شمال إفريقيامجتمعمصر

ترهل التعليم الحكومي ينعش التعليم الخاص في مصر

 

 

أصبح الالتحاق بمدرسة أو جامعة خاصة في مصر، حتى وإن كانت تكاليفها السنوية عشرات الآلاف من الجنيهات، أمرًا صعب المنال، بل إن قبول الطالب في البعض من المدارس بات يتطلب تدخلا ووساطة قويّة من شدة الإقبال عليها، في ظل رفع الحكومة يدها عن الإيفاء بوعود توفير أماكن داخل المؤسسات التعليمية الحكومية للطلاب الجدد.

دفع التراخي الحكومي بشأن التوسع في إنشاء مدارس وجامعات جديدة إلى استفحال اقتصاد المدارس والجامعات الخاصة، مع بدء موسم التقدم للعام الدراسي الجديد، إذ أصبح التعليم الخاص البديل الوحيد أمام الطلاب بعدما اكتفت المؤسسات التعليمية الرسمية بالأعداد المطلوبة لديها.

ورغم وجود نحو 52 ألف مدرسة و15 جامعة حكومية موزعة على مختلف الأقاليم المصرية، إلا أن هذا العدد لم يعد كافيا إلا لاستيعاب 75 بالمئة فقط من عدد الطلاب المستجدين سنويّا، وبالتالي فهناك 25 بالمئة ليس أمامهم بديل سوى الالتحاق بالتعليم الخاص.

وأضحى التوسع في هذا النظام التعليمي (الخاص) يسير بخطوات سريعة للغاية، بعد إدراك المستثمرين في هذا المجال أن الحكومة لم تعد لديها قدرات مالية تمكنها من الوفاء بالتزاماتها ببناء مدارس ومعاهد وجامعات جديدة تحتضن جميع الطلاب المستجدين.

بلغت درجة الإقبال على الاستثمار في التعليم الخاص إلى حد أن هناك رجال أعمال بات يُطلق عليهم “الأباطرة” ويمتلك كل واحد منهم ما لا يقل عن 10 مدارس ومعاهد خاصة، ولأن ذلك ضد القانون يلجأون إلى حيل تسجيل ملكية هذه المؤسسات بأسماء أبنائهم وزوجاتهم بينما يكون رجل الأعمال هو الممثل القانوني لكل هذه المدارس والمعاهد، وبالتالي فإن التكاليف الدراسية تصب في خزينته الخاصة.

مشكلة المدارس والجامعات الخاصة في مصر تتمثل في عدم وجود ما يلزمها بالقواعد المنظمة للتكاليف الدراسية، وترى أن نسب الزيادة المقررة سنويًا من وزارتي التربية والتعليم، والتعليم العالي منخفضة للغاية وتسبب لها خسائر فادحة، الأمر الذي يدفعها إلى فرض زيادات غير قانونية لتحقيق هامش ربح كبير.

وأمام شح الأماكن في المدارس والجامعات الحكومية، وعدم وجود بديل سوى التعليم الخاص، تجد الأسر نفسها مضطرة إلى الرضوخ لدفع المزيد من الأموال نظير قبول أبنائها، كما أن أصحاب هذا “البزنس” يتعاملون وفق هذه القاعدة دون رقيب.

وتصل كثافة الفصل الواحد في المدارس الرسمية ببعض المحافظات إلى نحو 120 طالبًا، ما يعني أن هناك 4 طلاب يتلقون التعليم وهم يجلسون في مساحة متر مربع واحد، في حين يشترط القانون المنظم للمدارس الخاصة ألا يزيد عدد الدارسين بالفصل الواحد على 40 طالبًا.

وتتعامل الحكومة مع مسألة المصاريف بالتعليم الخاص بحساسية شديدة، وترى أنه لا يمكن زيادة المصاريف عن الحد المعقول حتى لا يضعها ذلك في مواجهة غير محسوبة مع المجتمع، ويفهم البعض أن ذلك مقدمة لخصخصة التعليم، أو أن الحكومة تخلت عن دورها في توفير تعليم مناسب بتكاليف منخفضة بل ومجانية لجميع فئات المجتمع حسب ما يلزمها به الدستور.

تتراوح تكاليف المدارس الخاصة في مصر سنويًا ما بين 6 آلاف جنيه (334 دولارا) للمدارس العادية و20 ألفا (1114 دولارا) للمدارس المتميزة ومعاهد اللغات، في حين تتضاعف في المدارس الدولية لتصل إلى نحو 200 ألف جنيه (حوالي 9 آلاف دولار) في العام الدراسي الواحد، إضافة إلى ثمن الكتب الدراسية ومعاليم وسائل النقل التي تمتلكها المدارس.

وتبدأ مصروفات الجامعات الخاصة من 30 ألف جنيه (1670 دولارًا) كحدٍ أدنى وتصل إلى 120 ألف جنيه (حوالي 5 آلاف دولار) ببعض الكليات، حسب تصنيف كل جامعة وترتيبها ومكانتها العلمية ومستويات الرفاهية داخلها.

وقال متابعون لواقع التعليم في مصر إن اكتظاظ المؤسسات التعليمية الرسمية بالطلاب ونظرة المجتمع للتعليم الحكومي على أنه منهار، فضلا عن اشتراط الحكومة سنًّا متقدمة للالتحاق بالمدارس الرسمية، كل ذلك يدفع الأسر إلى إلحاق أبنائها بالتعليم الخاص بغض النظر عن وجود شغورات في التعليم الحكومي أو عدم وجودها.

علاوة على ذلك فإن المدارس والجامعات الخاصة لا تشترط مجاميع درجات مرتفعة للالتحاق بها، وتحديدًا في مرحلة ما بعد الشهادة الإعدادية بالنسبة للتعليم قبل الجامعي، ومرحلة الشهادة الثانوية عند الالتحاق بالكليات والمعاهد.

وأكد رضا مسعد، الخبير التربوي، أن انخفاض مجاميع الثانوية العامة هذا العام، ووصول نسبة الرسوب بين الطلاب إلى 25 بالمئة، أنعشا خزائن الجامعات الخاصة، خاصة وأن الـ25 بالمئة من طلاب الثانوية العامة لا مفر أمامهم من الالتحاق بالكليات والمعاهد الخاصة في ظل ارتفاع تنسيق القبول بالجامعات الحكومية بشكل كبير.

عدد الراسبين في الثانوية العامة هذا العام، سواء من رسبوا في مادة واحدة أو عدة مواد، بلغ نحو 140 ألف طالب، حيث أن عدد طلاب الثانوية هذا العام كان 560 ألف طالب.

وأضاف مسعد لـ”العرب” أن ارتفاع التنسيق بالجامعات كان رسالة حكومية واضحة مفادها أن الدولة لن توفر بعد اليوم تعليمًا مجانيًا سوى للطلاب المتميزين فقط، لأنه لم يعد بإمكانها إنفاق مبالغ مالية طائلة طوال سنوات الجامعة على طلاب راسبين لا أمل في أن يكونوا من الذين تعول عليهم الحكومة في المستقبل، حيث أنهم يريدون مجرد الحصول على شهادات، ومن ثم بات على هؤلاء الالتحاق بالجامعات الخاصة.

وأشار إلى أن الحكومة تتعامل بنفس المبدأ تقريبًا مع أسر الأطفال الذين بلغت أعمارهم سن الالتحاق بالمدارس، ورسالة الحكومة هي: “هذه مدارسنا، وهذه قدراتنا المادية، ومن لا تعجبه الكثافة المرتفعة بالفصول، أو نوعية التعليم المقدم فيها، فليذهب إلى المدارس الخاصة ليحصل على تعليم مختلف وعليه أن يدفع مقابل ذلك آلاف الجنيهات، أما المدارس الحكومية فهي لأبناء البسطاء فقط”.

وبرهن بعض المراقبين لواقع التعليم المصري على أن الحكومة تدعم التوسع في التعليم الخاص بقوة، من خلال تذليل العقبات أمامه، وترى أنه البديل المناسب لتعويض النقص الشديد في المدارس والكليات الحكومية مقارنة بأعداد الطلاب كل عام.

وتتعامل الحكومة بتراخ شديد مع مسألة رقابة التكاليف الدراسية لإدراكها أن ذلك سوف يلزمها بدفع المليارات في إنشاء مبانٍ تعليمية جـديدة لتوفير بديل التعليم الخاص.

وحسب وزارة التربية والتعليم، فإن الحكومة إذا أرادت خفض الكثافة بالمدارس الرسمية فإنها سوف تحتاج إلى نحو 50 مليار جنيه لبناء 10 آلاف مدرسة جديدة خلال 3 سنوات، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة حاليًا تحول دون تحقيق أي خطوة ملموسة في هذا المجال خلال الفترة الراهنة.

ويمثل تطبيق القانون بحذافيره على المدارس الخاصة التي تغالي في التكاليف دون سند قانوني أزمة حقيقية، لأن ذلك يعني إغلاقها ومن ثم تشريد الآلاف من الطلاب في الشوارع لحين البحث عن مدرسة بديلة، وهو ما تتجنبه وزارة التربية والتعليم، ويجعلها تتعامل بليونة مع هذه المسألة المعقدة.

أحمد حافظ

المصدر: العرب ، العدد 10709، 2017/08/01، ص17

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق