تحاليلسياسيةشؤون إفريقية

بعد فشله في العراق وسوريا وليبيا : ما هو مستقبل تنظيم داعش الإرهابي في التمركز بالقارة الإفريقية؟

 

                 

 

 

علي عبداللطيف اللافي:

 

بعد تراجع نفوذه في العراق وسوريا و إعلان انهاء وجوده في مدينة سرت الليبية نهاية سنة 2016،  بدأ تنظيم داعش الإرهابي والقوى الداعمة له علنا أو من وراء الستار منذ أشهر، عن مساحات أخرى لينتقل اليها، أي أنه  من الثابت أن يبحث عن مناطق بديلة لإعادة هيكلة بنيته واستعادة نفوذه، سوى عبر إقامة دويلات جهادية جديدة مستغلا وموظفا لواقع تحول العديد من دول المنطقة إلى دول فاشلة فاقدة للسيطرة على أجزاء من أراضيها…[1]

ولكن السؤال الرئيسي ضمن المسارات المحتملة لداعش كتنظيم إرهابي، ما هو مستقبل تواجده التنظيمي والميداني في دول القارة الافريقية والتي كانت على الدوام محور صراع ونفوذ بين الدول الكبرى والقوى المتصارعة خلال العقود الماضية؟

  • داعش من حيث التعريف والبُنية:

لا شك أن تنظيم “داعش”، ليس مُجرد مُقاتلين يُسيطرون على الأرض والمناطق في دول تعيش وضع معقد لوجستيا و سياسيا وأمنيا، بل هو تنظيم يتشابك فيه الفكري بالسياسي وبالدعم الخفي لعدد من الدول عبر مسارات صيغت منذ سنوات، فبعض دُول تُسيطر على مفاصل التنظيم العليا عبر دعم مادي ولوجستي مُعقد وتتشابك فيه دول وتنظيمات وقبائل[2]، بينما الموارد المالية التي يجنيها التنظيم تُحدد معالم علاقاته مع أطراف ودول تُوفر له الأسواق لبيع المشتقات النفطية و مصادر الطاقة التي يُنتجها،  وتلك الموارد كانت تمد عمليا في عُمره التنظيمي وقُدراته على كل المستويات، بل وتُساهم في تفعيل نشاطاته الإرهابية  فضلا عن امدادات عسكرية ومالية تتوافد على التنظيم من دول مُتعددة، و هي إمدادات ظهرت و تظهر بشكل علني عبر الطائرات التي كانت تسقط دعما وعتادا من الجو في أكثر من منطقة وفي أكثر من بلد يخضع لسيطرة التنظيم وهذا ما تحدثت عنه قيادات في الجيش العراقي والحشد الشعبي مرارا عديدة في السنوات الماضية…

  • رُؤية التنظيم الإرهابي للقارة السمراء:

ذلك هو تنظيم داعش تعريفا وتفكيكا لبنيته الفكرية والتنظيمية والمالية، أما لكي نعرف مستقبله كتنظيم وخاصة في افريقيا، فلابد من التأكيد أولا أن مناطق انتشاره ونشاطاته تشير الى ان حركته ونشاطه ليس عبثيا، خاصة وأن عقله السياسي يستهدف مناطق ذات خصوصية وفاعلية كبيرة وهو ما سيفعله بالتأكيد لو توجه الى أفريقيا، ذلك أن هناك حديث في عدد من التقارير الدولية أن التنظيم يسعى لتعميم هذه التجربة في بلدان القارة الإفريقية وخاصة بلدان شمال افريقيا بل هو فعَل  نشاطه وحراكه في الأشهر الماضية للتحسيس والاختبار،  وطبعا ذلك الحراك له مؤشرات حساسة ومهمة حول مسار نشاط التنظيم وتوسيع انتشاره افريقيا ….[3]

و لا اختلاف في أن التنظيم وضع ويضع شمال افريقيا نصب عينيه في مخططاته الجديدة بل وسيخرج الى العلن مع تزايد تحركاته، حيث تعددت مثلا في تونس أنشطته عبر التجنيد الالكتروني وأفتكاك كوتة عددية من المتواجدين في الجبال عبر تأسيس تنظيم “أجناد الخلافة” أو بعث تنظيمات صغيرة أخرى على غرار “كتيبة الفرقان” أو “جيش العسرة” إضافة للذئاب المنفردة وعددا من الانغماسيين …

وإن ضعُف التنظيم لوجستيا في سوريا والعراق وليبيا فان الطموح في السيطرة على بعض دول من القارة السوداء وخاصة في شمالها، ولا شك أن العقل القيادي في “داعش” يُفكر بمنطق أنه  ستُتاح له إمكانية تحقيق اطلالة على المتوسط، خاصة وان قيادة التنظيم والمخططون له، لم ولن ينسوا فشل سيطرته على الساحل اللبناني في الشمال السوري، ذلك أن خيال قيادة التنظيم ترى ان تلك السيطرة تُمكن التنظيم من الفعل والسيطرة في مناطق حيوية في المتوسط وتهديد عمليات التبادل التجاري عبر المتوسط عبر التحكم بمرور السفن  واحداث المزيد من الضغوط الاقتصادية في منطقة حيوية جدا حيث يعتبر المتوسط البحر القابع في قلب العالم بوابة القارة الامريكية والطريق الاقصر على اسيا وأوروبا وافريقيا من الوسط  والرابط الاساسي للتبادل بين اوروبا واسيا وافريقيا، فضلا عما تُؤمنه هذه السيطرة من عائدات الترانزيت وتسهم في تسهيل حركة ونشاط التنظيم وتؤمن مرونة في وصول الدعم العسكري والمادي وتوزيعه على المناطق التي يسيطر عليها التنظيم في الشرق الأوسط…[4]

كما أن هناك عامل جذب اضافي يسعى داعش لتحقيقه عبر بسط نفوذه في شمال افريقيا أو في بعض الدول الافريقية الأخرى، ذلك العامل هو استكمال مسلسل السيطرة على منابع النفط ومصادر الطاقة في الشرق الأوسط، وسيكون ذلك عبر استهداف الموارد المتوفرة في مصر وليبيا حيث تمتلك  الدولتان مخزون نفط وغاز وافر جدا يشكل مطمعا لـــ”داعش” وأسياده  المسيرين والحقيقيين ووهم المخترقين لقيادته المسيرة له بل ومن يختارونها عمليا ….

  • مستقبل التنظيم افريقيا في أفق نهاية 2017 :

كُل العوامل سالفة الذكر في مقال الحال، تقف وراء الحراك الجديد والمفترض لداعش في افريقيا وخاصة شمالها، باعتباره منطقة حيوية، فانعدام الامن والاستقرار بدرجات متفاوتة في كل من مصر وليبيا وتونس ودول أفريقية أخرى،  وتواصل منطق استضعاف الدولة في هذه البلدان يوفر ارضية مناسبة ويشكل بيئة عمل خصبة للتنظيم المتغلغل والذي يتبع بشكل منهجي وعملي لمقولات كتاب “إدارة التوحش”، حيث أن البلدان الثلاث أي ليبيا وتونس ومصر، تُعاني من عدم ثبات حكوماتها أو تعددها في المثال الليبي، وهو الأمر الذي يحُول دون استقرارها واستتباب الامن فيها ويزيد من الضغوط الاقتصادية ويشتت الجهود والقدرات الامنية والعسكرية لمواجهة تمدد وتغلغل التنظيم داخل مجتمعاتها وهو ما ينطبق على دول افريقية تماسك الدولة فيها أضعف بكثير من مصر وليبيا وتونس …

ان هناك مرام عديدة وغايات استراتيجية لقوى إقليمية ودولية من أجل نقل داعش مركزيا أو كنواتات ودويلات جهادية أو اعلان ولايات تابعة لقيادة داعش المركزية وان كانت المعطيات الحالية تُرجح صعوبة تحقق ذلك في افق سنة 2017 فإن بعض مؤشرات توحي ان الاحداث قد تتطور دراماتيكيا نتاج خيارات أو أخرى او مآلات وتطورات لم تكن منتظرة وستكون مرحلة ما بعد 20 جانفي 2017، أي فترة ما بعد تسلم “ترامب” للسلطة في الولايات المتحدة الأمريكية ومدى المتغيرات التي سيحدثها على الاستراتيجيات الأمريكية في المنطقة وبعضها مُسطر منذ عقود، تبقى درجة تلك المتغيرات دافعة ومُرجحة الى أي مدى من الممكن أن يتواجد التنظيم الإرهابي داعش في الساحة الافريقية، و لاعبا رئيسيا في استقرار دولها وعلاقاتها ومستقبل شعوبها…

والثابت أن نهاية 2017 ستكون منطلقا جديدا للعلاقات الافريقية – الافريقية وفي رسم افريقيا جديدة ولكن في أي اتجاه ووفقا لأي خارطة واي استراتيجيا ذلك أن الإرهاب وتنظيماته هو آلية الحرب الجيدة على الشعوب والبلدان وكل الإنسانية؟

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  – لفهم مختلف مسارات التنظيم وخياراته تجاه القارة السمراء أنظر مقالنا التحليلي،   “مُستقبل لتنظيم “داعش” الإرهابي في إفريقيا في أفق سنة 2017″  – موقع الزيتونة بتاريخ 01 جانفي 2017

[2]  – لتبين ذلك بأكثر دقة يمكن مراجعة مقالنا “داعش ليبيا : تنظيم تابع أم مخترق” ، صحيفة الفجر التونسية وموقعها الالكتروني، و نشر أيضا بموقع المغاربي  للدراسات والتحاليل بتاريخ 22 أوت – أغسطس 2015

[3] –  يمكن مراجعة مقالنا حول دور الجهاديين في القارة السمراء من خلال المثال الليبي، في مقال “من يريد افشال الحوار الليبي المحين لاتفاق الصخيرات” موقع الزيتونة بتاريخ 29 جانفي 2017

[4]  – مقال داعش وتوسيع نفوذه في شمال افريقيا _ أهداف وتداعيات، موقع الوقت بتاريخ 12 جمادى الأولى 1436

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق