أثيوبياالصومالرأيشرق إفريقيا

تاريخ الصراع بين الصومال وإثيوبيا

تاريخ الصراع السياسي والجغرافي والعرقي بين دولة الصومال وإثيوبيا قديم، وليس قاصرًا على القرن العشرين وحسب؛ وإنما هو صراع تعود جذوره إلى نهاية القرن التاسع العشر، حينما جاء الاستعمار الأوروبي (فرنسا، وبريطانيا، وإيطاليا) لاحتلال القرن الأفريقي؛ وقد كان هدفهم هو السيطرة على تلك الأراضي والمناطق الهامة للغاية جغرافيًا، وتجاريًا، وعسكريًا، واستراتيجيًا. وقد تقاسمت هذه الدول الثلاث الكعكة، وأخذ كلُّ واحدٍ منهم حصته منها – وكما هو معروف عند الجميع أن القارة الأفريقية واحدة من أغنى القارات في العالم، فهذه القارة على الرغم من تخلفها العلمي والاقتصادي تعتبر الأغنى بين القارات بالموارد الطبيعية والمواد الخام اللازمة للصناعة!

 وقد كانت الصومال محل الصراع بين هذه الدول الاستعمارية الثلاث؛ نظرًا لما تتمتع به من موقع جغرافي واستراتيجي متميز. ففي عام 1839 قررت الإمبراطورية البريطانية إقامة قاعدة عسكرية لها في الصومال؛ لتؤمن طريقها إلى اليمن، ويسهل عليها نقل المعدات العسكرية والغذاء إلى جنودها هناك، فقطعتها عن أرض الصومال، وأطلقت على هذه المساحة التي اقتطعتها (الصومالي البريطاني). ثم سارت فرنسا على نهج الإمبراطورية البريطانية، ففي عام 1860م احتلت فرنسا قسمًا من الأراضي الصومالية التي تعرف الآن بـ(جيبوتي) – وهي الآن دولة مستقلة عن الصومال وحصلت على استقلالها عام 1977 –. وأخيرًا لم تنتظر إيطاليا وقتًا طويلًا؛ فذهبت هناك – أيضًا – وطلبت حصتها – هي الأخرى – في الصومال، فاحتلت القسم الجنوبي، وأطلقت عليها الصومالي الإيطالي عام 1889م؛ ولم تكتف إيطاليا بالجنوب فقط؛ وإنما احتلت معه معظم المناطق القريبة من إثيوبيا التي كانت من قبل في قبضة الاستعمار البريطاني.

إن الفكرة الإمبريالية – لا كما هو المعروف لدى الجميع – هي فكرة قائمة على التسلط وتقسيم الأراضي والأماكن المهمة بالقوة، وبسبب تلك الإمبريالية فقد اشتعلت نار لم تنطفئ حتى اليوم، وليس أدل على ذلك من الصراع الذي نشأ بين الصومال وإثيوبيا.

وبعد أن فشلت إيطاليا في الحرب العالمية الثانية، أصبحت معظم المناطق الصومالية – بما فيها منطقة أوجادين – تحت سيطرة البريطانيين بموجب معاهدات واتفاقيات بين الدول الاستعمارية؛ وتعد منطقة أوجادين نقطة الصراع القائم بين الصومال وإثيوبيا؛ نظرًا لأن الإيطاليين اقتطعوها من الصومال، وألحقوها بالأراضي الإثيوبية، على الرغم من كون سكانها يدينون بالإسلام ويتحدثون اللغة الصومالية.

وكانت حقبة الستينيات من القرن الماضي بداية نارية ومأساوية لهذا الصراع الذي وقع بين الصومال وإثيوبيا على تلك الأرض التي اقتطعت ظلمًا وعدوانًا من وطننا الحبيب الصومال، وفي عام 1960 نالت كل من الصومال الجنوبي (الإيطالي) والصومال الشمالي (البريطاني) الاستقلال من الاستعمار الإيطالي والبريطاني، وبقيت أوجادين ملحقة بإثيوبيا وتحت هيمنتها، وفي أواسط الستينيات من القرن الماضي عام 1964 دخلت الصومال في حربها الأولى مع الجارة إثيوبيا لتحرير تلك القطعة من قبضة الإثيوبيين. وحظيت الصومال بدعم من الاتحاد السوفيتي والصين في تلك الحرب؛ بينما ساندت الولايات المتحدة الجانب الإثيوبي في تلك الحرب، التي انتهت دون أي انتصار لطرف على الآخر، فلا الصومال استعادت أرضها، ولا إثيوبيا استطاعت الاحتفاظ الآمن بها، وقد عارض نظام الرئيس الإثيوبي هيلا سيلاسي استقلال الصومال سنة 1960.

وبعد سنتين من انتهاء الحرب التي قامت بين الصومال وإثيوبيا، وفي العام (1969) وقع انقلاب عسكري في الصومال، تولى فيه محمد سياد بري مقاليد الحكم بها؛ ورغم أن الأوضاع قد تغيرت تمامًا بعد هذا الانقلاب؛ إلا أن استعادة منطقة أوجادين من قبضة الإثيوبيين وضمها إلى حضن دولة الصومال ظل حلم كل صومالي.

وكان عام 1977 عامًا لا ينسى من كلا الشعبين الصومالي الإثيوبي؛ فقد نجح الجيش الصومالي نجاحًا واسعًا في حربه مع إثيوبيا، واستطاع ببسالة احتلال أجزاء واسعة من الأراضي الإثيوبية؛ إلا أن تدخل الولايات المتحدة الأمريكية – التي تمثل أكبر قوة عسكرية في العالم – لصالح الجانب الإثيوبي قد غير كفة الحرب لصالح إثيوبيا، وتوقف القتال، وعاد الجيش الصومالي من حيث أتى. فكانت تلك الفترة – السبعينيات – من الممكن أن تكون نقطة انتهاء هذا الصراع القائم بين الدولتين لولا تدخل الأمريكان.

وكانت تلك آخر محاولة من جانب الحكومة الصومالية لاستعادة المنطقة. ولكن في بداية التسعينيات 1991 عند سقوط الحكومة العسكرية وتنحي سياد بري عن السلطة، كان بداية لمرحلة جديدة ومأساوية للصومال؛ إذ ضربت الفوضى الصومال، ودخلت في حرب أهلية، كان نتيجتها أن فر مئات الآلاف من الصوماليين إلى خارج البلاد، فضلًا عمن لقي حتفه في تلك الفوضى. وكان من نتيجة ذلك أن أصبحت إثيوبيا الفائز الأكبر في هذا الصراع؛ فلم تستطع الصومال منذ التسعينيات من القرن الماضي حتى اليوم تكوين جيش نظامي ودولة قوية مستقرة تستطيع تحقيق الحلم الصومالي باستعادة منطقة أوجادين مرة أخرى.

وقد أدركت حكومة أديس أبابا أن وجود حكومة صومالية قوية قد يشكل خطرًا محدقًا عليها، فسعت بكل ما أوتيت من قوة لإفشال الحكومات المتعاقبة على حكم الصومال، ومن أجل ذلك جندت عملاء ووكلاء لها في الداخل الصومالي، وغذت الصراعات التي وقعت بالصومال بالمال والسلاح، وسلكت في تعاملها مع منطقة أوجادين مسلكًا آخر، فكان أن منحتها استقلالًا شبه تام، حتى لا تصبح منطقة مستقلة، ولا تعود مرة أخرى تحت سلطة دولة الصومال.

يونس حسين علي 

المصدر: ساسة بوست، 2017/07/24

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق