رأيمصر

عودة رموز النظام السابق في مصر وتونس… زمن الثورة أم عقل الدولة؟

 

 

لكل مرحلة تاريخية وسياسية مقتضياتها ومصطلحاتها ورموزها أيضا. في أجواء الثورة في تونس ومصر، في الفترة الفاصلة بين 14 يناير 2011 (لحظة مغادرة الرئيس التونسي الأسبق للأجواء التونسية) و11 فبراير 2011 وما بعدها (ما يصطلح عليه في مصر بلحظة تنحي حسني مبارك) سادت مصطلحات من قبيل “الأزلام” و”الفلول” والتجمع المنحل والحزب الوطني المنحل وغيرها من التعبيرات التي كانت تصف رموز النظام السابق في البلدين.

القاموس السياسي الذي هيمن يومئذ كان يحيل على لحظة ثورية غامرة، وكان يختزل مقولات تعتبر أن الثورة تجبّ ما قبلها، وأن حراك التونسيين والمصريين بصدد بناء معمار سياسي جديد سيفرز رموزه الجديدة، لكن مياها سياسية كثيرة جرت، في الداخل كما في الخارج، حتّمت الركون إلى تكتيكات جديدة أو إلى تصرف مغاير لما حلم به الثوار ومن التحق بهم وحتى من سعى إلى الركوب على أحلام الثوار.

كما تشابهت هتافات شارع الحبيب بورقيبة مع هدير ميدان التحرير، فقد تشابهت مآلات الثورة هنا وهناك، فبعد سنوات ست من العدّ الثوري انكشف المشهد السياسي في البلدين على مفردات سياسية جديدة، تقوم من جملة ما تقوم عليه على الاستنجاد برموز النظام السابق، و“التطبيع” معهم (كما تردد الأدبيات الثورية الغاضبة من الحال والمآل)، وبما أن لكل حدث حديثه في واقع البلدين، ولكل لحظة سجالها المستعرّ، فقد أثار الاستنجاد برموز محسوبة على زمن ما قبل الثورة، حالة من النقاش العمومي المفتوح. هي حالة صحية لا جدال في فائدتها من حيث رفع الوعي العام، إلا أن النقاش ذاته يعبّر عن تصارع مرحلتين بكل ما في الكلمة من اصطفاف وتخندق.

إعادة رموز النظام السابق إلى صدارة الفعل السياسي والإعلامي اعتبرت في التصوّر الثوري خيانة لدم الشهداء، وقتلا لأحلام من خرجوا للشوارع ذات شتاء من 2011، وردة على الفعل أو عودة للمربع الأول، وكان كل ما قدمته الثورات من وعود ذهب هباء. قيل أيضا إن النظام السابق، سواء في تونس أو في مصر، فشل في تدبير الشأن العام وفي تحقيق التنمية وفي بناء حياة سياسية سليمة معافاة، وفشل النظام السابق هو أيضا فشل لرموزه ونظامه وساسته والمتكلمين باسمه والمدافعين عن حياضه، وبالتالي فإن إعادة “الفاشلين” إلى صدارة الفعل وتكليفهم بمهامّ سياسية هو إعادة إنتاج للفشل تحت مسميات جديدة. الرفض لعودة رموز الأزلام أو الفلول استند أيضا إلى التحفظات على مسارات العدالة الانتقالية التي أخطأت المسار والمسيرة أو تعثرت وسمحت تبعا لذلك لهؤلاء بالانفلات من العقاب الثوري أولا، ثم من المساءلة القضائية والإقصاء السياسي الذي تقتضيه ثورات “تجبّ” ما تقبلها وتفرز واقعا سياسيا جديدا.

في المقابل تنادت على الدفاع عن عودة الرموز القديمة أصوات اعتبرت أن سياسيي ما بعد الثورة هواة لا علاقة لهم بإدارة الدولة، وأن صيتهم السياسي كمعارضين أو كمساجين لا يعني بالضرورة قدرتهم على التصرف في دواليب الدولة. إدارة الدولة بمؤسساتها وهياكلها ودبلوماسيتها وعلاقاتها واقتصادها، تتطلب موارد بشرية تمتلك الخبرة لا التهريج السياسي، وتفترض تحديد المصلحة وتشخيص الداء لا الشحن والتهييج العاطفي.

المدافعون عن عودة “الخبرات” عللوا الأطروحة بأن انتهاء زمن الثورة يعقبه دائما زمن الدولة، والأخير هو زمن نجاعة وأرقام وسياسة، وهي حقول لا تعالج بالهتافات ولا بعواطف الثوار، بل قيل إن هؤلاء جاؤوا لإنقاذ البلاد من أخطاء هواة الساسة والراكبين والطائرين على اللحظة الثورية، وفي التعليل مكر لا يخفى إذ تم الفصل بدهاء بين براءة الثوار وأحلامهم المشروعة، وبين هواة سياسية ركبوا على اللحظة أو جيء بهم أو جاءت بهم الصدفة السياسية، سيان.

عودة رموز النظام السابق وما أثارته من سجال وجدال، هي في حد ذاتها حراك سياسي جديد، وتمرين ديمقراطي ينطلق من أن النقاش يطرح في الفضاءات العامة مسائل الجدارة والكفاءة، وهي مسائل لم تكن مطروحة في أزمان ما قبل الثورة. وهذا من فضل الثورة أيضا ومناقبها. لكن التنسيب يقتضي الإشارة إلى أنه كان يمكن التوفيق بين الوفاء لمضامين الثورات وشعاراتها، وبين الاعتماد على خبرات زمن مضى وأفل، في إطار عدالة انتقالية مبنية على قضاء مستقل حر ونزيه، يحقق أكل العنب ولا يقتل الناطور. يمكن أن نحقق أهداف الثورة وأحلامها، ونستفيد من كفاءات لم تهلك الزرع والضرع.

الثورات أيضا روح تتسامح وتسمو على الضغائن، ودرس مانديلا ماثل في الأذهان، أما التطرف في الاصطفاف من هنا أو هناك فهو خيانة موصوفة لمصلحة الوطن.

عبد الجليل معالي

العرب، العدد 10585، 2017/03/28، ص12.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق