تسود البلاد كانت تُمثّل صمّام الأمان، بل الثابت أن تفكك المجتمع من جرّاء ما يحدث في الجنوب وصل إلى حدّ اشتراك وإشراك المدنيين في دائرة العنف، بل هُو بُعد جديد ومخيف، حتى أن بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا قد أشارت إلى خطر سياسات حفتر على الصعيد الاجتماعي، بل أن غسان سلامة نفسه قد أكد في أكثر من مرّة أنّ “استمرار النزاع قد تسبّب في تآكل النسيج الاجتماعي على نحو ينذر بالخطر”…
  • نسي حفتر والمقربين منه وبعض مستشاريه (إن صح أن له فعلا مستشارين أو صح انه يستمع إليهم)، أن “تحالفه مع بعض دول ستدفع ليبيا كبلد أثمانه الباهضة لأن كل أخطاؤه وسياساته الكارثية في الجنوب الليبي مرتبطة بمصالح دول بعينها لا ترى في ليبيا إلا ممر يسير نحو العمق الإفريقي وثروات هائلة موضوعة على الطريق”، وإلا ماذا تعني تلك التقارير التي نشرتها وسائل إعلام غربية والتي تأكّد وقوف دول غربية وراء تسليح بعض القبائل في الجنوب في مقابل دعمها حفتر، كما أشارت نفس تلك التقارير إلى فتح الحدود الجنوبية أمام قبائل من وراء الحدود باتت اليوم تسيطر على مناطق بكاملها بل وتسعى إلى إحداث تغييرات ديموغرافية مطلوبة ومبرمجة في استراتيجيات بعض دول….
  • تُسيطر اليوم وخاصة منذ أشهر مليشيات تشادية وسودانية على مناطق ليبية عدة ما وراء “تراغن”، مثل “القطرون” (القريبة من الحدود مع تشاد والغنية بمناجم الذهب)، ومعلوم للمتابعين أن وزارة “شؤون المهاجرين” (تابعة لحكومة الوفاق الوطني) تمتلك بيانات لأعداد النازحين من الجنوب من جرّاء الحروب القبلية”، وهو ما يعني وجود إرادة توطين الوافدين عبر الحدود بدلا من السكان الذين أجبروا على مغادرة مناطقهم بسبب السياسات الخرقاء لحفتر وحلفائه المحليين والذين لم يستوعبوا ترتبات ما يفعلون أو أنهم يعون ولكن ماذا يفعل الوكلاء غير التنفيذ مبدون طرح الأسئلة أو حتى مجرد الاستفهام…

 

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 5 سبتمبر / ايلول 2019 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق