تونسرأيشمال إفريقيا

تطور فكرة الجمهورية في تونس من جمهورية قرطاج الى إرساء النظام الجمهوري

 

علي عبد اللطيف اللافي: 

 

لم یُحظی مصطلح ”الجمهوریة“ بالدراسة المُعمّقة والکافیة، مُقارنة بمصطلحات ”السیاسة“ و ”الدولة “ و ”الدیمقراطیة ”و ”السلطة“ و غیرها من المصطلحات القانونیة و السیاسیة، و الجمهوریة لیست تصنیفا لنظام الحکم في دولة ما بقدر ما هي مبادئ و قیم سلوك و ثقافة…، فما هي الجمهوریة تحدیدا؟، و کیف تطورت الجمهوریة في تاریخ تونس من قرطاج التاریخ إلی إرساء النظام الجمهوري؟

  • ماهي الجمهورية؟

تاریخیا حلت الجمهوریة في روما محل الملکیة سنة 509 قبل المیلاد، حتی أن جاك لوك في کتابه ”تاریخ المؤسسات“ یؤکد أن الجمهوریة تعني أمر الشعب، و قد کان مفهوم الجمهوریة في معناه الواسع مُرادف لمصطلح الدولة وهو مصطلح فیه تمیز للدولة عن غیرها من التنظیمات، وهو المعنی الذي أورده جون جاك روسو الذي اعتبر أن الجمهوریة هي کل دولة تساس بقوانین، فالحکم الملکي نفسه جمهوریة…

و هکذا فإن الجمهوریة هي النظام الذي یُلغي کل توریث للحکم فهي لیست الملکیة ولا الإمبراطوریة، و یقول العمید لیون دوقي في هذا المعنی ”عندما یکون رئیس الدولة وریثا تکون الحکومة ملکیة وعندما لا یکون وریثا تکون الحکومة جمهوریة و لیس هناك فرق آخر ممکن بین الملکیة و الجمهوریة “ …

أما في اللغة العربیة فإن الجمهوریة مشتقة من فعل ”جمهر“ و جمهر الشيء جمعه، فلفظ ” الجمهوریة“ یعني العدد الکبیر من الناس، وهو بذلك یختلف عن فکرة ”الصفوة“ و دخل لفظ  الجمهوریة “ في اللغة العربیة عن طریق اللغة الترکیة…

و إذا کانت الجمهوریة في منظور القانون الدستوري هي مجموعة من القواعد تتعلق أساسا بانتخاب رئیس الدولة، فإن المفهوم العمیق للجمهوریة یتجاوز شکل نظام الحکم، فهي جملة من القیم و المبادئ لذلك نتحدث عن قیم الجمهوریة، فالجمهوریة هي فلسفة وهي أیضا تکریس فعلي لسیادة الشعب وهي صون للحریات و حمایتها من طرف الدولة والأفراد….

و إذا کانت الجمهوریة قد ظهرت خمس قرون قبل میلاد المسیح، فإنها لم تظهر في شکلها الحدیث إلا في أواخر القرن الثامن عشر، و یُعتبر الدستور الأمریکي الصادر سنة 1787 أقدم دستور جمهوري، فقد اقر بانتخاب رئیس الجمهوریة ثم تعاقبت الدساتیر الجمهوریة , من ذلك دستور1792 الذي أحدث الجمهوریة الأولی في فرنسا و تلاه دستور 1848 الذي أقام الجمهوریة الثانیة إلی آخره …

  • الجذور التاریخیة للجمهوریة في تونس:

أ – الجمهوریة في عهد قرطاج:

المعروف أن أرسطو في کتابه ”السیاسة “ نوه بدستور قرطاج ووصف تنظیم الحکم فیها و طرق تکوین السلطة و صلاحیات کل منها، حیث قام النظام الجمهوري على مبدأ انتخاب السلطة التشریعیة التي کانت تترکب آنذاك من مجلس الشعب و مجلس الشیوخ، و مما أضفی الصیغة الجمهوریة یومئذ، هو انتخاب السلطة التنفیذیة من قبل مجلس الشعب و قد کان یطلق علیها عبارة “ الاسباطیة ”، قد ترکب مجلس الشیوخ من 300 عضو و أن محکمة الـــ 104 التي تأسست 7 القرن الخامس قبل المیلاد کانت تهدف إلی الحیلولة دون إقامة النظم الإستبدادیة .

ب- جمهوریة الدایات:

تحدثت کتب التاریخ عن جمهوریة الدایات في تونس التي قامت في أعقاب إجلاء العثمانیین للأسبان الذین احتلوا تونس سنة 1535 في آخر أیام الدولة الحفصیة إثر الاستنجاد بهم من قبل آخر حکام بني حفص، وتمکن سنان باشا قائد الحملة العثمانیة من إنهاء أطماع الأسبان، و قد ترکزت جمهوریة الدایات في تونس في الفترة الفاصلة بین 1591 و 1675 ،و فقد قامت الجمهوریة على انتخاب الداي، و کتب دارفیو في سنة 1665 أن “ دولة تونس هي جمهوریة أسند إلیها اسم ملکیة8غرار الجمهوریة البولونیة، و وقد کانت جمهوریة الدایات اقرب إلی النمط الغربي حیث کان الدیوان یختار أحد أعضائه لیتولی الرئاسة، فلم یکن الحکم و راثیا و لم یتردد البعض في وصف تلك الفترة “ جمهوریة الدیات “ .

ج- الجمهوریة في الفکر الإصلاحي:

کان لإرساء الجمهوریة في الدول الأوروبیة و خاصة فرنسا تأثیر على رواج حرکة الإصلاح في تونس. فقد أشاد احمد ابن أبي في کتاب الإتحاف بالنظام الجمهوري باعتباره یقوم على  اختیار رئیس الجمهوریة…

و شرح خیر الدین باشا في کتابه ”أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك “ الأسس الدستوریة للأنظمة القائمة في أوروبا و مدى النجاح الذي حققته في غدارة البلدان سواء الملکیة أو الجمهوریة حیث تقع المسؤولیة على النواب المنتخبین ….

د- الجمهوریة في فکر الحرکة الوطنیة:

لم تشکل الجمهوریة مُطلقا جوهر مطالب الحرکة الوطنیة ولا یُمکن بالتالي الحدیث عن وجود فکر جمهوري قبل الاستقلال، بل بالعکس فإن تاریخ الحرکة الوطنیة ارتبط أساسا في البدایة بالمطالبة بإحیاء دستور 1861 و إرساء نظام ملکي دستوري، و قد دعا عبد العزیز الثعالبي في  کتابه ”تونس الشهیدة“ الذي یعتبر مرجع الحزب الحر الدستوري التونسي إلی تأسیس مجلس استشاري و حکومة مسؤولة أمام هذا المجلس و اعتماد الفصل بین السلطات التشریعیة و التنفیذیة و القضائیة، کما لا أن الحزب الحر الدستوري الجدید دعا في لائحة المبادئ العامة الصادرة 7 10 جوان 1949 إلی دولة ملکیة دیمقراطیة و قد أقرت تلك اللائحة في فصلها الأول أن ”الدولة التونسیة دولة ملکیة دیمقراطیة “ و أعلنت في فصلها الثاني أن ”السیادة القومیة رمزها الأعلى الملك و مصدرها الأمة التونسیة , وهي تتمثل في النیابة القومیة و الهیئة القضائیة “ کما دعت اللائحة السیاسیة الصادرة عن مؤتمر الحزب المنعقد 7 صفاقس من 15 إلى 18 نوفمبر 1955 إلی إقامة ملکیة دستوریة…

والمعروف وفق ما ذکره عبد الرحمان عبد النبي أن بورقیبة شارك في أحد المسامرات أثناء فترة الحمایة، فسأله شخص ما هو شکل الحکم الذي تراه صالحا للبلاد فأجاب : “ عندما یتحصل الشعب التونسي على استقلاله و سیادته الکاملة سیختار لنفسه الشکل الحکمي الذي یراه صالحا “ ( مناقشات المجلس القومي التأسیسي . ص 15…(

و هکذا یتضح أن الجمهوریة و لئن لم تشکل محور مطالب الحرکة الوطنیة فإنها کانت عمیقة في  وجدان رواد الحرکة الوطنیة و إن عدم المجاهرة بها في أدبیات الحزب الحر الدستوري التونسي کان لاعتبارات أملتها ظروف مقاومة الاستعمار .

و مثلما حققت الحرکة الوطنیة الاستقلال بأقل الخسائر في أرواح التونسیین نتیجة تبصر القیادة فقد تم إعلان الجمهوریة بمقتضی لائحة صادرة عن المجلس القومي التأسیسي دون أن یکون لهذا الإعلان ضجة أو ردود فعل تذکر، فأعطت دولة الاستقلال صورة حضاریة عن إرساء الجمهوریة .

  • إرساء الجمهوریة فجر الاستقلال:

تمیز إرساء الجمهوریة في تونس بالتدرج، فقد وقع التمهید لإعلان الجمهوریة بانتخاب المجلس القومي التأسیسي و التقلیص التدریجي لصلاحیات الباي .

أ – التمهید لإعلان الجمهوریة:

وقع التمهید لإعلان الجمهوریة في 25 جویلیة 1957 بصورة محکمة و على مراحل , وهو ما یبرز

مرة الأسلوب المرحلي للوصول إلی الهدف . فهناك ثلاث مراحل مهدت لإعلان الجمهوریة وهي:

1 – انتخاب المجلس القومي التأسیسي:

یُمکن اعتبار قبول الباي إصدار أمر علي في 29 دیسمبر 1955 یدعو فیه الشعب إلی انتخاب هذا المجلس أول خطوة على درب إعلان الجمهوریة . فقد کان الباي یرغب في دستور یقیم ملکیة دستوریة منحة منه إلی الشعب شأن الدستور الذي أصدره محمد الصادق باي 1861 و بالتالي کان رافضا انتخاب مجلس تأسیسي، إلا أن بورقیبة استغل مقابلة أجراها الباي مع المقیم العام الفرنسي إثر توقیع إتفاقات 3 جوان 1955 عارض فیها تسلیم الأمن إلی الحکومة التونسیة و إستعمل بورقیبة هذا الموقف للباي کورقة ضغط لإجباره على إمضاء أمر انتخاب المجلس القومي التأسیسي أو التشهیر به أمام الشعب، و عملیا ساعدت کل الظروف و الملابسات على  إصدار الأمر العلي الداعي لانتخاب مجلس قومي تأسیسي یتولی وضع دستور للمملکة و قد أجریت تلك الانتخابات في موعدها المقرر .

و منذ الیوم الأول الذي إجتمع فیه المجلس القومي التأسیسي في 8 أفریل 1956 إنتخب الرئیس الحبیب ببورقیبة رئیسا له بالإجماع و إثر مغادرة الباي قاعة الجلسة قال بورقیبة مخاطبا نواب الأمة : ”تجتمعون في هذا المجلس التأسیسي بإرادة الشعب، لا تنسوا أن تلك الإرادة متجسمة في جمعکم واضحة جلیة، فالسیادة في  تونس سیادة الشعب وهو صاحبها الشرعي الحقیقي“، و هکذا جرد الباي من کل صفة تتصل بتمثیل الأمة، و قد تم التأکید على  أن السیادة للشعب و على أن الدستور سیحدد الحکم الجدید إذ جاء في هذا الخطاب : ”الدستور سیضع حدا لکل طغیان و کل ظلم داخلي أو أجنبي، فمن الیوم لن یتصرف في حقوق الشعب التونسي غیر الشعب التونسي و لن یکون الحکم في البلاد لفائدة أفراد أو جماعة أو طبقة بل لفائدة مجموع الأمة التونسیة، و تفریق السلطات و تحدید هل ضروري حتی یوجد بینها توازن، و قد تهیأت الظروف للاستمرارفي هذا التوجه خاصة بعد تعیین الزعیم الحبیب بورقیبة وزیرا اکبر….

2 –تعیین بورقیبة في 14 أفریل 1956 وزیرا أکبر:

کان هذا التعیین عادیا لو لم یکن بورقیبة زعیما للحزب الحر الدستوري الجدید و رمزا للحرکة الوطنیة و مما یلفت الانتباه هو ما ورد في نص الأمر العلي الخاص بهذا التعیین الذي جاء فیه :

“ عین منقذ للامة و قائد للشعب المجاهد الأکبر الحبیب بورقیبة وزیرا أکبر رئیسا للحکومة وزیرا للخارجیة ووزیر للدفاع الوطني .“إن قبول الباي بتعیین بورقیبة وزیرا أکبر و تمکینه من جمیع الصلاحیات التي یمارسها رئیس الحکومة، إضافة إلی الخارجیة و الدفاع الوطني یجعل منه محتکرا للسلطة التنفیذیة….

3 – التقلیص التدریجي لصلاحیات الباي:

منذ تعیین بورقیبة8رأس الحکومة تتالی صدور الأوامر التي تجرد الباي من جمیع صلاحیاته نذکر منها بالخصوص الأمر العلي الصادر في 26 أفریل 1956 و المتعلق بتحویر إدارة الملك الخاص للباي ودائرته السنیة بوضع هذه الإدارة تحت تصرف متصرف للحکومة التونسیة یشرف علیه وزیر المال….

ب- إعلان الجمهوریة:

لقد کان من المنتظر أن یقع الإعلان عن الجمهوریة یوم 1 جوان 1957 بمناسبة الاحتفال بالذکرى الثانیة لعودة بورقیبة إلی تونس، إلا أن أحداثا خارجیة وخاصة أزمة العلاقات بین فرنسا و تونس إثر الإعلان عن وقف المعونة المالیة الفرنسیة إلی تونس أجلت الإعلان عن الجمهوریة إلی یوم 25 جویلیة1957.

ووقعت دعوة المجلس القومي التأسیسي یوم الخمیس 25 جویلیة 1957 بعد اجتماع الدیوان السیاسي للحزب الدستوري و انعقاد مجلس الوزراء حیث تمت مناقشة الترتیبات المتعلقة بإعلان الجمهوریة. و قد کانت جلسة یوم الخمیس 25 جویلیة 1957 جلسة تاریخیة حیث حضر کافة أعضاء المجلس القومي التأسیسي، و قد تواصلت کامل الیوم و تدخل خلالها اثنا عشر نائبا أجمعوا فیها على  مساوئ نظام البایات و طالبوا بإعلان الجمهوریة، و إثر الخطاب الذي ألقاه الزعیم الحبیب بورقیبة الذي حلل فیه بإطناب ما قاساه الشعب من نظام البایات و الأسباب التي تجعله یرفض الملکیة الدستوریة و لا یرتضي للشعب إلا النظام الجمهوري، تناقل الکلمة رئیس المجلس جلولي فارس فطلب من النواب التصویت فردیا و علنیا على :

– إلغاء الملوکیة بالبلاد التونسیة بنعم أو لا…

– إعلان الجمهوریة بلفظ الجمهوریة.

و قد جاء هذا الاقتراع بإجماع أعضاء المجلس القومي التأسیسي، کما تم انتخاب بورقیبة بالإجماع رئیسا للجمهوریة .

المصدر: المغاربي للدراسات والتحاليل، 2017/07/24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق