شأن دولي

في ظل تهديد داعش لأوروبا بحرب دامية :قراءة تحليلية للحيثيات والخلفيات والترتبات 

 

 

 

 

علي عبداللطيف اللافي

  • مقدمة:

تختلف القراءات حول من يقف وراء صناعة تنظيم داعش الإرهابي ومن يُسيَره، وبغض النظر عن تعدد العوامل، أو تعدد الأطراف المُسيَرة لعدد من القيادات الرئيسية وخاصة تلك التي تتحكَم في مفاصل التنظيم الرئيسية وفروعه الإقليمية، ذلك أن الشبكات السرية والارهابية لا يُمكن التحكم فيها لاحقا لا يُمكن توقع مكامن أهدافها أو مراميها وخاصة في مراحل الهوس، وحتى وان اعتقدت بعض أجهزة عالمية انها يمكن ان تجعل كُلَ التنظيمات الإرهابية وعناصرها قيد منطق التحريك المُتحكم فيه فان طبيعة التطورات التي عرفها تنظيم “داعش” كتنظيم إرهابي، أو عرفتها فروع تنظيم القاعدة المتعددة، يجعل التوقع امرا نسبيا اضافة الى تضارب المصالح بين عددا من الاجهزة العالمية او حتى فروع الاجهزة داخل أي بلد، بل ويجعل العمليات الدموية لما يعرف بالذئاب المنفردة أو بعض اذرعها من الممكن ان يضرب في أي مكان من العالم تحقيقا لأهداف مرسومة من المُشغلين او بعض عُقول تلك التنظيمات وبحثا عن البطولات والمخارج في اطار الهوس والبحث عن بدائل موضوعية…

  • حيثيات التهديد الأخير باستهداف أوروبا بحرب دامية:

بعد تصفية أغلب القياديين المحليين وتسلمهم زمام الأمور، نقلت وكالات الانباء منذ أربع أيام توجيه المسلحين الأجانب في فروع تنظيم «داعش» الارهابي بقضاء “تلعفر” العراقي رسالة لأوروبا متوعدين إياها بشن حرب  عليها، وقد جاءت تلك الرسالة على لسان أحد أبرز القياديين الأجانب في التنظيم الإرهابي بتلعفر…

وفعلا فقد جاء التهديد على لسان “أبو إسحاق الفرنسي” – المعروف أيضا بلقب «الفرنسي الأسود» – والذي يعتبر الآن بمثابة الزعيم في صفوف المسلحين.
كما نقلت وكالات الانباء تقارير عراقية أن الفرنسي اعتلى فجأة منبر أحد أهم مساجد “تلعفر” والذي ألقى منه خطابا خلال صلاة الجمعة الماضية(أي بتاريخ 28 يوليو/جويلية الماضي)…

ووفقا لتلك التقارير الإخبارية والمصادر الإعلامية المتطابقة فإن “الفرنسي الأسود” وهو عمليا  قيادي بارز في داعش  (عمليا يكتنف الغموض منصبه أو موقعه في هيكلية التنظيم)، لكن ظهوره في منبر صلاة الجمعة فاجأ الجميع لأنه ظهر وكأنه المسؤول الأول عن “ولاية تلعفر”، بحكم ما أحاط به من حراس ملثمين…

كما ذكرت التقارير أن “الفرنسي الأسود” تسمية تتناقلها ألسن الأهالي (نسبة إلى لون بشرته السوداء) وليس الوكالات الإخبارية، بل ويُقال بأن أصله من إفريقيا، وعمليا ردد القيادي الجديد في التنظيم عبارة أكثر من مرة وهي “حربنا القادمة في أوروبا”
و المعروف أن خطباء تنظيم داعش الإرهابي، يذكرون في خطبهم بعض العبارات المبهمة والتي تمثل إشارة لعمل ما أو إعطاء ضوء أخضر لبدء جريمة قد تقع في منطقة. وتقول تقارير عديدة ان تنظيم داعش لديه أعوان في مناطق مختلفة من العالم. وكانت مصادر محلية كثيرة في محافظة نينوى أفادت، في وقت سابق، بأن المسلحين الأجانب في تنظيم داعش نفذوا انقلابا داخليا على سلطة القياديين المحليين في قضاء تلعفر غربي المحافظة، واستولوا على مزيد من المناصب على حساب العناصر المحليين.
وذكرت التقارير الإخبارية أيضا أن التنظيم أجرى تغييرات «جوهرية بهيكليته» في قضاء تلعفر غربي المحافظة شملت بشكل خاص منح الجهاديين من العرب والأجانب مزيدا من المناصب على حساب العناصر المحليين. يذكر أن قضاء تلعفر سقط في قبضة التنظيم الإرهابي بعد شهر جوان من عام 2014، ويعد حاليا من أهم معاقل التنظيم، في حين تستعد القوات العراقية لشن عملية عسكرية لاستعادة السيطرة على القضاء.

ومن جهتها أعلنت الشرطة الدولية (إنتربول) قائمة من 173 إرهابيا ينتمون لـ”داعش”، يعتقد أنهم تلقوا تدريبات لتنفيذ هجمات في أوروبا، انتقاما للهزائم التي تعرض لها التنظيم في الشرق الأوسط.وفي سياق متصل قال مسؤولو أمن عراقيون كبار إن قرابة 7 آلاف مسلح من تنظيم داعش الارهابي لا يزالون في العراق بعد سقوط الموصل، حيث أعلن قادة التنظيم الإرهابي السيطرة على المدينة قبل ثلاث سنوات.

و عمليا قال ثلاثة مسؤولين في الاستخبارات والدفاع لوكالة “أسوشيتد برس” المعروفة أن هناك ما يقدر بأربعة آلاف مسلح، بالإضافة إلى ثلاثة آلاف مؤيد كانوا يعملون لدى التنظيم ويحصلون على رواتبهم. ويوجد في سوريا قرابة 7 آلاف مسلح و5 آلاف مؤيد لهم، حسب تصريحات المسؤولين. وهو ما يؤكد ان الاحتمال وارد وان التهديد موجود ولكن ماهي قدرة داعش الإرهابي على التهديد من حيث التنفيذ او اختراق التشديدات الأمنية الاوربية ام انها مجرد رسالة لطر فاو عدة اطراف أوروبية سوى مباشرة او بطرق واليات غير مباشرة؟[1]

  • الخلفيات والترتبات:

اكدت معطيات إخبارية إضافية أيضا أن أحد المتشددين والتكفريين، كان وراء هجوم “همبورغ” الأخير، كما تم خلال الأيام الماضية إحباط عددا من العمليات الإرهابية في استراليا، وهو ما يؤكد أن الإرهاب سيبقى وسيلة رئيسية ومفصلية من وسائل تداخل الصراعات بين البلدان والقوى الدولية، وهو ما يؤكد أيضا أن هذه التطورات هي ملامح وخيوط معقدة من الصعب فهم تشابكاتها وتفاصيلها على المتابع العادي أو حتى على مراكز البحوث والتحاليل و والدراسات المختصة والرائدة، وكل ذلك  بسبب أجندات متشابكة لأجهزة مختلفة في عدد من البلدان الكبرى، وعلى اعتبار ان الإرهاب هو ظاهرة عابرة للقارات والبلدان وانه لا هوية ولا وطن ولا دين له، حيث أنه وسيلة من وسائل غُرف عمليات أجهزة و قوى ومحافل، تتحكم فعليا في مسارح الاحداث العالمية أو في كل بلد من البلدان وانه وسيلة مفضلة لأباطرة الدول العميقة للتحكم  حتى من طرف أذرع إقليمية والتي ترغب في السيطرة وإلهاء الشعوب واستدرار عطفها في هذا الاتجاه أو ذاك لتمرير سياسات فردية وسلطوية وتابعة…

وبناء عليه و لكشف الخلفيات التي تقف وراء التهديد الأخير بحرب دامية على أوروبا، وتوقع الترتبات الممكنة لابد من التأكيد على:

  • أن الانهيار المُريع لداعش في الشرق الأوسط[2] وهزائمه المتعاقبة والمتكررة في العراق وسوريا، إضافة الى صعوبة وجود مسارات بديلة، سيؤدي به للبحث عن آليات لنشر الفوضى الخلاقة والعمل على خلق الهلع وجلب الأنظار وتبني منطق العقلية الهاجسية من حيث التفكير ومن حيث البحث عن مساحات ميدانية تحقق اهداف سريعة إعلاميا ولوجستيا وستكون أوروبا أول مساحة قد تسارع قيادات التنظيم لاختيارها باعتبارها ذات خصوصية لوجستية…
  • أن العرب والمسلمون سيبقون وقودا لأجندات يُحققها الإرهاب وعملياته القذرة والدنيئة و أيضا هدفا للنتائج المترتبة عن عملياته ومآسيه – بغض النظر عن البلد المستهدف – خاصة في ظل سيطرة لُوبيات عالمية معادية لهم على وسائل الاعلام بل يومكن الجزم أن الإسلام كدين وحضارة هو الخاسر الأكبر على المدى القريب والمتوسط نتاج غياب العقلية الاستراتيجية لدُعاته ومُفكريه ولساسة بلدانه نتاج الالحاق الحضاري والاستبداد وثقافة الاستحمار والبرامج التنموية المنبتة والفاشلة……
  • ليس هناك أي بلد في العالم هو في منأى من الإرهاب حتى وان شاركت مخابراته وقواه السياسية والعسكرية والأمنية في التصدي للإرهاب ومحاولة تجفيف منابعه ومحاولة القضاء على الممهدات الرئيسية لحواضنه الرئيسية ولشبكات تمويله واستقطابه للعناصر الجديدة، كما أن البلدان الراعية والباعثة للإرهابيين لن تكون قادرة مهما فعلت في ان تكون بمعزل عن بعض عمليات خاصة في ظل تعدد ظاهرة الذئاب المنفردة….
  • أصبح عمليا ظهور نسخة جديدة وثالثة للتنظيمات الإرهابية العالمية أمرا جليا وقريبا من حيث البعد الزمني استقرائيا، وستكون النسخ الجديدة، مُتجاوزة لداعش وأكثر وحشية منها وتتجاوز نمطية طُرقها وأساليبها وللصورة الكلاسيكية المعرفو عنها وحتى داعش الحالي فقد تبين ان ذئابه المنفردة قد تجاوزت الصور النمطية الظاهرة في المجتمعات حيث اصبحوا يتبون في تحركاتهم المظهر الحداثي والارستقراطي عند التحرك او التحضير أو التنقل…
  • ان استهداف أوروبا يمثل رمزيا قدرة على تحقيق اهداف تكتيكية واستراتيجية للرُعاة وأصحاب الفكرة الذين يُفكرون لداعش (سواء كقيادات في سوريا والعراق والذين يختلط فيهم الأدوات المنفذة للقوى الراعية والممولة وبين قيادات تاريخية تطرفت تفكيرا ونمطا حياتبا والهروب من الهزائم الميدانية على الأرض في سوريا والعراق واليمن وليبيا وفي مالي وغيرها من بؤر التوتر المتعددة)، والسبب أن داعش لها نظريا 03 ملاجئ رئيسية ممكنة، أولها البقاء في المحاضن الرئيسية (سوريا – العراق – ليبيا )، ثم ثانيا اختيار توسيع المحاضن الجزئية – أي اين توجد بعض القيادات في بعض امارات صغيرة – على غرار نيجيريا أو اليمن او مالي او سيناء، اما ثالث المعاقل فهي البلدان المستهدفة مستقبلا على غرار بعض دول إفريقية او شرق متوسطية …
  • ستكون الاستراتيجيات المُحددة لتطورات الازمة الخليجية او طبيعة التخطيط للصراع المتوقع مع الصين خلال الأشهر والسنوات القادمة، أو طبيعة النظرة لمستقبل أوروبا محددا للرُعاة ( وهم متعددون طبعا)، مجالا لتحديد إمكانية استهداف أوروبا او تهديدها او بعث رسائل لها او تحديد طريقة استهداف بعض بلدانها خاصة وان الخمسة عشر سنة الاخيرة شهدت استهداف الإرهابيين أغلب دول أوروبا بدون استثناء …
  • الخلاصة:

يبقى تهديد “أبو إسحاق الفرنسي” و الملقب بـ”الفرنسي الأسود” خلال ظهوره فجأة في منبر احد أهم مساجد تلعفر العراقية، وتأكيده الخطابي ان “الحرب القادمة ستكون في أوروبا”، وكل ذلك ليس مجرد تهديد مثل أي تهديدات تطلقها التنظيمات الإرهابية في أفغانستان او اليمن او العراق او وسوريا او ليبيا في اكثر من مناسبة، باعتبار ان الإرهابي “أبو إسحاق” قيادي بارز في تنظيم داعش، بل هو أيضا شخصية يكتنفها الغموض حيال منصبه أو موقعه في هيكلية التنظيم لكن ظهوره في منبر صلاة الجمعة الأخيرة، بل أن الظهور فاجأ المتابعين لأنه ظهر وكأنه المسؤول الأول عن ولاية “تلعفر” بحكم ما أحاط به من حراس ملثمين…

إلا ان التهديد وظرفيته بعد التطورات في سوريا والعراق وليبيا وطبيعة التطورات خليجيا ودوليا يجعل الحدث مفصلي وراسم لمرحلة قد تكون جديدة بالنسبة للتنظيمات الإرهابية وتغير خططها جغرافيا بين القارات الخمس وبين البلدان خاصة في ظل الهزيمة القاتلة والمبيدة لقوى داعش على الأرض بالمعنى الاستراتيجي واللوجستي أيضا، وخاصة بعد مقتل البغدادي خلال الفترة الماضية، إضافة الى السقوط الفعلي لمسارات وخيارات كان التنظيم يضعها كحلول بديلة..

وفي الخلاصة فان داعش يستعد لمرحلة جديدة لعل اهم ملامحها الرئيسية هي انه استوفى شروط تواجده كتنظيم رئيسي من بين التنظيمات الإرهابية الأخرى، وعمليا ستظهر تنظيمات أخرى والتي من الطبيعي أن تكون أكثر خطورة واكثر براغمايتية ووحشية وخادمة للاستراتيجيات وخطط المُشغلين والمُمولين من اجل تركيع كل العالم  لغايات قوى رئيسية ولأهداف رسمتها بعض شركاتها العابرة للقارات والهادمة للقيم وللحداثة ذاتها …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  اعتمدنا على تقرير وكالة “استشيود براس” والذي نقلته أغلب الصحف العالمية والعربية

[2]  على غرار سحقه في يلبيا رغم الدعم المادي واللوجستي حتى من اطراف الصراع ومن حماية جوية من عدد من القوى الإقليمية التي وفرت له الغطاء والخدمات الإعلامية والسياسية المتعددة…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق