الجزائررأيشمال إفريقيا

الاستقواء بالجيش لخوض معركة الشغور الرئاسي في الجزائر

 

 

تعيش الجزائر في هذه الفترة على وقع إثارة عدة قوى وشخصيات سياسية شكوكا حول أهلية الرئيس عبد العزيزبوتفليقة لقيادة الدولة الجزائرية، إذ طالبت أحزاب وشخصيات سياسية وتنظيمات مدنية، كحزب «جيل جديد»، و«طلائع الحريات»، ووزير التجارة السابق نور الدين بوكروح والكاتب الإعلامي أحميدة العياشي، في الفترة الأخيرة، المؤسسة العسكرية الجزائرية بالتدخل لتفعيل مطلب تطبيق بند المادة 102 من الدستور والتي تنص صراحة على أنه :«إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا، وبعد أن يتثبّت من حقيقة هذا المانع بكلّ الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التّصريح بثبوت المانع»، بسبب غياب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة عن المشهد السياسي في البلاد،وإنهاء ما يعتبرونه حالة «انهيار الدولة»،وتلاعب محيط الرئيس بوتفليقة بمؤسسات الدولة وتداخل العلاقات الوظيفية وهيمنة رجال المال والنفوذ على الدولة وتغولهم في المشهد السياسي، في أعقاب التطورات الدراماتيكية التي شهدتها الجزائر في الفترة الأخيرة، خاصة عقب إقالة رئيس الحكومة السابق عبد المجيد تبون وثلاثة من الوزراء، واستخلافه برئيس الديوان الرئاسي أحمد أويحيى.

وقد ردّت قيادة الجيش الجزائري بلهجة حادة على هذه المطالبات ، من خلال نشرها افتتاحية «مجلة الجيش» الناطقة الرسمية باسم الجيش في عددها شهر سبتمبر/ أيلول الجاري بإيضاحٍ لمن يطالبون بانقلاب عسكري ،وجاء فيها مايلي: «لكل من يطالب، سرًّا أو جهرًا أو ضمنيًا بالانقلابات العسكرية، نذكر بأن جيشنا سيضل جيشًا جمهوريًا ملتزمًا بالدفاع عن السيادة الوطنية وحرمة التراب الوطني، حافظًا للاستقلال، جيشًا لا يَحِيدُ أبدًا عن القيام بمهامه الدستورية مهما كانت الظروف والأحوال».وهاجمت المجلة من وصفتهم بـ «الأقلام المأجورة»، التي «خاضت في كل المواضيع والاختصاصات، من الشريعة إلى التاريخ مرورا بعلم الفلك والسياسة والاقتصاد وغيرها من المعارف والعلوم، وعندما أخفقت وفشلت تيقنت من عجز فكرها ومحدودية تأثيرها عرجت على مؤسسة الجيش، معتقدة أنه بتلفيق التهم وتزوير الحقائق وسرد التعاريف الأكاديمية المملة والاستعانة بالكنايات والاستعارات والسجع والطباق، سيفرش أمامها البساط الأحمر، وسيصطف الشعب يهلل ويصفق وسيصنفها في خانة الأبطال والصالحين».

فالرئيس بوتفليقة الذي وصل إلى رئاسة الدولة في أكتوبر سنة 1999 بوساطة العسكر – الانتخابات الشعبية كانت شكلية – بدأ منذ الأسابيع الأولى لتوليه رئاسة الجزائر في فتح بعض الملفات المقفلة التي طال انتظارفتحها. فكانت تجربة التعايش بين الرئيس الجديد و«المقررين» داخل الجيش، يشوبها التوتر، بسبب تنازع الصلاحيات، فترة ولايته الأولى بين عامي 1999 و2004. بيد أنه منذ إعادة انتخاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في 8أبريل/نيسان 2004بنسبة 84.9%، وحصوله على «الشرعية الشعبية»، دقت ساعة أفول المؤسسة العسكرية كصانعة للرؤساء في الجزائر. وتحرر الرئيس بوتفليقة و معه الفريق الذي يعمل معه لاسيما يزيد زهروني وزير الداخلية السابق و الرجل الثاني في المخابرات الجزائرية لفترة طويلة، من وصاية الجيش على مؤسسة الرئاسة، و قرر أن يكون الرجل القوي في الولاية الرئاسية الثانية عبر إمساكه بيديه القرار في الجزائر، و إعادة صياغة الحياة السياسية في هذا البلد عبر تغيير المعادلات والموازين في القوى السياسية، بما يدعم مؤسسة الرئاسة على حساب المؤسسة العسكرية.

فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة يمتلك رؤية سياسية مغايرة لرؤية «المقررين في الجيش»لاسيما حول موضوع السلم الأهلي و الوئام الوطني. فهو يعتبر أن«سياسة الاستئصال» لم تعد ملائمة للمرحلة الجديدة التي دخلت فيها الجزائر، بعد أن حجمت الجماعة الإسلامية المسلحة، و عادت الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى دائرة العمل السياسي السلمي، و أن سياسة «الوئام الوطني» التي لم تطبق في الماضي بشكل كامل ، بات وضعها على سكة تطوير الاستقرار و التنمية في الجزائر أمرا ً ضروريا ً .

وكانت أولى مفاجآت نتائج الاستحقاق الانتخابي في الجزائرتقديم الفريق محمد العماري رئيس أركان الجيش الجزائري يوم الإثنين 3 آب 2004 استقالته رسميا ً «لأسباب صحية»، إلى الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي يتولى حقيبة الدفاع أيضا في الحكومة الجزائرية.و جاء في إعلان بيان الرئاسة الجزائرية أن الرئيس قَبِل الاستقالة، وعين قائد القوات البرية اللواء صلاح قايد أحمد قائد خلفا له، الذي يشغل الآن رئيس هيئة الأركان في الجيش الجزائري.. و كان الفريق محمد العماري ينتمي إلى مجموعة ( الجانفيريست-الينايريين)، أي مجموعة الضباط الكبار في الجيش الجزائري الذين أرغموا الرئيس السابق الشاذلي بن جديد على الاستقالة عقب الفوز الكاسح للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى من الانتخابات التشريعة في نهاية عام 1991 ، و إلغاء تلك الانتخابات أصلا مع بداية عام 1992، تحت حجة «حماية النظام الجمهوري» من الانهيار، ومنع تسليم السلطة في الجزائر إلى الإسلاميين.

وبعد أن رحل محمد العماري في صيف عام 2004، كما حصل لرفيقه من «حزب فرنسا» الفريق خالد نزار من قبل ، جاء دور الجنرال العربي بلخير الذي كان يشغل مدير ديوان الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ، إذ عينه بوتفليقة آنذاك سفيرا ً مفوضا ً فوق العادة، بالمغرب.وبعد رحيل الجنرال العربي بلخير،طرح المحللون السياسيون في العالم العربي السؤالين التاليين:هل ربح بوتفليقة معركته مع المؤسسة العسكرية؟ و هل دخلت الجزائر مرحلة جديدة يسيطر فيها الساسة المدنيون على القرار السياسي فيها بعد 42عاما من احتكارالجيش له؟

لقد أصبح الرئيس بوتفليقة مسيطرا بصورة كلية على المؤسسة العسكرية، وعلى إدارة السياسة الخارجية، وحتى المتحكم في توزيع الريوع النفطية، لكن هذا قد تم في إطار التسوية التاريخية مع المؤسسة العسكرية، التي تضمن لها بقاء امتيازاتها الاقتصادية والسياسية،وحتى القضائية ، التى استمدت روحها من القوانين التي سنّها بوتفليقة للخروج بالجزائر من الحرب الأهلية الدامية التي تعرف في الذاكرة الوطنية بالعشرية السوداء.

ثم استكمل الرئيس بوتفليقة دائرة السيطرة على المؤسسة الأمنية، من خلال إقالة الجنرال توفيق مدين الرجل القوي في الجزائر (76سنة) في شهر سبتمبر/أيلول 2015، وهوالذي استلم رئاسة جهاز المخابرات العسكرية منذ 1990،وتعيين مكانه اللواء بشير طرطاق،وهو مستشارالرئيس للشؤون الأمنية على رأس المخابرات،تُعَّبِدُ الطريق بصورة جذرية أمام الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والمقربين منه من أجل تنطيم خلافته بعد سيطرتهم بشكل كامل على الجيش والمخابرات.ويمكن القول إنّ إقالة الجنرال توفيق لم تكن قراراً ارتجالياً ، بل إنّها تدخل في سياق التغييرات الأخيرة التي شهدتها وتشهدها المؤسسة العسكرية ، والتي تؤكد أمرين: الأول أنه أصبح لرئاسة الجمهورية اليد الطولى على كل مؤسسات الدولة، وأصبح الرئيس بوتفليقة طليق اليد لينفذ السياسة التي يرتئيها للبلاد ، والثاني أنه سيتم تسريع خلافة الرئيس ، من دون أن يعني ذلك أن الرئيس بوتفليقة يرشح شقيقه السعيد لخلافته، بل ربما أراد فقط أن «يضمن حماية أقاربه من أي تصفية حسابات» بعد رحيله.

وسبق أن أكد الرئيس بوتفليقة في يوليو/تموز 2016أنه يتمنى أن ينهي ولايته الرابعة التي تستمر حتى 2019. وتأتي الآن مطالبة المعارضة الجزائرية بتدخل الجيش لإنقاض الديمقراطية المتعثرة في الجزائر، متناقضة مع مضمون الديمقراطية عينها، لأن المعارضة الديمقراطية الحقيقية و التي تمتلك مشروعًا سياسيًا للتغيير الديمقراطي، لا تستنجد بالجيش من أجل هزيمة خصمها،المتمثل في نظام الرئيس بوتفليقة، و إنما تقوم بتعبئة الشعب الجزائري بكل قواه الديمقراطية و منظمات المجتمع المدني ، من أجل خوض معركة تغيير النظام، عبر الفوز في صناديق الاقتراع الانتخابية ،سواء الرئاسية أو البرلمانية.

وتبدو معركة المعارضة الجزائرية عبر الاستقواء بالجيش لعزل بوتفليقة معركة خاسرة، لأنها تعبر عن عجزها السياسي و فشلها التاريخي في أن تكون قوة ندية للسلطة الحاكمة، أولاً، ولأن الجيش لا يستطيع أن يكون أداة بيد المعارضة الفاشلة لخوض معاركها السياسية من أجل عزل بوتفليقة، ثم يعود إلى الثكنات العسكرية، بل لديه أيضا طموحاته السلطوية ثانيًا.

ذلك أن الإنقلاب العسكري للجيش الجزائري و الديمقراطية يقفان على طرفي نقيض، وقد خبرتهما الجزائر في مناسبتين، الأولى انقلاب الرئيس الراحل بومدين في حزيران 1965،باسم «التصحيح الثوري» ،و الثاني ،عقب الفوز التاريخي للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الدورة الأولى من الانتخابات التشرعية في نهاية عام 1991، باسم وأد خطر الإسلاميين وإنقاذ الجمهورية.

توفيق المديني

المصدر: صحيفة الحياة اللندنية،2017/09/16

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق