تونسرأيشمال إفريقيا

هل يتواصل الانتقال الديمقراطي في تونس رغم العثرات؟

منذ يناير 2011، ما فتئت عديد الأصوات تتحدّث عن فشل تجربة الانتقال الديمقراطي في تونس، وأخرى تروج لشيطنة التغيير والحنين إلى إعادة إنتاج ما قبل ثورة الياسمين، مستغلين كل مناسبة يعرف فيها هذا البلد العربي بعض العثرات والانتكاسات في طريق حلم شعبه المشروع، إلا أن الانتقال مازال متواصلا مسجلا عديد النجاحات التي أخفقت باقي دول الربيع العربي في الوصول إليها وتحقيقها، لتظلّ تونس الشمعة المضيئة المتبقية من هذا الربيع.

نجاحات تمت بفضل سياسة الحوار والتوافق التي انتهجها الفرقاء السياسيين فضلا عن تنازلات كبرى قامت بها أحزاب حتى لا تنزلق التجربة “الاستثنائية” عن مسارها الطبيعي رغم الإقلاع الذي شابه بعض الخور، والمطبات العديدة التي مرت بها التجربة من اغتيالات واحتجاجات في الشوارع وتباطؤ في تنفيذ استحقاقات الثورة.

انتكاسات عدّة:

ثورة تونسية عرفت منذ انطلاق شرارتها الأولى في مدينة سيدي بوزيد (وسط) حيث أقدم شاب يدعى محمد البوعزيزي ممن يعانون البطالة والفقر على الانتحار مضرما النار في جسده أمام الجميع، عديد الانتكاسات والعثرات لكنها بقيت صامدة، صمود شعب حطّم حاجز الخوف مقدما على التضحية، شعب يرنو إلى الحرية والانعتاق من الديكتاتورية التي جثمت على صدره لعقود من الزمن.

الانتكاسة الأولى كانت بتعيين رئيس برلمان بن علي فؤاد المبزع في منصب رئيس الدولة، ليلة سقوط زين العابدين بن علي وهروبه من قصر قرطاج نحو المملكة العربية السعودية، وتعيين الوزير الأول لحكومة بن علي رئيسا للوزراء، في مرة أولى وثانية، وأعقبها استدعاء الباجي قائد السبسي من الأرشيف وتكليفه بتشكيل حكومة جديدة، في محاولة من بقايا النظام الالتفاف على مطالب الشعب التونسي الذي بقي في الساحات ينادي بمجلس تأسيسي يؤسّس من خلاله جمهوريته الثانية التي تقوم على مبادئ الديمقراطية والتعددية.

الانتكاسة الثانية، كانت يوم انقسام الشعارات في اعتصام القصبة2 (أمام قصر الحكومة)، وبداية تفكّك هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات التي شَكّلت في وقت ما تجربة فريدة للعمل السياسي المنسّق ومخبرا للحوار بين القوى السياسية المختلفة في وجه نظام الديكتاتور بن علي، وتدعم هذا الانقسام يوم فازت حركة النهضة بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي في الـ 23 من شهر أكتوبر 2011، ورفض رفقاء الأمس الانضمام إلى حكومتها الائتلافية رغم تعدّد الدعوات إلى ذلك، واختيارهم المعارضة يوم كان على الجميع الاصطفاف جنبا إلى جنب في وجه النظام السابق للتأسيس للجمهورية الثانية خدمة لتونس.

الانتكاسة الثالثة والأبرز، كانت يوم السادس من فبراير 2013، يوم قتل السياسي اليساري شكري بلعيد بأربع رصاصات واحدة بالرأس وواحدة بالرقبة ورصاصتين بالصدر أمام منزله من قِبل مجهولين في حادثة وُصِفت بأنها “أول عملية اغتيال سياسي” داخل تونس منذ استقلالها عن فرنسا في 20 مارس 1956.

احتجاجات أعقبت اغتيال شكري بلعيد

اغتيال سياسي مثّل فاجعة كبيرة لتونس، دخلت البلاد على إثره في فوضى وانفلات أمني وعرفت خلالها تونس تجاذبات سياسية كبيرة بين الائتلاف الحكومي وأنصاره من جهة والمعارضة وأنصارها من جهة أخرى، تجاذبات كان سببا لدعوة أطلقها رئيس الحكومة في ذلك الوقت حمادي الجبالي ترمي إلى تشكيل حكومة كفاءات وطنية مصغرة وغير مسيسة خلال 24 ساعة، الأمر الذي فشل فيه وأعلن على إثره استقالته من رئاسة الحكومة التونسية، ليخلفه علي العريض.

الانتكاسة الرابعة، كانت يوم الـ 25 من شهر يوليو 2013، يوم اغتيل النائب في المجلس التأسيسي، المعارض القومي محمد البراهم، أمام منزله، لتعلن بعدها مجموعة من الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني في تونس تأسيس جبهة الإنقاذ الوطني للانقلاب على الشرعية وإسقاط الحكومة وحل المجلس الوطني التأسيسي والقيام بانتخابات جديدة.

جبهة الإنقاذ التونسية لم تتوقف عند هذا الحد، بل عبرت عن استعدادها لدعوة الشعب التونسي للعصيان المدني السلمي دون المساس بالخدمات الاجتماعية والصحية الدنيا وحركة المرور، كما حملت حركة النهضة كامل المسؤولية عن أي استفزاز ضد الحراك الشعبي حينها، موضحة أن مهمتها تكمن في تشكيل الهيئة الوطنية العليا للإنقاذ الوطني الممثلة للأحزاب السياسة ومكونات المجتمع المدني التي ستتولى بالاستعانة مع خبراء القانون الدستوري، استكمال صياغة الدستور في ظرف شهرين يعرض على الاستفتاء الشعبي وتشكيل حكومة إنقاذ وطني محدودة العدد لا تترشح في الانتخابات القادمة، في محاولة منهم لاستنساخ التجربة المصرية ، إلا أن ذلك لم يتحقق رغم التحاق عشرات الآلاف بالاعتصام في مناسبات عديدة، فالأوضاع مختلفة والجيش ملتزم بالحياد ولم يعرف عنه مشاركة سابقة في الحياة السياسية مثل نظيره المصري، كما أن اختيار “مهدي جمعة”رئيسًا للحكومة، كان بمثابة سحب البساط من تحت الانقلابين.

الانتكاسة الخامسة، كانت يوم السادس والعشرين من شهر أبريل 2014، حيث أسقط نواب المجلس التأسيسي الفصل 167 من مشروع قانون الانتخابات الذي ستنظم وفقه الانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، والذي ينصّ على أنه “لا يمكن أن يترشح لانتخابات مجلس الشعب كل من تحمل مسؤولية صلب الحكومة في عهد الرئيس بن علي باستثناء من لم ينتم من أعضائها إلى التجمع الدستوري المنحل”، مشروع قانون كان الهدف منه منع منتسبي نظام الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي من المشاركة في الانتخابات وفي الحياة السياسية لتونس بعد الثورة، لكن تطورات الأحداث التي مرت بها البلاد والاحتقان الذي حولها إلى ساحة للعنف السياسي، أجبرت نواب التأسيسي على اسقاط هذا الفصل الذي تخشى تونس من عواقب تمريره.

انتكاسات كبيرة نتيجة العمليات الإرهابية التي عرفتها البلاد

الانتكاسة السادسة، كانت الأربعاء الماضي، حيث صادق البرلمان على مشروع قانون المصالحة الإدارية الذي يعتبره معارضوه، أنه يمثل خرقًا للدستور وقانون العدالة الانتقالية ومنظومة كشف الحقيقة التي تقتضي فضح منظومة الفساد والاستبداد والتفريط في مصالح البلاد، وكشف خيوطها كاملة ومحاسبة المتورطين فيها بهدف منع تكرارها ومنع أي محاولة للإفلات من العقاب وتأسيسًا للمنظومة الديمقراطية المنشودة التي تقتضي المحاسبة والاعتذار قبل المصالحة والتجاوز.

وبين هذه الانتكاسات، انتكاسات وعثرات عدّة كانت نتيجة عمليات إرهابية استهدفت جنود تونس وأمنها الوطنية وسياح أجانب يزورون البلاد للتعرف عن كثب على تجربتها الديمقراطية والتمتع بجمال معمارها وطبيعتها ورقّة أهلها ودماثة أخلاقهم.

مسار متواصل:

أغلب هذه الانتكاسات حدثت في عهد حكومة الترويكا بقيادة حركة النهضة التي علمت أنّ التأسيس مهمة شاقة وليس في مأمن من الانتكاسات، التي تقودها قوى ترفض التغيير وتعاديه، لأنه في النقيض مع مصالحها. لذلك فرغم هذه الانتكاسات والتراجعات فإن مسار الثورة التونسية لم يتوقف ومازال يبحث عن الطريق الأمثل للنجاح، فالثورة تحفر أعمق من النظام القديم لأنها تحفر مجرى جديدا في أفق التاريخ.

نجحت البلاد في محطات عدّة، ونجت من مجازر جماعية وانقلابات على المسار الديمقراطي كان يخطّط لها البعض إن لم يحصل على مراده، فكان الحل، حسب عديد السياسيين، أن تعطيه ما يريد، فالمهم نجاح التجربة وترك الكلمة بعد ذلك إلى الشعب صاحب السيادة.

فهمت حركة النهضة الرسالة المصرية وفقهتها جيدًا، والتي مفادها أن المجتمع الدولي لن يكون معارضًا لأي انقلاب أو محرقة يكون الإسلاميون طرفًا فيها، فبدأت بالتنازل عند كل انتكاسة تعرفها البلاد لصالح النظام القديم الذي تعزّز بأحزاب ووجوه سياسية يسارية جديدة بعد ما حدث في ميداني رابعة والنهضة في مصر، وقررت الحركة الأولى في تونس الجلوس على طاولة الحوار مع النظام القديم وما لفّ لفه بعد أن تلقت ضمانات محلية ودولية.

صحيح أن البلاد لم تحقق نتائج اقتصادية مهمة، لكن يحسب لها أنها قدمت للعالم ثلاثة انتخابات ديمقراطية نزيهة وفقا للمعايير الدولية في المنطقة العربية، انتخابات قطعت مع الماضي وأساليبه القذرة في تنظيم الانتخابات، حيث سهر على تنظيمها هيئة مستقلة، وصفها مراقبو البعثات الدولية بـ “الشفافة” وذات “المصداقية”، عزز شعب تونس من خلالها التزامه الديمقراطي، ودستورًا توافقيًا أشادت به دول العالم لحداثته وما تضمن من فصول ثورية.

كما يحسب لتونس تسجيلها انتقالا سلميا للسلطة قل نظيرها في البلدان العربية حيث تعاقب 3 رؤساء على قصر قرطاج، فؤاد المبزع تسلم مقاليد قصر قرطاج في الـ 15 من يناير عقب هروب الطاغية بموجب الفصل 57 من الدستور التونسي لسنة 1959 قبل أن يتم تعليق العمل به، ليعطي مقاليد الحكم بعد انتخابات أكتوبر 2011 للرئيس محمد المنصف المرزوقي الذي انتخبه نواب تونس في المجلس الوطني التأسيسي، رئيسًا للدولة، ثم تلاه الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي، بعده فوزه في الانتخابات الرئاسية في أكتوبر2014. إضافة إلى هؤلاء الرؤساء الثلاث، عرفت تونس بعد الثورة 9 حكومات تعاقبت على قصر الحكومة بالقصبة، و6 رؤساء وزراء.

إشادات دولية على نجاح التجربة التونسية

ويسجّل لتونس أيضا، دسترة الحريات وحقوق الإنسان، وتأسيس عشرات الأحزاب السياسية بتوجهات فكرية مختلفة، خاضت محطات انتخابية حرة بوأت بعضها تصدر المشهد التونسي، بعد أن كانت قياداتها في دهاليز الداخلية، نسمات الحرية طالت أيضًا الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، فتأسست آلاف الجمعيات برؤى عديدة وشمل نشاطها مختلف فئات المجتمع التونسي، وتمكن بعضها من خلق توازن اجتماعي وسياسي، حيث كانت المنظمات المدنية راعية للحوار الوطني ووسيطة، ونجحت في إنقاذ تونس من براثن أزمة حقيقية وتوجت جهودها بجائزة نوبل للسلام.

والأهم من كل ذلك، فقد نجح التونسيون خلال هذه السنوات في تحويل الصراع بين قوى اليمين واليسار من سجال أيديولوجي إلى سجال سياسي قائم على المؤسسات والاحتكام إلى المنظمات، وخلق تعددية سياسية وفكرية وثقافية، تزامن مع إنشاء هيئات دستورية تشمل حقوق الإنسان والمجال الانتخابي ومكافحة الفساد والانتقال الديمقراطي والإعلام.

نعم توجد إخفاقات وخيبات أمل وانتكاسات عرفتها الثورة التونسية، لكنها تبقى حدثًا بارزًا في ارتباطه بقدرة الشعب على التعبير والانتفاض على السائد وتحقيق إرادته، فكانت له الحرية التي نادى بها وتحقق لهذا الشعب الذي ظل يعاني لعقود طويلة من الديكتاتورية، مكاسب عدة في مجال حرية التعبير، مكن صحافته من احتلال المرتبة الأولى عربيًا في مؤشر منظمة مراسلون بلا حدود لحرية الصحافة، في السنوات الأخيرة.

عائد عميرة _ انون بوست  2017/09/15

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق