تونسرأيشمال إفريقيا

التعاون التونسي الإفريقي… بين القول والفعل

 

 

في أقل من أسبوعين زار وزير الشؤون الخارجية خميس الجهيناوي بلدين إفريقيين وهما السنغال والكامرون وفي كل زيارة ترأس مع وزير من البلد المضيف منتدى اقتصاديا شارك فيه مستثمرون ورجال أونساء أعمال من البلدين لتحديد الإمكانيات المتاحة لربط شراكات مفيدة للبلدين في مختلف المجالات. تأتي هذه الزيارات في إثر الجولات التي قام بها رئيس الحكومة لنفس الغرض والتي شملت دولا عديدة مثل السودان ومالي والنيجر وبوركينا فاسووالتي ستتواصل في دول أخرى جنوب الصحراء. هذا التمشي سيقع تقييمه خلال الندوة السنوية لرؤساء البعثات الدبلوماسية والقنصلية التي ستنعقد في أواخر الشهر الحالي والتي سيكون موضوعها الأساسي:”الدبلوماسية الاقتصادية، التعاون التونسي الإفريقي نموذجا.”

لقائل أن يقول هل اخترنا الطريق الأمثل لبناء علاقات متميزة مع بلدان إفريقيا التي تشهد طفرة من النموغير مسبوقة، خاصة وأن دول العالم الكبيرة منها والصغيرة توجه اهتماما خاصا بالقارة السمراء ولا أدل على ذلك من المنتديات السنوية وحتى القمم التي تعقدها بلدان مثل الولايات المتحدة واليابان والصين والهند، وحتى تركيا لإبراز اهتمامها بغرض ربط شراكات لا سيما وأن البلدان الإفريقية تمثل مجتمعة أسواقا واعدة كما أنها تتوفر على موارد طبيعية بما في ذلك النفط والغاز بما يسيل لعاب كل الدول بدون استثناء.

لقد كانت تونس في عهد الزعيم الحبيب بورقيبة من الدول القلائل التي ربطت علاقات قوية مع دول القارة السمراء إذ اعتبرتها عمقها الاستراتيجي والمنطقة الحيوية التي ترتبط بها بوشائج قوية منها بالخصوص مقاومة المستعمر والميز العنصري اللذين كانا متفشيين في شمال القارة وجنوبها. كان التوجه الأساسي هوإقامة علاقات سياسية قوية بين تونس والبلدان الشقيقة جنوب الصحراء التي، تجاوبت، في ظل زعامات تاريخية، تجاوبا كبيرا مع هذا التوجه. لم تكن الرغبة في إقامة تعاون اقتصادي هي الهاجس بل جاء الاقتصاد كرافد للعلاقات السياسية المتميزة التي كانت تربط بين الجانبين، فمنذ الستينات تم بعث بنك تونسي في النيجر والسنغال وتم إقامة استثمارات مشتركة في عدد من الدول الإفريقية وكانت هذه الشراكات كنتيجة طبيعية للحركية التي أحدثتها إقامة علاقات دبلوماسية متينة بين الطرفين ليس أقلها التشاور المتواصل في الهيئات الدولية بل إن كثيرا من الزعماء الأفارقة كانوا يطالبون ممثليهم في الأمم المتحدة وغيرها بانتظار الموقف التونسي والبناء عليه.

إن التركيز على البعد الاقتصادي كما نفعل الآن ليس الطريقة السوية لبناء علاقات قوية مع بلدان القارة غربها أوشرقها لا سيما وأننا لسنا بالدولة القوية والغنية التي تضع على الطاولة ملايين بل مليارات الدولارات لهذا الغرض للاستثمار في البنى التحتية مقابل فتح الأسواق أمامها كما تفعل الصين والهند واليابان مثلا. إن ما تنتظره منا الدول الإفريقية الشقيقة هو الارتباط معها بعلاقات سياسية قوية تفتح الأبواب لتعاون متعدد الجوانب يشمل فيما يشمل الاستثمار والاقتصاد والصناعة والمبادلات التجارية. الباعثون الاقتصاديون من الجانبين لا يرغبون من الدبلوماسية إلا أن تساعدهم في عملهم وتفتح الأبواب أمامهم وتيسر أعمالهم لا أن تقوم مقامهم. قدر الدولة أن تسند وتساند وتتدخل في إقامة خطوط النقل الجوي أوالبحري أوفي توفير الاعتمادات اللازمة وإقامة المصارف المختصة.

هذا التوجه يتماشى مع الإمكانيات التي يمكن أن توفرها البعثات الدبلوماسية التي لا يمكن مطالبتها إلا بما هي قادرة على توفيره، فالكل يعلم أن سفاراتنا في إفريقيا تعوزها الموارد البشرية والإمكانيات المادية التي تتوفر عليها دول أخرى مشابهة لنا فضلا عن أن تواجدنا الدبلوماسي في بلدان القارة السمراء ما زال محدودا إذ لا تغطي المراكز الدبلوماسية إلا خمس عدد بلدان القارة وليس في الإمكان الرفع من ذلك بشكل ملحوظ في المدى المنظور. إن الواقعية تفرض علينا الإقرار بالحدود التي لا يمكن تجاوزها لكن ذلك لا يمنع البراغماتية من أن تدفعنا إلى البحث عن سبل بلوغ أهدافنا بالرغم من قلة الإمكانيات المتاحة ويتم ذلك عبر اهتمام أكبر وأمتن بهيئات العمل الإفريقي المشترك وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي. لقد كانت تونس عضوا مؤسسا لمنظمة الوحدة الإفريقية كما كانت من البلدان الفاعلة في هيئاته ولكن لا بد من الاعتراف أننا لم نعد نعير الاتحاد الإفريقي كبير اهتمام فقليلة بل ونادرة هي القمم التي يشارك فيها رئيس الجمهورية التي عادة ما يمثله وزير الشؤون الخارجية والأفارقة حساسون جدا لهذا الموضوع وقد يكون من المناسب تغيير هذا التوجه وتكليف رئيس الحكومة بالحضور نيابة عن رئيس الجمهورية عند الضرورة كما يبدومن المهم أن لا نغيب عن أي من اللقاءات الإفريقية الكبرى الرسمية أوتلك المهتمة بالمجتمع المدني. لقد أقام البنك الإفريقي للتنمية أكثر من عقد من الزمن بين ظهرانينا وبعد عودته إلى مقره الاجتماعي في أبيدجان كبرى مدن الكوت ديفوار ضعفت هذه العلاقة والأمل معقود في أن المركز الإقليمي للبنك الخاص بشمال إفريقيا الذي تحتضنه تونس سيعيد الحرارة إلى هذه العلاقة وهوما سيكون دون أدنى شك في صالح تونس.

إن بلادنا أعطت اسمها “إفريقية” أو”أفريكا” للقارة السمراء وإن إقامة علاقة قوية بين الطرفين من البديهيات ولكن ذلك لا يتم دون جهد واجتهاد.

رؤوف بن رجب
المصدر: الشروق ، 2017/07/17، ص7. 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق