السودانرأي

السودان والدور الإقليمي

 

 

 

 

كنتُ من قديم أتوق إلى اليوم الذي يعود فيه السودان حضناً دافئاً لمحيطه العربي والأفريقي، ولذلك سعدتُ كثيراً لانعقاد مؤتمر رؤساء القضاء والمحاكم العليا الأفريقية بالخرطوم، وكذلك التئام ورشة لجنة أجهزة الأمن والمخابرات الأفريقية في عاصمتنا القومية، وقبل ذلك احتضان بلادنا لاتحاد الأحزاب الأفريقية… تلك كانت نماذج طيبة لانطلاقة السودان في محيطه الأفريقي.

في محيطه العربي خرج السودان إلى اليمن لينضم إلى الدرع العربي لمواجهة التمدّد الشيعي الفارسي، وها هي المناورات الجوية السودانية السعودية تنطلق في سماء مروي، وبعدها ستنتقل ذات المناورات إلى أجواء أرض الحرمين الشريفين لتوجه رسالة إلى المتربصين بأمننا القومي العربي وبمقدساتنا أن السودان لن يبخل على محيطه العربي بكل غالٍ ونفيس.

ما يحدُث هذه الأيام من تعافٍ للسودان يذكرني بأيام خوالٍ كانت الخرطوم خلالها تلم شعث العرب وتعيد إليهم الثقة والأمل بعد الانكسار والهزيمة التي لحقت بهم من دولة الكيان الصهيوني في يونيو حزيران 1967، حين اجتمع العرب في قمة اللاءات الثلاثة التي أبرمت صلحاً تاريخياً بين العاهل السعودي الملك فيصل والرئيس المصري جمال عبد الناصر .

مرّت على السودان سنوات كالحات اعتصرنا خلالها ألم ممض فقد كان الصغار الذين صنعناهم بأيدينا يتدخلون في شؤوننا، فالحمد لله الذي أبدل عسرنا يسراً وخوفنا أمناً ونسأله أن يزيدنا من فضله وبركاته وتوفيقه.

لا أقول ذلك لأننا بلغنا المثال الذي نرجوه لبلادنا، فوالله نحن لا نزال بعيدين عما نرجوه لوطننا العزيز سيما وأننا نعلم عن عوار وفقر ومعاناة وإخفاقات وفتوق كثيرة لا تزال ترجُّ بلادنا رجَّاً نرجو أن ترتق وتضمد وتعالج من خلال المخرجات التي نطمع في أن تقود خطانا نحو مستقبل زاهر، ولكنا فقط نعقد المقارنة بين حال كنا نعاني منه أكثر بؤساً مما نحن عليه اليوم فقد رُفع الحصار الأمريكي الجائر الذي لطالما أقعدنا وتراجعت رحى الحرب التي أرهقت كاهلنا ردحاً من الزمان وشغل الله بعض أعدائنا بأنفسهم ونكّل ببعض شياطين الأنس من لوردات الحرب وفرَّق جمعهم وشتت شملَهم وفتح علينا خيرات الجوار الأفريقي والعربي مما منحنا تعاوناً واحتراماً ومكانة وعزاً .

كانت إسرائيل مصيبة حين اعترف وزير أمنها آفي ديختر بأن السودان بإمكاناته الوفيرة من شأنه أن يكون ذا تأثير على محيطه الإقليمي إن لم يُعوَّق بالعراقيل والمتاريس التي تحدّ من انطلاقه، ولا غرو أن تكيد إسرائيل للسودان منذ سنوات نشأتها الأولى فتدعم حركة (أنيانيا ون) بالسلاح منذ ستينات القرن الماضي، وتشعل التمرد الأول في جنوب السودان مما اعترف به المتمرد جوزيف لاقو ورجالات الموساد الإسرائيلي جهاراً نهارًا بأحاديث موثقة.

السودان ليس مؤهلاً بإمكاناته المادية التي ظلت منظمة الأغذية والزراعة العالمية (الفاو) تُعيد التذكير بها سنوياً بأنه واحد من أكبر خمس دول مؤهلة لتوفير الطعام للعالم إنما بإمكاناته البشرية، فلطالما تغنّت دول العالم وإنسانها خاصة العربية بتفرُّد (الزول) السوداني وتميُّزه وهو أمر ينبغي أن نسعى على الدوام لاستدامته من خلال مناهجنا التعليمية وكذلك باستخدام مختلف وسائل التأثير والتربية الوطنية.

إنني لأدعو إلى التفريق بين الانتماء للوطن والانتماءات الأخرى الصغيرة سواء كانت شخصية أو حزبية، فذلك ما سبقتنا إليه دول كثيرة قطعت أشواطاً طويلة في دروب التحضر والتربية الوطنية وأجدني مشفقاً على الذين لا يعجبهم العجب (ولا الصيام في رجب) كما يقول المثل السائر المعبّر عن الإنسان (القرفان) من كل شيء – لا يحمد ولا يشكر حتى لو تنزّلت عليه المن والسلوى. لسنا والله راضين عن حالنا فلا نزال نحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية كثيرة حتى نضع السودان في المكان اللائق به بين دول العالم وندعو الحكومة صاحبة المسؤولية الأكبر إلى تحمل دورها الوطني بجد وعزم حتى تصلح ما تخرّب وتنجز ما وعدت به في سبيل الانتقال إلى مربع جديد ينعم السودان فيه بتوافق وطني شامل بين جميع مكوناته يستدبر الحرب ويحقق لبلادنا ما نرجوه لها من سلام وتقدم وازدهار وعزة.

الطيب مصطفى

المصدر : سودانيز أون لاين،2017/04/06

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق