السوداندراسات

السودان :مسودة خارطة طريق للسلام الشامل (*)

تنويه: نشر هذا المقال بــ “المجلة العربية للعلوم السياسية” ، العددان 47-48 ، صيف -خريف 2015

 

عبده مختارموسى(**): 

 

أولا: رؤية شاملةللحل السلمي لكل السودان

استهلال:

منذ استقلال الـسـودان في عـام ١٩٥٦ لمتنجح النخبة السياسية الحاكمة في صياغة رؤيـة استراتيجية لبناء دولـة مستقرة ومتماسكة وموحدة، وهو ما أعـاق التنمية وهدد بنية الدولة واستقرارها ووحدتها.

ظل السـودان يعاني الاضطراب والحروب الأهلية منذ الاستقلال ما أدى إلى انفصال جزء منه، ومـا زالـت هناك أجـزاء أخـرى مضطربة؛ وإذ تفاقم هـذا الوضع إلـى مشكلات مستفحلة وأزمــات حــادة ومـتـجـددة،وحــروب مـسـتـمـرة أدت إلـى وفــاة الـمـلايـيـن وتـدمـيـرالـبـنـيـة التحتية وتعطلت التنمية،كما إلى النزوح واللجوء والهجرة وتفكك النسيج الاجتماعي مصحوبا بتدهور الاقـتـصـاد وزيـادة الفقر والـمـعـانـاة؛ وإذ لـمتحقق كـل الاتفاقيات السابقة الاسـتـقـرار والسلام الـمـسـتـدامـيـن؛فـإن هـذه الـوثـيـقـة تسعى إلـى مخاطبة جـوهـرأزمـة الـدولـة الـسـودانـيـة وتـحـاول معالجة جذورالمشكل السوداني من خلال التركيزعلى المبادئ والقيم والمعاييرالتي تؤسس لبناء دولة العدل والحرية والمساواة وسيادة القانون والمواطنة والديمقراطية والحكم الرشيد، دولة مستقرة ومتماسكة تملك أسباب النهضة الشاملة.

ثانيا: هويـةالدولةالسودانية

١ – السودان دولةإسلامية – أفريقية – عربية

«إسلامية» أولا لأن أكثرمن ٩٨ بالمئة من السكان يدينون بالإسلام؛ ثم أفريقية: «أفريقية» بالمدلول الثقافي/الحضاري كمكون أساسي لمرتكزات الهوية السودانوية (Sudanism (وليس بالمعنى الجغرافي؛ ثم «عربي» اللسان. فالسودان في المتوسط العام هو أفريقي الملامح، عربي اللسان، إسلامي المعتقد، وعربي/أفريقي الدم: with, features African of are We (an Arab tongue, Afro/Arab blood with a majority Muslims) مع تأكيد احترام الأقليات والأديان الأخرى من حيث التشريع وحقوق المواطنة الكاملة.

يجب أن يشير الدستور المقبل إلـى التعددية في الـسـودان بالصيغة التالية: «الاعتراف بأن السودان دولة متعددة الإثنيات (ethnic-Multi ﴾وتلتزمالنخبة السياسية الحاكمة بحسن إدارة التنوع بعدالة تامة بما يحقق الاندماج الوطني والتكامل القومي بما يجعل من السودان «بوتقة انصهار» (Pot Melting A (تذوب فيها كل الهويات الصغرى في هوية وطنية/جامعة/ كـبـرى،» تختفي فـيـهـا الانـتـمـاءات والــولاءات الـضـيـقـة ويـتـحـقـق مجتمع مـتـعـدد لـكـنـه متماسك ومتجانس.(A Pluralistic But Coherent and Homogeneous Society)

٢ – المواطنـة:

يـتـسـاوى الـجـمـيـع أمــام الـقـانـون والـحـقـوق والـواجـبـات والـفـرص (الـتـعـلـيـم، الـتـوظـيـف،

والخدمات) والحقوق السياسية والمدنية كافة.

أ – الحريـات:

ينص في الدستورالمقبل على أن الحريات مكفولة لجميع المواطنين من دون تمييزعلى أي أساس (كما في البند ب). على أن تتناول القوانين تفاصيل هذه الحريات، ويشمل ذلك:

  • يتمتع المواطن بحرية العقيدة والفكروالتملك والعمل والتنقل والنشروالتعبيروالتجمع والتظاهر،وحرية البحث الأكاديمي؛
  • لا يتم اعتقال أي شخص اعتقالا سياسيا تحفظيا من دون توجيه تهمة محددة له وفق مـادة قانونية تبرر ذلك وأن لا يتعرض لتعذيب في المعتقل، وأن يتم تقديمه لمحاكمة عادلة فورا؛
  • تتمتع الصحافة بالحرية الكاملة بأن تكون الصحف مستقلة وحرة،وألا تتعرض الصحف للمصادرة والإيـقـاف إلا في الحالة التي يحددها القانون العام (مثل حـالات القذف وإشانة السمعة أوما يمس الأمن الوطني أويزرع الفتنة ويمس السلام الاجتماعي)؛مع ضبط الحرية بالمسؤولية الاجتماعية،وألا يتم اعتقال صحفي إلا بعد توجيه اتهام محدد له وفق الإجراءات القانونية؛
  • حرية العمل النقابي والتنظيمات والاتحادات: تكون الحرية مكفولة لجميع التنظيمات والاتحادات المهنية والفئوية والجماهيرية (منظمات المجتمع المدني كافة) بأن تكون مستقلة عن أي تدخل من الحكومة أومحاولة لتسييسها أواختراقها أوالتأثيرفيها أوعلى تكوينها أو إعاقة نشاطها،وأن تكون حرة في اختيارعضويتها وقياداتها في الانتخابات الحرة والنزيهة؛
  • الأحـزاب السياسية: تتمتع بكلما جاء في الفقرات الخاصة بحرية منظمات المجتمع الـمـدنـي والاتــحــادات،وأن تـتـمـتـع بـحـريـة الـنـشـاط الـسـيـاسـي بـأشـكـالـه كـافـة (تـنـظـيـم لـقـاءات

جـمـاهـيـريـة، حـشـود، نــدوات،مـؤتـمـرات، نـشـر بـيـانـات، إصــدار صـحـف،مـجـلات،مـطـبـوعـات،

امتلاك قنوات فضائية وإذاعـيـة…) وأن تتمتع كل الأحـزاب بفرص متساوية في أجهزة إعلام الدولة وفرص التعبئة والدعاية في موسم الانتخابات؛

  • أن يـتـم ذلـك مـقـروءا بـمـا جـاء فـي الـفـصـل الأول فـي وثـيـقـة الـدوحـة (حـقـوق الإنـسـان

والحريات الأساسية) وما جاء في المبادئ الأساسية (المادة ١/٦ (في اتفاقية نيفاشا للسلام،

وما جاء في الباب الثاني (وثيقة الحقوق) في دستورالسودان الانتقالي لعام٢٠٠٥.

ب – تحريم التمييـز بين المواطنين على أسـاس الدين أو اللون أو اللغة أو القبيلة أو العرق (الإثنية) أو الجهة (الجهوية).

ج – سـن قوانين رادعـة لكل مــن يشتم أو يـسـيء إلـى شخص بـاسـم قبيلته أو عنصره أو جهته.

د – إلغاء ومنع كتابة اسـم القبيلة فـي اسـتـمـارات التقديم لطلب الـخـدمـة أو الوظيفة في المجالات والمؤسسات الرسمية (القطاعين العام والخاص)؛ويتم الاختيار للوظائف على أسـاس المؤهلات (الشهادات الأكاديمية) والـقـدرات، ويتم الإعـلان عن الوظائف في وسائل

الإعلام،وتتم اختبارات ومعاينات تتسم بالعدالة والشفافية؛وأن لا يتم فصل موظف أو عامل  فـصـلا تعسفيا – أو لأسـبـاب سـيـاسـيـة – إلا إذا ارتـكـب مـا يستوجب ذلـك وفـق قـوانـيـن الخدمة المدنية ولوائح العمل في السودان.

هـ – أن تؤدي لجنة الاختيار للخدمة العامة المركزية، ولجان الاختيار للخدمة العامة القسم لكل مـن: الكلية الحربية، وكلية الشرطة بالولايات؛ وكذلك لجان المعاينات والاختيار  وجـهـاز الأمــن والـمـخـابـرات الـوطـنـي،ووزارة الـخـارجـيـة، بـمـا يـضـمـن نـزاهـة وأمـانـة وحـيـاديـة الاختيار، وتاليا يضمن عدالة التعيين وقومية التكوين.

و – تحريم الواسطة والمحسوبية والـرشـوة، مـع سـن قـوانـيـن رادعــة لكل مــن يستغل وظيفته أو نفوذه في تعيين شخص في وظيفة عامة لا يملك المؤهلات المطلوبة لشغلها على أن تشمل العقوبة إلغاء التعيين وإقالة مـن توسـط لتعيين الذي استفاد من الواسطة.

ز – إقرار مبدأ «سيادة حكم القانون» بأن يتساوى الجميع أمام القانون ورفع الحصانة تـهم بالفساد مع تقديمه عن أي مسؤول يرتكب جريمة تمس الشرف والأمـانـة والأخـلاق، أو يتـهم بالفساد مع تقديمه للمحاكمة مع نشر العقوبة في وسائل الإعلام وضمان تنفيذها.

ح – تطبيق الفدرالية الحقيقية (أو الكاملة) بحيث يتم اختيار والـي الولاية بالانتخاب الحـر المباشر من شعب الولاية وكذلك كل عضوية مجلس تشريعي الولاية؛وأن يكون لكل ولاية دستورها الذي لا يتعارض مع الدستور الاتحادي (الفدرالي).

ط – تتم قسمة الموارد بين الـولايـات بـصـورة عادلة وبشفافية مـن خـلال آليةُ تخصص لذلك (مثل مفوضية تخصيص الـمـوارد) على أن تمثل فيها كل الـولايـات، وتتم قسمة الموارد علـى حـسـب حـجـم سـكـان الـولايـة، ً مـقـرونـا ب « التميــز الإيـجـابـي»؛مـع تخصيص ٤٠ بالمئة من الوظائف في الولاية لأبناء الولاية المعنية ( يستْثنى من ذلك ولاية الخرطوم) إلا إذا تعذر توافر كـفـاءات فـي مـجـال معين مثل الـطـب أو أي تخصص نـادر آخـر. هـذه السياسة يمكن أن تقلل الهجرة من الريف إلى المدن.

 (١ ﴾يرتبط بما جاء في البند (ط) إقـرار مبدأ «التمييز الإيجابي» بحيث توجـه مشاريع  بدرجة أكبر للولايات الأقل  نموا على أن يتم التقييم وترتيب الولايات على يد لجنة من الخبراء والمختصين تمثل فيها كل الولايات بصفة مراقبين، مع الاستعانة بخبراء من الأمـم المتحدة لتقديم العون الفني على طريقة (بعثة التقييم المشتركة JAM﴾؛ مع وضـع خطة استراتيجية لذلك تحدد بسقف زمني (١٠ سنوات ً مثلا) لإلحاق المناطق الأقل ً نموا بالأخريات بحيث ينتهي التمييز الإيـجـابـي، ثـم تستمر قسمة الـمـوارد على أسـاس حجم الـسـكـان ومعايير أخـرى يتفق عليها؛ويتم توزيع الفصل الثالث الخاص بالتنمية على أساس هذا التمييز الإيجابي، ثم – بعد عشر سنوات – تستمر قسمة السلطة والثروة بعدالة مستدامة ً وفقا للمعادلة التي يقرها نظام الديمقراطية التوافقية والفدرالية الحقيقية مقرونا بما جاء في البندين (ح) و(ط).

(٢ ﴾يـسـبـق عملية التمييز الإيـجـابـي «بـرنـامـج إسـعـافـي» يـسـاهـم فـيـه الـمـانـحـون والــدول الصديقة وصناديق الأمم المتحدة،وذلك في مجالات الصحة والمياه والتعليم وإعادة الإعمار في المناطق: المتأثرة بالحرب؛والمناطق الأقل ً نموا. يتموضع تقييم من اللجنة الفنية (JAM﴾ وتصميم مصفوفة تحدد الـمـدى الزمني ونـوع وحجم المشروعات وحجم التمويل ومصادر التمويل وتقديمها للمانحين ولصناديق الأمم المتحدة والصناديق العربية.

ي – المحافظة على استقلال القضاء وحياديته ونزاهته.

ك – حـمـايـة اسـتـقـلال الـجـامـعـات وكـفـالـة حـريـة الـبـحـث الـعـلـمـي؛واخـتـيـار لـلـوظـائـف في

الجامعات بالانتخابات مع استصحاب الدرجة العلمية والأقدمية (أي ترشيح أصحاب الدرجات العلمية الأعلى)،وتشمل الوظائف: مدير الجامعة، نائب مدير الجامعة، أمين الشؤون العلمية،  عمداء الكليات ورؤساء الأقسام.

ل – مراجعة هيكل وحجم مؤسسات الحكم الاتحادي على أن يتم إنشاء المحليات على أساس جغرافي/إداري وإزالة المفارقات في ذلك (ففي الخرطوم – الأكبر ً سكانا – ٧محليات فـقـط، بينما فـي ولايـة أخـرى ٢٧٧مـحـلـيـة!)؛ومـراجـعـة قـوانـيـن الأراضــي والاسـتـثـمـار بـمـا يحقق العدالة بين العاصمة والولايات.

م – المحافظة على قومية القوات النظامية (الجيش، الشرطة والأمن) ً بدءا من الشفافية والعدالة في عملية القبول للكليات التي تغذي هذه المؤسسات ( ً مقرونا بما جاء في المادتين (د) و(هـ) من هذه الوثيقة).

ن – الالـتـزام بحيادية الخدمة المدنية وعـدم تسييسها أو عـدم التدخل السياسي في الجهاز البيروقراطي للدولة حتى منصب الوكيل،على أن تخضع عملية شغل الحقائب الوزارية بالطريقة الـتـي تقترحها هـذه الوثيقة فـي مـكـان آخـر؛ وأن لا تحتكر إثنية – أو أقلية أو عدد محدود من الإثنيات أومنطقة معينة أو ولاية – المناصب في الدولة،ويتم التعيين في الوظيفة العامة على أساس المؤهلات والكفاءة والقدرات.

س – محاكمة كـل مـن تـم اتهامه بالفساد وأن يـتـم ذلـك بـصـورة واضـحـة لـلـرأي الـعـام حـيـث إن  كـثـيـرا مـن الـتـحـقـيـقـات تـمـت ولـم يـحـاسـب أي مـسـؤول تـعـدى عـلـى الـمـال الـعـام،مع استرداد أموال الشعب ومصادرتها لمصلحة الخزينة العامة حتى ولو كانت في شكل أصول أو استثمارات مختلفة. هذه المحاكمات مهمة جدا لاسترداد الثقة في جدية الحكومة في محاربة الفساد ولا يكفي الاعتراف بالفساد أو تكوين مفوضية له بينما لا تتم إجـراءات حقيقية على الأرض.

ع – إعادة الهيبة للإدارة الأهلية بإعادة سلطاتها والابتعاد عن تسييسها والاعتراف بها كمؤسسة تقليدية ضابطة للنظام الاجتماعي في عدة مناطق في السودان،والاستعانة بها في عملية بناء السلام، وأن ُتترك تلك المجتمعات لقانون التطور الطبيعي بحيث يتم التدخل من خلال التعليم والتوعية بحيث تنحسر تدريجيا وتنتهي  تلقائيا من خلال عملية دمج المجتمع في منظومة المجتمع المدني ومؤسسات الحداثة المختلفة.

ف – إعادة هيبة الدولة من خلال:

* حيادية الحكومة في التعامل مع كل المجموعات العرقية (الإثنيات) والقبائل؛

 * إلغاء كل المليشيات والقوى الموازية للقوات النظامية الرسمية للدولة،واعتماد القوات المسلحة بـأنـهـا الـمـسـؤولـة وحـدهـا عـن حـفـظ الأمـن الـخـارجـي وحـمـايـة الـدولـة مـن الـمـهـددات والمخاطر الداخلية والخارجية؛

* جمـع السلاح.

ص – اعـتـمـاد نـظـام «الـديـمـقـراطـيـة الـتـوافـقـيـة» الــذي نـجـح فــي تـحـقـيـق الاسـتـقـرار للمجتمعات المنقسمة (سوف يتم تفصيل ذلك في مذكرة تفسيرية مكملة لهذه الوثيقة).

ق – اعتماد نظام «التمثيل النسبي» (Representation Proportional (وهـو آلية تعزز فرص نجاح الديمقراطية التوافقية. كما أن هذا النظام (الديمقراطية التوافقية مقرونا بنظام التمثيل النسبي) يضمن إشراك كل ِ القوى والأقليات  ويمكنها من المشاركة – عبر ممثليها – في وضـع السياسات وصناعة الـقـرارات الرئيسية والمهمة فـي الـدولـة، إضـافـة إلـى المشاركة في عملية الرقابة والمحاسبة والتشريع وفي كل جوانب العملية السياسية.

ر – اعـتـمـاد الـنـظـام الـبـرلـمـانـي – بـنـظـام الـبـرلـمـان بـالـغـرفـة الــواحــدة cameral-Uni ﴾

(System أو النظام المختلط. وهذا يعني إلغاء «مجلس الولايات» في الحالتين.

ش – مع وجود رئيس وزراء منتخب من البرلمان يتم استحداث مجلس رئاسي خماسي تَمَّثل فيه الأقاليم الخمسة (دارفـور وكـردفـان والأوسـط والشرق والشمالية)   يتم انتخابه من كلية انتخابية من البرلمان المنتخب،على أن ترأسه شخصية قومية محايدة يتمتع بالحد الأدنى  من القبول لدى القوى السياسية الرئيسية في السودان أو أن تكون فيه الرئاسة بالتناوب، أي عام لكل ممثل إقليم. المقصود منه أن يجسد رمزية السيادة ويحقق التوازن ويعبر عن الوحدة الوطنية.

ت – تستعين اللجنة القومية لصياغة مشروع الدستور بـ لجنة فنية من العلماء والخبراء فـي ثـلاثـة مـجـالات:

(أ) الـقـانـون: (الـقـانـون الـدسـتـوري)؛

(ب) الـعـلـوم السياسية (نـظـم الحكم والإدارة العامة)؛

(ج) الاقتصاد: (الفدرالية المالية وتخصيص الموارد).

تتكون اللجنة من ١٠ أشخاص (ثلاثة من كل مجال) ويرأسها خبير وطني (تكنوقراطي محايد) مهمتها تزويد اللجنة القومية للدستور الـقـادم بـدراسـة علمية للاسترشاد بها فـي صياغة الـدسـتـور. تستفيد اللجنة من أخطاء وتـجـارب الماضي في الـسـودان، وتنظر إلـى تجارب الـدول ذات التعددية العرقية والطائفية والقوميات لتستفيد من تجربة تلك الدول التي حققت استقرارا وانسجاما رغم تعدد العرقيات (الإثنيات) ورغم تعرض بعضها لنزاعات وحروب أهلية. من أمثلة ذلك دراسة تجربة الديمقراطية التوافقية في لبنان: كيف استطاع أن يتجاوز الحرب الأهلية في سبعينيات القرن العشرين ووصل إلى معادلة تقسيم السلطة بين (المسيحيين والسنة والشيعة). وكذلك ماليزيا: من حيث كيفية استطاعتها أن تبني دولـة مستقرة من ثـلاث قوميات هي الملاويين والهنود والصينيين تحت هوية واحدة ومظلة دولة إسلامية (يشكل المسلمون فيها٦٠بالمئة). وكذلك تجربة روانــدا: كيف استطاعت أن تحقق التعايش السلمي بعد حـرب أهلية هـي الأعـنـف في القرن العشرين (بين الهوتو والتوتس) تمت فيها إبادة جماعية لأكثر من نصف مليون شخص. كما تتخذ اللجنة القومية للدستور من دستور السودان الانتقالي لعام٢٠٠٥،ومسودة مشروع دستور السودان الذي أعدته جامعة النيلين،ومبادرة جامعة الخرطوم كمرجعيات لها.

ث – تـعـزيـزا لعملية الانـدمـاج الوطني والتكامل القومي لبناء الهوية الوطنية الجامعة تقترح خارطة الطريق وضع سياسات وبناء مؤسسات لتشكل قنوات داعمة لهذه العملية. ومن أمثلة ذلك:

– تأسيس مـدارس ثانوية قومية – على غـرار (خورطقت وحنتوب ووادي سيدنا) بواقع واحدة في كل عاصمة ولاية على أن يتم القبول فيها من كل أنحاء السودان وبنظام الداخليات لإعداد جيل متفاعل  متسام على الجهوية والعنصرية،مع اختيارأفضل المعلمين لهذه المدارس وتدريبهم على رسالة هذه المدارس ِ لتشكل  رافدا لـ «بوتقة الانصهار».

– إعـادة النظر في مناهج التعليم بحيث يتضمن مادة للتربية الوطنية تركز على غرس قيم  المواطنة المتسامية على القبلية والعنصرية والمتعالية على الانتماءات الضيقة،مع تدريب المعلمين، وكذلك الدعاة والـوعـاظ وأئمة المساجد على توعية الموطنين باستمرار على نبذ العصبية القبلية والجهوية باعتبار أن محاربة القبلية قيمة إسلامية وحضارية.

– الاستعانة بوسائل الإعـلام في تنفيذ برامج متكاملة، تعزز هـذا التوجه القومي لبناء الهوية السودانية الكبرى/الجامعة (Sudanism-Pan﴾؛

– السعي إلى إرساء قيم جديدة وتقاليد تؤسس لثقافة سياسية عبر تنشئة سياسية تشارك فيها كل مؤسسات وأدوات التنشئة وفق برامج محددة في الإعلام والتربية والوعظ والإرشاد، مع تدريب الـكـوادر المنوط بها تنفيذ هـذه البرامج (صحفيين، معلمين، إعلاميين، تربويين ودعاة ووعاظ وأئمة مساجد…)؛

– لضمان تنفيذ عملية التنشئة السياسية والتربية الوطنية (لبناء المواطن الواعي الذي يتسامى فوق العنصرية والقبلية،مواطن يتقبل الآخر ويؤمن بالتداول السلمي للسلطة) وتنفيذ برامجها تقترح الوثيقة أن يكون لـلـوزارات المعنية (مثل الإعـلام والثقافة والتربية والتعليم العام والتعليم العالي، والـشـؤون الدينية والأوقـاف) مجالس استشارية من العلماء والخبراء المختصين في المجال.

خ – يكمل الرئيس عمر البشير دورتـه الحالية على أن تشكل حكومة انتقالية لعام واحـد (أو عامين) لوضع دستور جديد وقانون للانتخابات.

ذ – تتشكل الحكومة الانتقالية من آخـر خمسة أحـزاب كانت فائزة في آخـر انتخابات ديمقراطية (عـام١٩٨٦ ﴾وبحسب نسبة الأصـوات التي كان قد حصل عليها كل حزب في آخر انـتـخـابـات برلمانية قـبـل حـكـومـة البشير الـحـالـيـة، وتـقـتـرح الـخـارطـة أن تـخـتـار هـذه الأحـزاب الخمسة رئـيـسـا للفترة الانـتـقـالـيـة، عـلـى أن يـتـم تشكيل مجلس وزراء مـن تـكـنـوقـراط (حكومة كفاءات) ُوتوزع الحقائب الوزارية بين هذه الأحزاب بحسب ثقلها الانتخابي (السابق) وتدعو الخارطة الأحزاب التي انشقت أن تعيد توحيد نفسها لتسهيل تطبيق هذا المقترح المهم.

ض – بعد توقيع اتفاق السلام تلتـزم الحكومة السودانية بعملية تصفية المليشيات يقابل ذلـك الـتـزام مـن الـحـركـات المسلحة بتسليم أسلحتها على أن تعمل الحكومة ً فـورا على دمج عناصر هـذه الـحـركـات فـي الـقـوات النظامية المختلفة، مـع استصحاب الفصل الـسـادس من (وثيقة الدوحة) للاتفاق حول وقف إطـلاق النار والترتيبات الأمنية، إضافة إلى المادة (٧٠ ﴾ من تلك الوثيقة في ما يخص إجراءات الدمج. ويمكن الاستفادة من تجربة جنوب أفريقيا في «الحقيقة والمصالحة».

ثالثا: الولايات المتأثرة بالحرب والمضطربة والأقل نمـوا

١ – في ما يخص إقليم دارفور

ينطبق عليها ما جاء في هذه الخطة أعـلاه. إضافة إلى متابعة تنفيذ وثيقة الدوحة مع إعـادة هيكلة السلطة الانتقالية بحيث يتم استيعاب الـذيـن يـوقـعـون  سـلامـا  شـامـلا وفـق هذه الخطة بعد الـتـفـاوض حولها (خـارطـة الـطـريـق) وإدخـال التعديلات الـلازمـة الـتـي يتفق عليها الطرفان.

٢ – مراجعة شاملة لاتفاقية الدوحة

بحيث يتم استيعابها في خارطة الطريق تمهيدا لاستيعاب روح الوثيقة (وكذلك القيم والمبادئ والمعايير ونظام الحكم التي وردت في هذه الخارطة) في الدستور المقبل.

٣ – التفاوض للوصول إلى الوفاق في التفاوض الذي سوف يتم على أساس هذه الوثيقة (خارطة الطريق) تطرح الجبهة الـثـوريـة رؤيتها لمعرفة تحفظاتها حـول وثيقة الـدوحـة، وتـجـاوز ذلـك عبر الـحـوار والتفاوض للوصول إلى موقف وفاقي (Compromise﴾.

٤ – وثيقة الدوحة جيدة وتخص إقليم دارفور

التأكيد أن وثيقة الدوحة جيدة،من حيث المبدأ، لكن الدوحة تخص  إقليما واحدا وليس كل الـسـودان، وأنها مرتبطة بـأزمـة، أزمـة دارفـور. أمـا هـذه الخارطة، فهي تهدف إلـى صياغة رؤيـة استراتيجية وتـضـع الأسـس لبناء دولـة متماسكة ومـسـتـقـرة، وهـي رؤيـة لتشكيل مستقبل جديد للسودان.

٥ – استفادة الولايات المتأثرة بالحرب من مبدأ «التمييز الإيجابي»

بالنسبة إلـى ولايـتـي جنوب كـردفـان  و النيل الأزرق وولايـة غـرب كـردفـان والـشـرق : تعامل على أنها ولايات متأثرة بالحرب و مضطربة وأكثر تخلفا. وتبعا لذلك تستفيد من مبدأ «التمييز الإيجابي» وذلك بوضع الأولوية بتنفيذ البندين (١٢ ﴾و(١٣ ﴾من هذه الوثيقة، مع استصحاب الفصل الثالث (قسمة الثروة) من وثيقة الدوحة.

٦ – مصير المشورة الشعبية

بالنسبة إلـى ولايـتـي جنوب كـردفـان والنيل الأزرق يتم الـتـفـاوض حـول مصير «المشورة الشعبية» وتقييمها: إمـا بتعديلها وتفعيلها وتطبيقها؛ أو اعـتـبـار أن الـزمـن قـد تـجـاوزهـا ويتم التركيز على مـا جـاء فـي هـذه الوثيقة مـن حـل شامل لكل الـسـودان مـع استفادتها مـن سياسة  التمييز الإيجابي الذي تقترح هذه الوثيقة تطبيقه في خلال عشر سنوات ابتداء من أول سنة لأول حكومة منتخبة.

٧ – بالنسبة إلى ولاية غرب كردفان

تـرى هـذه الـوثـيـقـة الالـتـزام بتنفيذ مـا جـاء فـي اتـفـاقـيـة نـيـفـاشـا بتخصيص ٢بـالـمـئـةمن عـائـدات النفط للولاية مـع دفـع التعويضات والـمـتـأخـرات بأثر رجعي بعد مراجعة الحسابات الخاصة بذلك وفق ما استلمته هيئة تنمية غرب كردفان (السابقة)،واعتبار اللجنة التي شكلها رئيس الجمهورية (٢٧/٣/٢٠١٤ ﴾كآلية لتنفيذ مشروعات التنمية والنهضة بالولاية على أن يلحق بعضويتها ممثلون من الولاية وبخاصة أبناء المسيرية. كذلك يتم توجيه المتأخرات الخاصة بـهـذه الـولايـة لـدعـم الـمـشـروعـات الـخـدمـيـة فـي مـجـالات الـصـحـة والـمـيـاه والـتـعـلـيـم والـكـهـربـاء والطرق.

٨ – كل الولايات المذكورة في البند (ض)

والمتأثرة بـدورهـا بالحرب والـولايـات الأقـل نموا سـوف تستفيد من التحول الـذي سوف تحققه هـذه الخطة: حيث إن فلسفة هـذه الوثيقة تقوم على أن وقـف الـحـرب هـو أول خطوة في عملية بناء السلام بكل مكوناتها (فض الصراع، اتفاق السلام، العدالة والمصالحة، العدالة الانتقالية، نشر ثقافة الـسـلام) وهـي تشكل البنية التحتية ومنصة لانـطـلاق النهضة الشاملة والتنمية العادلة لكل ولايات السودان.

٩ – اعتبار هذه الوثيقة هي إطارية

يـلـتـقـي عـلـى أســاس هــذه الـوثـيـقـة الـطـرفـان (الـحـكـومـة والـحـركـات الـمـسـلـحـة) لـلـتـفـاوض

والاتفاق على وقف إطلاق النار، كما يمكن أن تشكل ً منهجا لآلية الحوار الوطني في الداخل (بين الحكومة والأحزاب السياسية كافة) .

المصدر: المجلة العربية للعلوم السياسية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(*) يقدم البروفسور عبده مختار موسى هذه المبادرة بصفة «أكاديمي محـايـد».

(**)  أستاذ العلوم السياسية ومدير معهـد البحوث والدراسات الاستراتيجية، جامعة أمدرمان الإسلامية، الخرطوم – السودان البريدالإلكتروني :      drmukhtar60@gamil.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق