رياضة

مونديال قطر 2022: الكرة في شباك السياسة

«الفائز بتنظيم كأس العالم 2022 هو قطر»، لم يكد رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جوزيف بلاتر يصرح بتلك العبارة في الثاني من ديسمبر 2010 في مقر الفيفا بمدينة زيوريخ السويسرية، حتى نقلت الكاميرا مشهدا لا ينسى للأسرة الحاكمة القطرية، حيث تعانق أفرادها بحرارة وأعينهم تفيض بدموع فرحة النصر.
لم يكن هذا الانتصار الذي تبعه تسليط الأضواء على دولة قطر مجرد حصول على تشريفٍ باستضافة حدث رياضي كبير، إنما كان حصادًا للقوة الناعمة التي استثمرتها دولة قطر، وتأكيدًا على أن وضع الموارد الصحيحة قَيد الاستخدام الجيّد يضع دولة لا يتعدى تعداد سكانها مليوني نسمة في مواجهة الكبار، فقد دخلت المنافسة أمام دولٍ كبيرة تفوقها من حيث المساحة وعدد السكان والثروات. كان من المفترض أن تعُمّ الفرحةُ الوطنَ العربي لهذا الحدث، وبصفة خاصة البيت الخليجي، الذي يتمتع بُمشتركات جغرافية وتاريخية وثقافية وأمنية وسياسية، بصورة تُؤهله لتكتّل قوي في المنطقة، غير أن كرة القدم سكنت شباك السياسة، وطفحت على السطح أمارات الامتعاض لبعض دول الجوار، تُرجمت إلى تفخيخِ مسيرة القطريين في استضافة كأس العالم ووضع العراقيل في الخفاء. لكن الفتنة التي ضربت الخليج بفرض حصار جائر على قطر منذ العام الماضي، بدون مبررات يقبلها الدين والمنطق وحقوق الجوار، ألقت بظلالها على الحدث الرياضي المُرتقب، الذي أصبح أحد مُفردات العداء، وذلك شأن عقارب الخصومة السياسية التي لا تهدأ.
تولّت الإمارات كِبَر الحملة الشرسة التي استهدفت تجريد قطر من حقها في استضافة المونديال، الذي يتوقع معه قدوم حوالي مليون ونصف مليون شخص من أنحاء العالم إلى قطر لمشاهدة مبارياته.
وظهر خُبث الطَويّة في تسريبات السفير الإماراتي في واشنطن يوسف العتيبة في معرض ردّه على رسالة واردة من بلال صعب المحلل بالمجلس الأطلسي حول المشاكل القانونية التي يعاني منها الفيفا، فعقب العتيبة قائلًا: «الفيفا وقطر معًا هما رمز الفساد». وتأكدَّ المكنون وبرز في لحن القول بعد فرض الحصار، فرئيس شرطة دبي السابق ضاحي خلفان يصرح بأنه إذا ذهب المونديال عن قطر سترحل أزمة قطر، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين قال إن الأزمة مفتعلة من أجل التخلص منه (مونديال قطر)، ولما شعر بأنه أوقع نفسه ودولته في ورطة، حاول التراجع قائلًا: «بعض الجرائد والصحف الغربية، ربما ترجمت تغريدتي بالخطأ، شخصيًا أرى أن قطر ليست لديها الكفاءة لتنظيم المونديال، لذلك أردت التحجُّج بحُجج واهية».
فلا أدري هل أعلق على تجاوزه اختصاص الهيئة المنظمة التي درست ملف قطر ورأت قدرتها على الاستضافة وصلاحيتها لذلك، أم أعلقُّ على تراجعه المُتخبط الذي يشبه الانسحاب العشوائي للجيش المصري في نكسة حزيران؟
ويأتي أنور قرقاش وزير الدولة الإماراتية للشؤون الخارجية ليدلي بِدلْوه، وبدلًا من أن يُكحِّل العين أعماها، عندما دافع عن تغريدة خلفان، وزادنا من الشعر بيتا، والبيت قد خلا من الوزن والقافية ورصانة الشعراء، حين قال إنه لا تستوي الإضافة مع سجلٍ في دعم التطرف والإرهاب، ليتجاوز بدوره اختصاص الهيئة المنظمة التي أجازت الملف، الذي أشرف عليه محمد بن حمد آل ثاني، نجل أمير قطر والذي أوقد من على فرسه شعلة الألعاب الأولمبية 2006، وأوقد لقومه شعلة استضافة مونديال 2022. لكن تصريح قرقاش يُصبح أمرًا طبيعيًا مفهومًا حين نردُّه إلى سياقه، فتهمة دعم الإرهاب كانت إحدى الفزاعات التي استخدمتها دول الحصار ضد قطر لسلب إرادتها السياسية والقفز على سيادتها، تلك التهم التي ألقتها جزافًا بدون أن يكون لها رصيد من الواقع يمكن أن تستند إليه، رغم أن المجتمع الدولي لم يتقبل هذا الاتهام، بل ينظر بعين الاعتبار للمشاركة القوية لقطر في مواجهة الإرهاب بشراكة إقليمية ودولية.
الجارة السعودية لم تكن بمعزل عن إجراءات سحب المونديال من قطر، حيث دعا رئيس الهيئة العامة للرياضة السعودية تركي آل الشيخ إلى ذلك، وأعقبها إطلاق دعوات سعودية لزيادة عدد فرق مونديال قطر إلى 48 فريقا بدلا من 32 فريقا، والهدف واضح وهو إحراج قطر ومحاولة تعجيزها أمام استيعاب المونديال بهذه الصورة التي تتطلب المزيد من الملاعب والتجهيزات، كما تحدثت صحف سويسرية وفرنسية عن طلب السعودية ودول أخرى، سحب المونديال من دولة قطر.
لكن قطر تدرك الأبعاد السياسية لتلك الحملة، وتُقابلها بعمل دؤوب لتذليل العقبات والتحضير القوي للبطولة الكبرى، معتبرة ذلك أحد أبرز محطات صمودها في وجه الحصار، وقد أكد الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث حسن الذوادي، في مقابلة مع «أسوشيتد برس» أن الحصار الذي فرض على دولته لا يشكل خطرًا على نهائيات كأس العالم 2022، وأنه يتم التغلب على العقبات اللوجستية، وقال إن كل مشروع لديه خطط طوارئ، وكانت لقطر خطط طوارئ منذ البداية، وتم التواصل عقب الحصار مع المتعاقدين الرئيسيين، وتم وضع سلاسل توريد بديلة تُمكّن من الحصول على مواد بديلة من موردين بدلاء.
التجهيزات للمونديال تسير على قدم وساق في تحدٍ للإشاعات المُغرضة عن تعثُّر قطر المالي، وخالفت الدوحة توقعات المراقبين، حيث أن جميع المواد الأساسية الداخلة في مشروعات التجهيز كان يتم استيرادها من السعودية والإمارات.
كان من المفترض أن تنظر دول الخليج إلى استضافة قطر للمونديال على أنه حدث عربي جامع وليس قطريا فقط، وأن يتم استثماره بما يكون فيه صالح البيت الخليجي بأسره، لكنها شباك السياسة حين تسكن فيها كرة القدم، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق