رأيمصر

المدّ والجزر فى العلاقات الخارجية الأمريكية المصرية

 

 

كانت الحركه الناصريه تُمثل بالنسبه للشباب دواءً سحريا ناجحا يصلح لكل شىء , وكانت تضم كافه العناصر الفكريه التى تنظر الى “اسرائيل” بوصفها العدو الرئيسى للاِسلام وللبلاد العربيه ولمصر , وكان عبد الناصر يشعل الجماهير بأحلام القوة والعزة التى تحيط بالوحده العربيه , وبروشتة التغيير الإجتماعى , ومن هنا أخذت الجهود تتركز على تجنيد القوى العربية للحرب ضد “اسرائيل”, وعلى ذلك كانت الرؤية واضحة وجليه مفادها أن الصراع مع “اسرائيل” هو صراع وجود وليس صراع حدود وأنها مِخلب أمريكا فى المنطقه العربيه , لذلك صارت القناعه تقرر الواقع, أن من يتماهى مع السياسه الأمريكيه فى المنطقه هو ضد مصالح الأمه العربيه , ومع تكريس الدولة الصهيونيه على أرض فلسطين – سواء كان ذلك عن دراية او تعامي او عن عمالة- وأن الشيطان الأمريكى الصهيونى يمارس شيطنته بمارج من نار يصيب من يقترب منها بِمسِها, حتى ولو كانت على طريق مخاطبة الود ,أو الخضوع والخنوع , لأن اللعب مع الشيطان ليس فيه من الخسارة والندمان اِلا ما يحرق الروح والأبدان.

هكذا صارت كل أنظمه الخليج النفطيه ورسمت سياستها الخارجية على مخاطبة وِد الشيطان الأمريكى الصهيونى ,وغدا كل دبلوماسييها ووزراء خارجيتها فى خدمة وزاره الخارجية الأمريكية والبنتاجون , حتى كاد شرر نيران الشيطان الأمريكى الصهيونى الذى دثرهم بها أن يحرق المنطقة العربية كلها بِدسائسهم وبترودولاراتهم الشيطانيه, وعلى نفس النمط سارت السياسه الخارجيه للأنظمه الملكية فى الاردن والمغرب .

كانت السياسه الخارجية المصرية “فى الدوله الناصرية” تدرك ذلك أَيما اِدراك, وتنظر للاستيطان الصهيونى على أنه صنيعة أمريكا والاستعمار فى المنطقه , وبذلك لايمكن للامبرياليه الأمريكيه أن تسمح لأى كان أن يقطع يدها الطولى فى المنطقه “أسرائيل”, اِلا اِذا هددت المصالح الأمريكية وتوحدت المنطقة العربية ضد سياستها العنصريه , وأن التماهى مع السياسة الأمريكية هو هدف استراتيجى أمريكى صهيونى لتكريس الاستيطان وخلق “اسرائيل” الكبرى لتقود المنطقة العربية , وعلى هذه القاعده , صيغت استراتيجية السياسة الخارجية المصرية , التى ترأسها اثنان من أشهر وزراء الخارجيه العرب والعالم – كان الدكتور \ محمود فوزى مهندس السياسه الخارجية المصرية وباعث عزها ومجدها , وقد صنع بصياغته لميثاق حركه عدم الانحياز ,طريق يهدد المصالح الأمريكيه فى دول العالم الثالث لتضغط عليها وتُشعرها بأن “اسرائيل” ستظل العدو الرئيسى للأمه العربيه ولدول العالم الثالث جمعاء – وكان محمود رياض مهندسا آخر فى السياسة الخارجية المصرية ,الداعمه والداعية الى الوحده العربيه خاصة مع سوريا من أجل إزاله الكيان الصهيونى من أرض فلسطين , وقاد سياسة خارجية فى قلب أفريقيا من أجل محاصرة المد الصهيونى فيها ,وتوج ذلك بقطع العديد من بلدان أفريقيا علاقاتها الدبلوماسيه مع “اسرائيل”, و إزاء هذه السياسه الخارجية-التى لم تراهن ابداً على السياسه الأمريكية فى المنطقه ,وإنما نظرت اليها على أنها سياسة استعمارية ,لاتبغى سوى نهب ثروات الشعوب والسطو عليها وسلب ارادتها – تحررت دول كثيره من ربقة الاستعمار, وصارت حركاتها التحرريه تتماهى مع السياسة المصرية , وتهدد المصالح الأمريكيه الاستعماريه – وحتى حينما قبل جمال عبد الناصر مبادره “روجرز” لوقف اطلاق النار الوقتي على جبهه القناه بين مصر و “اسرائيل” , لم يكن خضوعا للسياسه الأمريكيه ولاثقة فيها ,وأنما كان لخلق الجو المناسب لبناء حائط الصواريخ المصرى , والذى صار عاملا حاسما فى انتصار حرب 1973 ,وخلال كل الخطوات السالفه كانت السياسة الخارجية المصرية والسورية تتماهى مع السياسه الخارجيه للإتحاد السوفيتى السابق , بصفته عدوا لدودا للسياسه الخارجيه الأمريكيه ونشاطها الاستعمارى الإمبريالى .

فى أعقاب هزيمه 1973 , أعلنت جولدا مائير رئيسه وزراء “اسرائيل” أنها تنتظر على التليفون صوت “جمال عبد الناصر” لكى تعيد سيناء الى حضن السيادة المصرية ,على أن تعترف مصر بـ “اسرائيل” وتتخلى عن المطالبه بحق الشعب الفلسطينى على أرضه, وكان جمال عبد الناصر على إدراك ووعى بالحقيقه التى تقول أن من يلعب مع الشيطان لا يأمن من مسه بمارج من نار.

وبعد انتصار 1973 , بدا أن السادات قد رتب سياسته الخارجيه فور توليه السلطة – وهو العميل النائم للأمريكان منذ الستينات – أن 99% من أوراق اللعب فى يد أمريكا , وما كانت الحرب فى مخيلته اِلا لتحريك الماء الراكد كما اوهمه “هنرى كيسنجر” وزير خارجيه أمريكا الأسبق , فلما بدا الإنتصار , وطلب السادات من كيسنجر “المفاوضات” “وقد حُرِكَ الماء الراكد” , كانت مَشُورة كيسنجر أن “اسرائيل” لن تقبل اِلا اذا عبرت غرب قناه السويس – كما عبر المصريين شرقها ,لذا كانت ثغرة الدفرسوار , وهنا فقط تحققت المفاوضات, وما تبعها من زياره القدس وتوقيع اتفاق السلام , التى على أثرها خرجت مصر من معادله الصراع العربى مع “اسرائيل” ,وتغلغل نفوذ “اسرائيل” فى الداخل المصرى لتأتى اُكلها منه بالسلام مالم تحققه الحرب , فانهارت السياسه الخارجيه المصريه واستقال وزير الخارجيه اسماعيل فهمى وتبعه محمد رياض فى الاستقاله ,وفقدت السياسه الخارجيه المصريه استقلالها منذ حكم السادات حتى مبارك واعتمدت على السير فى ركاب الخارجيه الأمريكيه , ومساعدات البنتاجون .

وخلال فتره عام من حكم الإخوان , صارت السياسه الخارجيه المصريه تعمق العماله والخضوع للأمريكان , وتبعا لذلك فرض “اسرائيل” كقوه أقليميه تقود الشرق الأوسط والعالم العربى فى قلبه , وكانت رساله مرسى الرئيس الإخوانى ل”بيريز″رئيس “اسرائيل” , ونداء القيادى الإخوانى عصام العريان لليهود بالعودة الى مصر مع تعويضهم عن ممتلكاتهم .

ومع ثورة 30\6\2013 والقضاء على الحكم الإخوانى فى مصر , صارت السياسه الأمريكيه تعادى الثوره وتحاول اجهاضها , وكان الموقف الصلد للجيش والشعب المصرى, ولفظ المعونه الأمريكيه والتعالي على كل ما كانت تقدمه أمريكا كرشوة من اجل الخضوع لسياستها الخارجيه, وتم الإتجاه الى روسيا , وبدأت الإجتماعات الثنائيه بين وزيرى الدفاع والخارجيه فى البلدين والتى تمخضت عن مد مصر بمعدات واسلحه وطائرات روسيه وتعاون تقنى تمثل فى اطلاق القمر الصناعى العلمى المُصَنع فى روسيا- وبدأت الجماهير المصريه تعبر عن ابتهاجها وارتياحها , فى اتجاه السياسه الخارجيه المصريه شرقا من جديد , بعيدا عن سياسات الشيطان الأمريكى الصهيونى.

ولم تدم الفرحه, فقد بددها من يقف على رأس وزاره الخارجيه المصريه فى ذلك الوقت “نبيل فهمى” حين اعلن خلال زيارة له للولايات المتحده الأمريكيه (أن العلاقه مابين مصر وأمريكا ,هى علاقه زواج شرعى , وليست نزوه ),ليثور سؤال استهجانى وهل يوجد شرعيه مع الشيطان ؟!! .

لكن مع صعود ” سامح شكري” الى ترأس وزارة الخارجية المصرية بدت محاولة تقديم اوراق اعتماد السياسة الخارجية المصرية من جديد على أمريكا من خلال “اسرائيل” وتكررت زيارات سامح شكرى لتل ابيب ومشاركته فى تشيع جنازة السفاح بريز والأدهى كان صدور أوامرة للسفير المصرى فى تل ابيب أن يدعو نتنياهو ورئيس الكيان الصهيونى الى السفارة المصرية للمشاركة فى احتفالات ثورة عبد الناصر فى 23 يوليو 2016 وكأنه كان يريد قتل عبد الناصر فى قبره من اجل عيون “اسرائيل” ومن اجل تقديم ذلك قربان وبرهان على أن السياسة الخارجية المصرية أثيرة أمريكا , وهى فى ذلك قد راهنت على “ترامب ” كرئيس لأمريكا فى صهيونيته هو الأكثر تطرفا , فصار يرتب لحلف من مصر والاردن والامارات والسعوديه تلحق به “اسرائيل” يحاصر ايران ويمهد لضربها .

ولانرى في ذلك الا شذوذا قد صارت عليه الخارجية المصرية و نفر من شذاذ الآفاق سواء فى المخابرات الأمريكيه او اللوبى الصهيونى ,والبترودولار الخليجى يجب أَلا يتم لأنه زواج للشيطان الأمريكى وزواج الشيطان معروف بأنه زواج المِثليين !!! ومصر بِهَامتِها وقامتِها هى من تطرد الشيطان وتستعيذ بالله العظيم من شيطان أمريكا و”اسرائيل” الرجيم , مجسدة احضان أمتها العربية ضد أمريكا و “اسرائيل”, وهى مازالت بكر عذراء , ونساؤها من الصبايا البتول .

محمود كامل الكومى *

المصدر: باوراما الشرق الأوسط، 13 مارس2017.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*- كاتب ومحامى – مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق