اصدارات

”الفقراء الجدد سوسيولوجية القهر والحيلة”: الفقر يتمدد في مصر وتجارب التغيير تستمر في الفشل

 

يرصد الباحث المصري صلاح هشام في كتابه “الفقراء الجدد سوسيولوجية القهر والحيلة” حالة المصريين في ظل الأزمة المعيشية الراهنة وتداعيات ثورة 25 يناير إذ صاروا يعالجون المشكلات بالمزيد من المشكلات، ويواجهون الكوارث بالمزيد من الكوارث؛ وتخلّوا عن ثقافة الادخار للغد، الذي ربما تصوروا أنه لن يأتي، وأنه إن أتى فربما لا يكون الأفضل، فَقلت مجهوداتهم على العمل، وأصبحت الحياة عندهم لحظة أرادوا أن يغتنموها بكل ما فيها، الأمر الذي يجعلنا لا نستغرب فبعد ثورتين كبيرتين راح ضحيتهما ما راح بلغت تكلفة الفساد 600 مليار جنيه.

 أطلقت الحكومة المصرية جملة من “الإصلاحات” الاقتصادية فرضها صندوق النقد الدولي مقابل ما يقدّمه من قروض للدولة. لكن، ومع مع كل “إصلاح” تفرضه الحكومة لإرضاء المؤسسة النقدية الدولية تزيد من درجة الأزمة المعيشية التي يعاني منها المصريون وترفع من عدد الفقراء في البلاد.

ويقدّر الخبراء أن أكثر من 30 مليون مصري دخلوا حديثا تحت خط الفقر المدقع. ويدفع هذا الوضع بالباحث صلاح هاشم إلى التساؤل: ماذا لو استمرت الحكومة في تحاملها على الفقراء؟ وكيف يمكن للدولة أن تتخطى التحدي الذي يواجه استقرارها من خلال التعامل مع قضايا هذه الفئات واحتياجاتهم وتحسين أحوالهم المعيشية وفي نفس الوقت تحقيق إصلاحاتها وتنفيذ برامجها؟

الفقراء الجدد:

يطلق صلاح هاشم، أستاذ التنمية والتخطيط بكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة الفيوم، على هذه الفئة من المصريين الفقراء الجدد، وهو توصيف بات يستعمل للدلالة إلى طبقة اجتماعية تطورت في السنوات الأخيرة من خلال انتقال فئة من المجتمع من الطبقة المتوسطة إلى طبقة الفقراء. ويركز هاشم على هذه الطبقة من خلال كتاب حديث صدر له عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بعنوان “الفقراء الجدد سوسيولوجية القهر والحيلة”.

ويأتي الكتاب كحلقة جديدة من سلسلة الكتب التي يصدرها هاشم وتلقي الضوء على المعاناة الاجتماعية التي تقع على عاتق المواطن جراء الغلاء والسياسات الاقتصادية التي تتخذها الحكومات المتعاقبة.

فقراء الكتاب كما أوضح الباحث ليسو الفقراء الذين وصفهم المناضل الشيوعي هنري مايو “بأنهم من سلالتين مختلفتين”، وخوّل لكل سلالة منهما السلطة الكافية في التعامل مع الأخرى واختزل استمرار تعايش السلالتين في الوطن الواحد في قدرة كل منهما على التحايل على قهر الأخرى، وإنما الفقراء هنا “هم عامة الشعب الذين لا يختلفون عن ملاك المال والسلطة سوى في جودة الحياة”.

لا يهتم الباحث بمناقشة مفاهيم الفقر، إلا أنه يركز بشكل كبير على طبيعة الممارسات والتدابير التي تتخذها الدولة في التعامل مع الفقراء والتي رغم أنها تبدو بريئة في ظاهرها، بيد أنها تدفع في أحايين كثيرة إلى الإبقاء على الفقراء. ويرى أن قليلا من المفكرين الذين يوافقون على اعتبار نقص القوة في التأثير على النسق السياسي أو لمواجهة سياسات التحيّز والاقصاء هو تعرف كامل للفقر، إذ أن الفقراء عادة ما يفتقرون إلى القوة، والقوة أيضا عادة ما تستمد من مصادر مختلفة، كالوجاهة والسيطرة والسلطة والسلطة والنفوذ، إذا فهم يفتقرون إلى القوة بكل معانيها، فهم لا يملكون الموارد ليصبحوا من الوجهاء، ولا يمكنهم معاقبة الآخرين اقتصاديا ولا اجتماعيا ولا سياسيا إلا من خلال الانتخابات. هذا في حالة إذا كانت الانتخابات نفسها تتم بطريقة نزيهة.

الإقصاء المتعمد:

القضية الأساسية التي يتناولها الباحث تدور حول التهميش والإقصاء المتعمد لطوائف الفقراء على مدار التاريخ وفي شتى ملفات التنمية وفي مختلف قطاعات الحياة، وما إذا كانت الدولة بالفعل وعلى مدار تاريخها الطويل تبنت سياسات اجتماعية واقتصادية جادة لمحاربة الفقر، أم أن سياساتها كانت تستهدف في الأساس محاربة الفقراء. أيضا تطرح البعض من مقالات الكتاب تساؤلات أهمها: هل استكان الفقراء لاستبعاد الحكومات أم أنهم قاموا بثورات اجتماعية عديدة ومارسوا حيلا عديدة للتعايش مع السلطات المجحفة للحكومات وذلك لا لشيء سوى ليعيشوا في وطن آمن؟

يعتبر الباحث أن وجود الفقراء ييسر الممارسة السياسية ويعمل على استقرارها، فمشاركتهم السياسية كانت ضعيفة، وبالتالي فإن اختياراتهم السياسية كانت محدودة، حيث يضطرون إلى بيع أصواتهم إلى مرشحي حزب بعينه.

وفضلا عن ذلك فإن وجود الفقراء يتيح الفرصة للأغنياء لكي يشغلوا أنفسهم بعديد من الأنشطة الاقتصادية التي تعود عليهم بالفائدة، كما أنهم يدفعون نسبة عالية من دخولهم في الضرائب، وهم بالتالي يساهمون أكثر من غيرهم في الخدمات الحكومية التي يستفيد منها عادة الجماعات الأكثر امتيازا في النظام.

ويدعم الفقراء المستحدثات في الممارسات الطبية، حيث يستخدمون كحقل للتجارب في المستشفيات التعليمية والبحثية.

استخدمت الدولة المصرية على مدى التاريخ أسلوبين لـ”تركيع” الشعوب، الأول تجهيل الشعب كما حدث قديما في العصر الروماني وحديثا في عهد الخديوي إسماعيل، والثاني قهر الشعب وتجويعه من خلال تطبيق حزمة من السياسات الضريبية التي تستنزف قدرة الشعب على إشباع احتياجاته أو لجعله منشغلا عن أمور الحكم والسياسة بالبحث عن لقمة العيش.

يلفت صلاح هاشم إلى أن معظم الأنظمة الضريبية التي اتبعتها الأنظمة الحاكمة لم تفض إلى تحسن ملحوظ في حياة المصريين بل عادة ما كانت تنقلهم من سيء إلى أسوأ. فعادة ما كانت هذه الضرائب تتعرض للسرقة من كبار المسؤولين في الدولة والقائمين على جبايتها دون رادع أو رقيب، مما تسبب في إفلاس الدولة وبالتالي فرض المزيد من الضرائب تحت مسميات مختلفة، رغم أن الدولة لم تعد قادرة على تقديم خدمات تستحق أن يجمع لها ضرائب، وبالتالي فإن لم يقابل فرض الضرائب بتحسن في حياة الشعوب، فإن فرضها يعدّ نوعا من الاستعباد.

ويقول هاشم إنه في مصر قام الشعب بثورتين تصور في كليهما أن تغيير النظام هو الحل، وأن النظام متجسد في شخص واحد أو جماعة واحدة، وحقيقة الأمر أن المشكلة ليست في الشخص الحاكم، وإنما في النظام الذي تدار به البلاد. فإذا كانت الثورات العربية قد أطاحت بحكام مفسدين، قإن الواقع يشهد أنها فشلت جميعها في الإطاحة بالأنظمة المستبدة. والتنمية في مصر لا تزال متخلفة يجرها قطار تقوده حكومات تركب نفس العربات، والمتجسد في سياسات بالية عجزت عن فهم حقيقة التنمية وآليات تحقيقها، فأصبحت مصر دولة تقوم التنمية فيها على الاقتراض والاستدانة: فتقوم الدولة بالاقتراض من الخارج لتقرض بالداخل، وتتحول الدولة من مسؤول أول عن التنمية إلى وسيط تقترض أموالا من الخارج لتقرضها لمواطنيها بـفائدة أعلى بالداخل وتصبح معضلة التنمية في مصر تكمن في إمكانية تحرير الدولة من استراتيجية الدائن المدين.

ويضيف أن الفقر يزداد حدة في مصر لدرجة أن هناك فئات عريضة تجاوزت خط الفقر ووصلت بجدارة إلى خط الاحتياج، لكن لا يريد الحديث عن ثورة جياع، حيث أن الثورات لم تقدم يوما إنجازا ملحوظا لصالح الفقراء الذين لم يثوروا في الأصل وإنما ثار غيرهم عنهم بالوكالة. لكن في حال استمرار الحكومة والنظام في تجاهلها لجملة الإحباطات التي يعيشها المصريون الآن، واستهانت باستهانتهم للموت، وإن لم تتمكن الحكومة من إعادة تشكيل معنى الحياة لديهم فإن أرصدة الديون لن تتوقف عن التزايد، وعجلة التنمية لن تتحرك إلى الأمام.

محمد الحمامصي

المصدر: العرب ، العدد 10732، 2017/08/24،ص7.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق