السودانرأي

العقوبات الأمريكية على السودان، حان رفعها!

 

 

إذا كانت إثارة مسألة الحضارة النوبية العريقة في الفترة الأخيرة قد وجدت الاهتمام الذي يليق بعظم الحدث ووحدت السودانيين وأوقدت أفئدتهم وجمعت مواقفهم وردود أفعالهم على صعيد واحد، بغض النظر عن الولاءات السياسية وجعلت أصواتهم عالية متناغماً دفاعاً عن تلك الحضارة الضاربة في عمق وجذور التاريخ، فإن مسألة رفع العقوبات الامريكية عن السودان لا تختلف كثيراً عن تلك المسألة في تقديري، بل هي كَذَلِك مدعاة للتوحد والتعاضد ونبذ الخلافات الحزبية والمذهبية وغيرها، ومن ثم الوقوف صفاً واحداً من أجل تكريس الجهود نحو المبتغى والمناداة بصوت جهيّر أن حان وقت رفع العقوبات الأمريكية وفك الحصار عنا كشعب قبل الدولة والحكومة، وأن الف مرحباً بأمريكا كدولة صديقة للسودان، وهيا بِنَا نتعايش كشعوب محبة للخير والفضيلة والجمال، وقد دنا الوقت أن ننهل كشعب سوداني من التقدم العلمي الامريكي، ونقول للشعب الامريكي ها هي ارضنا وزرعنا وموادنا الخام وخيرات ما في ظاهر الارض وباطنها من ذهب اسود وأصفر فاقع لونه يسر الناظرين، وهذه اسواقنا المتعطشة للتكنلوجيا الامريكية وكل ما هو جديد، فهيا لنتبادل ما ينفع الناس.

وأقول أيضاً لأخوتي السودانيين بكافة اطيافهم ان هذا المقال بعيد كل البعد عن الجانب السياسي والاستقطاب الحاد الذي امتد أثره لكل مناحي الحياة في السودان، فهذه دعوة للتحلل عن الانتماءات وجعل مسألة رفع العقوبات الامريكية عن السودان وبصورة كلية في غضون الشهور القادمة هدفاً وطنياً تتلاقى عنده تطلعات كل السودانيين بمختلف ميولهم، كهدف مستحق يرنو اليه الجميع، حيث يستوي في ذلك الأحباب والاخوة والرفاق، حكومة ومعارضة ومستقلين.

لأن السياق المعنوي لحب الوطن لا يفرق بين الألوان السياسية والانتماءات لأنها هي حالة الحب والعشق التي تنشأ وتبقى مع الانسان ما بقي حياً، فالوطن هو الخير وهو الدفء، والقيمة الإنسانية، فحب الخير للوطن غير مشروط بانتماء سياسي او مذهبي لأنه نابع من القلب وكفى بذلك قولاً. في تقديري المتواضع ان السياسة الامريكية تجاه السودان ظلت على مر الايام وأبد الدهر سياسة ينقصها الكثير من المنطق ومتطلبات الدارسة العلمية العميقة النابعة من الواقع السوداني وغالباً ما تكتفي الولايات المتحدة بآراء ودراسات بعض النخب السودانية او مراكز البحوث الامريكية، التي يفصل بينها وبين واقع الشعب السوداني سياج من الضبابية، التي تحجب الرؤى الواقعية.

فالمتابع للعقوبات الأمريكية وغيرها من الإجراءات أحادية الجانب منذ عهد الرئيس الأسبق جورج بوش وحتى يومنا هذا يلحظ وبكل وضوح عقم وانعزال هذه الإجراءات وان ضررها ظل وعلى الدوام ينصب جله على المواطن البريء أو الانسان المعدم بالأساس.

وبعيداً عن الاشتراطات الامريكية غير مأمونة الجوانب والمآلات فإن الناظر لمسألة رفع العقوبات بعين محايدة، يتمنى كل المني أن ترفع بصورة كلية اليوم قبل الغد. ولقد لمس كل مواطن سوداني بشريات الانفراج الاقتصادي منذ الوهلة الاولى للرفع الجزئي للعقوبات وذلك بعد ان تحسن سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، وشهد استقراراً نسبياً وألجم نهم تجار العملة الذين دفعوا بالجنيه الى مستويات غير مسبوقة.

وما من سوداني الا ويعلم علم اليقين أن حياتنا اليومية مربوطة بالدولار وسعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار، والذي هو هم كل بيت سوداني، ففي صباح كل اليوم يتطلع الناس في شغف لمعرفة الى أين يتجه الدولار لتعلق الأمر بتفاصيل الحياة اليومية من غذاء ودواء وكساء ونقل حركة. فضلاً ارتباط مجمل الاقتصاد بتحسن او تدهور سعر صرف الجنيه السوداني مقابل الدولار الامريكي.

وفِي المقابل فإن العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة الامريكية ليست شر ًا ، بل يجب علينا عدم تجاهل الفوائد التي يمكن أن نجنيها من أقامه علاقات جيدة مع أكبر أقتصاد وأكبر قوة في العالم، ويجب أن تمتد هذه العلاقات الى كافة المجالات المتاحة، لما تتمتع به الولايات المتحدة الامريكية من تقدم علمي وتكنلوجي في جميع المجالات، لا نزعم أننا غير معنيّين بذلك التقدم، ففي الواقع إن الولايات المتحدة الامريكية هي صاحبة أعرق الجامعات التي هي محط أنظار كل العالم وتثير شهوة كل والد غيور ولديه الامكانات اللازمة ان يجد أبناؤه فرصة التعليم فيها، وهي التي فيها أشهر الأطباء وأكبر المستشفيات وأكثرها تجهيزاً والتي يرنو اليها كل مريض ميسور الحال ان يجد حظاً للاستشفاء بها، وبها أكبر المراكز البحثية ومصادر التكنلوجيا الحديثة، وهي مهد الانترنت وقوقل والتكنولوجيا ومايكروسوفت وأبل وإكسون موبيل وولمارت وشيفرون وجنرال إليكتريك وجنرال موتورز وفورد موتوز وسيتي قروب وفيدكس ويو بي اس وسي في أس وغيرها من الشركات والتي تشكل بما مجموعه ٢٧ شركة من جملة أكبر خمسون شركة في العالم! وبها مراكز بحثية ومنظمات حقوقية وتجمعات رياضية نوعية، وقضاء باستطاعته ان يلغي ثلاث أوامر تنفيذية لرئيس الدولة في غضون شهر ونيف.

كما ان الولايات المتحدة الامريكية هي صاحبة نصيب الأسد من جوائز نوبل فحتى العام ٢٠١٤ حصل علماء أمريكان على الجوائز العلمية التالية ٦٦ جائزة في مجال الفيزياء في والكيمياء ٤٩ جائزة وفِي مجال الفيزيولوجيا والطب حصلوا على ٧٠ جائزة نوبل وفِي الاقتصاد ٤٣ جائزة اما في السلام فاحصدوا ١٩ جائزة. وأما عن القوة العسكرية فحدث ولا حرج وقد لا احتاج لشرح ذلك في هذا المقال القصير كما أن القرّاء أنفسهم ليسوا بحاجة لهذه المعلومات البديهية. وللولايات المتحدة الأمريكية غير ذلك من وسائل وأدوات الهيمنة والقوة الماديّة، وللذين يتساءلون لماذا هذه السيطرة المادية والسياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنلوجية، فإن الإجابة هي إن ذلك من تصاريف القدر وهو أمر يعلم سره المولي عز وجل، وهو الذي يضع سره ومظاهر قوته وجبروته حيث يشاء، اما مسألة الجبروت والاستعلاء الأمريكي فيجب علينا ترك ذلك لرب العالمين ليتولى شأنه، اما شأننا نحن مع الأمريكان فيجب أن نوليه ما ينبغي من دبلوماسية وواقعية واهتمام أكبر لمصلحة السودان وشعب السودان.

والأمل يحدونا أن ترفع العقوبات بصورتها النهائية حتى تتحقق الآثار المباشرة وغير المباشرة لرفع العقوبات الاقتصادية والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

1 . الإفراج عن الأرصدة المجمدة بواسطة مكتب الــ  OFAC والذي سيؤدي ذلك حتماً الى انخفاض في العجز في ميزان المدفوعات مما ينعش الاقتصاد الكلي للبلاد. مع تحسن سعر العملة الوطنية تدريجيا حتى الوصول إلى الاستقرار الاقتصادي وتخفيض معدلات التضخم.

2. سوف تزداد حصيلة الصادرات السودانية وزيادة حجم والتجارة البينية، عبر تصدير المنتجات والمواد الخام التي سوف تغزو أسواق العالم بما فيها الأسواق أمريكية بعد زوال المانع القانوني الذي وقف عثرة في طريق التبادل التجاري الحر لسنوات.

3. سوف يجد الاستثمار الأجنبي بِمَا في ذلك الامريكي طريقه الى السودان حيث يهمد ذلك الطريق للتنمية وتزدهر التجارة وتفتح فرص عمل للشباب.

4. تقليل تكلفة الاستيراد من جميع انحاء العالم وسهولة إجراء التحويلات من والى السودان.

5. سيكون بمقدور الشركات السودانية الخرج الى الفضاء الرحب للاقتصاد العالمي، ومن ثم التكامل وبيع وشراء الأسهم والسندات والحصول على القروض الميسرة وتتبادل المنافع.

6. اتاحة فرصة لجدولة الديون الخارجية أو على اقل تقدير الحصول على اعفاءات للديون الخارجية، مع فتح الباب واسعاً لتدفق المساعدات الخارجية.

7. سهولة مرور الأشخاص وحرية مرور البضائع والاموال، وهذا يؤدي الى تشجيع الشركات في مختلف المجالات لدخول السودان. مع إمكانية دخول مؤسسات التمويل الدوليّة في أنشطة إنتاج النفط والذهب والمعادن والزراعة.

وكما بدأت أودّ ان اختم بالقول بأن المعطيات تشير الى أن رفع العقوبات قادم لا محال وان الشعب السوداني قد دفع ما يكفي من ثمن لهذه العقوبات، وان هي رفعت اليوم قبل الغد فإن الشعب السوداني عامة هو من سيجني ثمار ذلك، ويبقى المواطن السوداني البسيط العادي، هو المستفيد الاول، فالفقير هو في حاجة لإلغاء العقوبات الأمريكية على السودان قبل الغني، والمعارضة سوف تجني فوائد ذلك في الحياة اليومية مثلها مثل من هم في السلطة، فالشأن عام وأن الخير ورغد العيش سيكون من نصيب الجميع، ومما لا مندوحة لنا عنه الترحيب بالقرار السابق والقاضي برفع العقوبات جزئياً ويكون طلباً مشروعاً ولا يجافي قواعد العدالة والمنطق إذا طلبنا المزيد، وأعني بالمزيد الرفع الكامل للعقوبات عن كاهل الوطن وندعو الله صادقين بأن يجعل السودان يرفل في رغد العيش والأمن والسلام، انطلاقاً نحو التنمية المستدامة. ومن نافلة القول ومسلمات الأمور أن آثار رفع العقوبات الاقتصادية عن السودان ستكون إيجابية عامة وشاملة وتشجع الحكومة والمعارضة للتوافق والوصول الى نقاط التقاء تذوب عندها الرؤى المتباينة من أجل الوطن وأمنه وسلامته، حتى يتحقق لنا جميعاً استعادة اللُحمة الوطنية، والسلام الذي يفضي الى الاستقرار الاقتصادي والسياسي. وانا على ثقةً في شعبٍ مقدام على العظائم في غير تهوّر، محجامًا عن الصغائر في غير غفلة، ومقدرًا موقع الرجل قبل الخطو، جاعلاً أول الفكر آخر العمل.

محمود ابكر دقدق

المصدر : سودانيز اون لاين، 2017/04/09

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق