
لا تزال ارتدادات أصداء ما كتب عن الاتفاقية الغبية، كما وصفها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج (1916 – 1922) قبل أكثر من ثمانية عقود في كتابه «الحقيقة وراء معاهدات السلام» تتفاعل طوال قرن انسلخ، وكأن الماضي ظل مراوحاً لا يريد أن يرحل أو يلوذ بذمة التاريخ، كذلك ما برحت الحكايات تتوالد عن الاتفاقية بوتيرة غير معهودة، منطلقة من مخيلات سكنها الهوس، وخليط من ضباب الأوهام وظلمات الأساطير، ما جعلها لا تلتزم بمادة معقولة يمكن الركون إليها والاستفادة من عبرتها..
ومما يزيد الطين بلة، أن من يكتب وينظّر قد لا يعرف عن دواخل الموضوع الا عناوينه، ولا يجتهد في كشف ما خفي منه مما تطفح به دفائن الوثائق، وتعج به كتب السير ومذكرات شخصيات لعبت أدواراً رئيسية في صياغة أحداثه وتفعيلها.
كما لم نر في الأفق محاولةً لسد هذه الثلمة، التي أحدثتها سريان أفكار القتامة التي ألقت بظلالها على الذاكرة المتبلدة بغثاث التكرار والنمطية حتى تشربت عروقها بالجهل. وفي الأثر الشريف الذي جاء محذراً: «لاتشربوا من ثلمة فإنها مركب الشيطان».
يرجح التفكير أن وزير الحرب البريطاني هوراشيو هربرت كتشنر كان الشخصية الأقوى تأثيرا في قرارات مجلس الوزراء ، بحكم خبرته الميدانية مع كل من فرنسا (حادثة فاشودا 1898)، وروسيا (حول الاتفاقية البريطانية الروسية في أغسطس 1907 لإيقاف الزحف الروسي على إيران) عبر المناصب العسكرية التي تقلدها في الهند و مصر والسودان خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وكان يرى أيضاً أن روسيا لن تهدأ لإثارة العوائق أمام بريطانيا كما أثبتت الوقائع في أكثر من موقع ووقت، وهو جزء من العداء المدفوع بأطماع اللعبة السياسية الكبرى بين بريطانيا من جهة، وروسيا وفرنسا من جهة أخرى، لذا فقد أصاب الذعر حكومة القيصر بعد إعلان بريطانيا عزمها على تنفيذ حملة الدردنيل، حيث تراءت لها إمكانية سقوط أسطنبول في حضن بريطانيا، ما يبعدها عن تحقيق أحلامها في القسطنطينية ومضائقها غربا، وفي احتلال جنوب العراق وفصل البصرة مبدئيا، ما يعزز نفوذها في جنوب إيران خاصة، وعموم سياستها تجاه روسيا عامة.
إخفاقات:
ولكن إخفاقات بريطانيا خلال عام 1915، سواء فشل حملة الدردنيل وحصار قواتها في الكوت وأسر قائدها الجنرال تاوسند وعشرات الألوف من جيشه، على الرغم من أن روسيا سبق أن أستنجدت قبيل ذلك ببريطانيا، بفتح جبهات تخفف عنها الضغط الذي وقعت فيه أمام تركيا، في جبهات القوقاز وأرضروم وطربزون، ولكنها عادت حينما تغيرت الأمور على جبهات القتال بمطالباتها المستمرة، وقد أثبتت الحوادث أرجحية تفكير كتشنر الذي أظهره لقاء جرى بين قيصر روسيا نيقولا الثاني والسفير الفرنسي في روسيا، في الأول من مارس 1915 «يبدو أن القسطنطينية ستصبح تحت إدارة عالمية، وأن روسيا لن ترضى بأقل من أن تكون (القسطنطينية) ومضايق البسفور ضمن حدود الإمبراطورية الروسية»، ما يعني أن تكون روسيا هي أول من أثار موضوع تقاسم الأمبراطورية العثمانية تبعا للأجندة التي وضعها سلفه القيصر نيقولا الأول عام 1844، الذي أطلق تسمية تركيا بـ«الرجل المريض».
ذهول فرنسي:
أصيبت فرنسا بذهول كبير جرّاء المخطط الروسي نحو أسطنبول، ما يعني منافستها في البحر الأبيض المتوسط، حيث كانت فرنسا كما صرح بذلك جورج لايجوس وزير الحربية آنذاك ورئيس الوزراء لاحقاً، وردد صداه تأييد مجلس النواب في 10 مايو 1915: «إن محور سياسة فرنسا في البحر الأبيض المتوسط تستقر على الجزائر وتونس والمغرب في الغرب (وكلها كانت تحت الهيمنة الفرنسية) وطرفه الثاني في سوريا ولبنان وفلسطين». ورغم كل ذلك التمسك فإن ضغوط اشتداد القتال في جبهاتها الغربية قد أجبرت وزير خارجية فرنسا على الاقتراح على روسيا أن تؤخر نقاش مثل هذه السيناريوهات إلى ما بعد انتهاء الحرب في مؤتمر السلام الذي سوف يعقبه الحديث والنقاش في الأمور المستقبلية.
حاجز وقائي:
أما بريطانيا فقد تبنت في هذا المنعطف إستراتيجية كتشنر، بأن يضع فرنسا كحاجز وقائي بينها وبين روسيا، يمثل حصة فرنسا من التقسيم، الذي يشمل مطالبتها بالموصل وسوريا وسليسيا (لواء الأسكندرونه)، التي يرمز لها على الخرائط F1 ــ F2. وكان لوزير خارجية بريطانيا السير إدوارد جراي رأي استباقي آخر، جاء في ضوء تقرير كتشنر إلى مجلس الوزراء بتاريخ 15 مارس 1915، وقبله رسالته في 14 نوفمبر 1914، وهو أن تسعى بريطانيا إلى تأسيس دولة عربية بتأييد ورعاية بريطانية في الأجزاء العربية الواقعة ضمن الدولة العثمانية. وأمام اتفاق آراء أعضاء مجلس الوزراء البريطاني، وقبله ضغوط مطالبات روسيا وفرنسا، جاء قرار رئيس الوزراء أسكويث تأسيس لجنة عليا مستقلة دائمة بمعزل عن حكومة الهند، لجمع وتدقيق الوثائق والخرائط الصادرة بخصوص متعلقات أقطار تركيا الآسيوية عبر مجلس الوزراء، أطلق عليها مسمى «لجنة تركيا الآسيوية»، لتقديم التصورات والنصح لتخطيط مستقبل ما قد يتم في حال الانتصار، ومآل تلك الأقطار إزاء التوقعات المستقبلية وأمنيات بريطانيا، وتشخيص حصتها من تركة الدولة العثمانية في الجزء الآسيوي. وأعطيت رئاسة اللجنة إلى السير موريس دي بونسين، السفير البريطاني الأسبق في مدريد ثم فيينا، وضمت اللجنة وكيل وزير الخارجية السير جورج كلارك، والسير توماس هولدرنس عن حكومة الهند، وعن وزارة البحرية الأدميرال جاكسون، وعن وزارة الحرب الجنرال كاويل، وعن وزارة التجارة السير سميث، وأعطيت سكرتارية اللجنة إلى سكرتير مجلس الوزراء السير موريس هانكي.
مارك سايكس:
وبما أن وزير الحربية الفيلد ــ مارشال كيشنر هو الأكثر إلماماً بالتفاصيل، فقد منحت له مهمة الإشراف المباشر على ما سيحدث خلال اجتماعات اللجنة من تصورات، فعين عضواً ينقل إليه تفاصيل الاجتماعات يوماً بيوم، هو عضو مجلس العموم منذ عام 1911، السير مارك سايكس، الذي اختير على أساس أنه أكثر أعضاء مجلس العموم خبرة ومعرفة بالشأن العثماني، نتيجة لسفراته المتكررة إلى تركيا أيام صباه مع والده، منذ عام 1850، وعمله في السفارة البريطانية في أسطنبول ملحقاً فخرياً 1905، وكان قد كتب مجموعة من الكتب والتقارير عن الدولة العثمانية، والذي رشحه سكرتيره ومعاونه الخاص الكابتن أوزولد فيتزجيرالد.
ابتدأت اجتماعات لجنة تركيا الآسيوية (التي أطلق عليها في أروقة الحكومة ودوائرها اسم «لجنة دي بونسين»، نسبة إلى رئيسها حتى طغت التسمية على المسمى الرسمي) للمرة الأولى في 14 أبريل 1915، وتبعتها اجتماعات يومي 15 و16، وتم الاجتماع الرابع والأخير في 17 أبريل، ثم تفرغت اللجنة لتقديم تقرير استغرق إعداده أكثر من شهرين، عندما كانت توقعات الانتصار في حملة الدردنيل، وعمليات الزحف نحو بغداد صيف 1915 في أوجها، فقدم التقرير إلى مجلس الوزراء في 30 يونيو، بعنوان «أهداف المجهود الحربي البريطاني في تركيا الآسيوية».
جولة وانتقادات:
في ضوء ذلك، وافق مجلس الوزراء على ابتعاث سايكس إلى تلك المنطقة، في جولة استقصاء للحقائق استغرقت ستة أشهر، يصحبه سكرتير خاص هو سارجنت ويلسون، ومترجم سوري هو أنطوان البنا، وكانت الرحلة عبر إيطاليا إلى نابولي ثم بمدمرة بحرية إلى سالونيكا، صوفيا، ثم الدردنيل والقاهرة، حيث أقام فيها لمدة أسبوع، وبعدها إلى عدن لمقابلة بعض أسرى الحرب، ومنها إلى الهند، لكن اجتماعه مع نائب الملك في الهند اللورد هاردنغ لم يكن ناجحاً، والذي بدوره كتب تقريراً إلى لندن يقول فيه: «إن إرسال دبلوماسيين غير ناضجين مثل مارك سايكس أمر غاية في الخطورة بسبب عدم لياقتهم وخفتهم، كما عبر أيضاً عن ذلك الى الصحافي فالنتين شيرول مراسل جريدة التايمز اللندنية بقوله «ان سايكس معتد بنفسه أكثر من اللازم».
وكان رأي اللورد هاردنغ مندوب الملك في الهند أن بعض أجزاء الدولة العثمانية غير جاهزة لإدارة أمورها أو استقلالها، وهذا الرأي يناوئ فكرة تأسيس الدولة العربية التي تبناها كتشنر.
ومن الهند وصل الى البصرة في سبتمبر 1915، وأقام لمدة قصيرة مع أرنولد ويلسون مساعد الحاكم السياسي السير بيرسي كوكس، الذي قال عن سايكس «حتى عمومياته ليست دقيقة».
أحب سايكس البصرة ووصفها بأنها «مبهجة الالوان مثل ماء النهر الأزرق، يشوبه صفار، ويجري بين نخيل لونه أخضر زيتي، تحفة، سماء زرقاء وبيوت وردية صفراء والعرب السمر يقودون قوارب مثل الجندول».
وقد انتقد تصرفات سايكس زميل له عضو في مجلس العموم، هو الكابتن جورج لويد، الذي زار البصرة بعد سايكس بمدة قصيرة فقال «إن تصرفات سايكس كانت من دون ذوق، ولم يكن ذلك لأنه انتقد بشدة عمل كل من قابله، بل إنه شديد الكره لكل عمل تقوم به حكومة الهند، ما جلب سخط الجميع». بعدها عاد إلى القاهرة في 17 نوفمبر ومنها إلى لندن التي وصل اليها قرب منتصف ديسمبر 1915.
جورج بيكو:
خلال فترة غياب سايكس في رحلته هذه بدأت اتصالات للتشاور مع فرنسا في اكتوبر 1915، حيث دعا وزير الخارجية البريطاني إدوارد جراي سفير فرنسا في لندن بول كامبون للاجتماع والتداول الدوري لمستجدات الساحة السياسية في ضوء مخرجات جبهات القتال المشتركة ضد ألمانيا، فأثمر ذلك الاجتماع ان ينتدب السفير الفرنسي ممثلاً دائماً لفرنسا في لجنة دي بونسين حرصا على استمراريتها، فوقع الاختيار على دبلوماسي فرنسي بدرجة قنصل حديث التعيين بلندن منذ أغسطس 1915 فرنسوا-ماري جورج بيكو، وكان يتقن الانكليزية، وذا خبرة بالعمل في السلك الدبلوماسي، وكان قد شغل منصب قنصل عام في بيروت في يونيو 1914 قبيل اندلاع الحرب.
توافق وصداقة:
عقد في 23 نوفمبر 1915 اول لقاء له مع اللجنة التي كانت برئاسة وكيل وزير الخارجية السير أرثر نيكلسون بدلاً من دي بونسين، ولكنه لم يكن اجتماعاً متكافئاً، ولم يثمر عن نتيجة مشجعة. على إثر ذلك، غادر بيكو إلى باريس للتشاور وأخذ التعليمات المناسبة لوجهة النظر الفرنسية. وشهد الاجتماع الثاني والأخير في 11 ديسمبر صداماً صاخباً مع بيكو الذي وصفه نيكلسون: «بالتعالي والتعصب والغرور والنظرة الاستعمارية البحتة لمصالح فرنسا، وربطها بحالة فاشودا في 19 سبتمبر 1898»، والتي كادت تصل إلى اشتباك مسلح بين بريطانيا وفرنسا. فتوقفت أعمال اللجنة وانقطع الاتصال مع بيكو، فحوّلت وزارة الخارجية بناء على توصية وكيلها رئيس اللجنة ملف المتابعة إلى كتشنر لأنه صاحب الفكرة بالأساس. وفي النهاية، فإن رضاه مربوط بأن تحقق ما يرى. فقام بتغيير اللجنة المكونة من 18 عضواً إلى لجنة ثنائية مصغرة أوكلها إلى سايكس، الذي عاد إلى لندن في منتصف ديسمبر، وقدّم تقريره عن رحلته في 16 منه، فتسلم سايكس مهمة التكليف، وتم أول اجتماع له مع بيكو في 21 ديسمبر في السفارة الفرنسية بلندن، واستمرت الاجتماعات الدورية يومياً، تلتها صداقة ودية بين الاثنين امتدت طوال فترة الحرب. وجراء ذلك، أصبحت التسمية لجنه سايكس- بيكو واشتهرت الاتفاقية بهذا الاسم الشائع، وإن لم يكن اسمها الرسمي.
أما أسباب توافق الاثنين وكسر الجليد بينهما، فيرجع إلى أسباب شخصية عدة، منها التقارب في السن والوظيفة، وكون سايكس من محبي الفرنسية (الفرانكوفونية)، ويجيد التحدث بها، وعاش في فرنسا ويعرف عادات أهلها، كما أنه كاثوليكي المذهب، وليس له خلاف أو معارضة إزاء التبشير الكاثوليكي في سوريا ولبنان، وعلى معرفة ببلدان الشرق الأوسط التي زارها مرات عدة كزميله، كما أن قبوله بأن تكون الاجتماعات في السفارة الفرنسية نال الرضا واعتبر نوعاً من التنازل، عوضاً عن أجواء بريطانية رسمية صارمة.
وثمة تشابهات أخر، كلمسات كتشنر الدبلوماسية، كما حدثت في فاشودا، عندما قابل القائد الفرنسي مرشان في 19 سبتمبر 1898 بزي عسكري مصري، وليس ببزة عسكرية بريطانية. فاستطاع أن يحول الموقف من مواجهة وموضع قتالي بين فرنسا وبريطانيا إلى جلسة تبادل وجهات نظر. وساعد في ذلك أيضاً تمكن كتشنر من التحدث باللغة الفرنسية بطلاقة، مما جعلها في النهاية جلسة شرب أنخاب ورفع أعلام جنباً إلى جنب.
ولادة الاتفاقية:
كان سايكس يرفع تقارير يومية إلى كتشنر ويتلقى أوامره وينفذ ملاحظاته عن طريق معاونه الشخصي الكولونيل فيتزجيرالد، وقد علّق سايكس على ذلك «لا أستطيع أن أشرح له ما أود، ولا بإمكاني معرفة ما إذا كان يتقبل ما أقول، وقد يكون لا يعرف ما أريده». واستمرت الأمور على تلك الشاكلة حتى 3 يناير 1916، حتى صيغت مبادئ الاتفاقية، التي ضمت الخرائط المقترحة العائدة لها، فوافقت الحكومة البريطانية عليها في 4 فبراير، تبعتها فرنسا في 17 مارس، بعدها سافر سايكس إلى بتروغراد عاصمة روسيا القيصرية بحراً، في أوائل مارس عن طريق استوكهولم، وقابل القيصر في 7 مارس، حيث دعاه إلى مأدبة، وأنعم عليه بوسام سانت ستانيسلس بدرجة قائد. وفي 10 مارس، التحق به بيكو، حيث اجتمعا بوزير الخارجية سيرغي سازنوف. وبعد مداولات وتعديلات، تم التوقيع عليها في 26 أبريل 1916، وبعد بضعة أسابيع وقّع عليها وزير الخارجية البريطاني السير أدوارد غراي، والسفير الروسي الكونت بيكدوف، في 9 مايو. وأخيراً، وفي 16 مايو، اختتمت بتوقيع وزير الخارجية غراي، والسفير الفرنسي في لندن بول كامبون، فأصبحت تلك الوثيقة التى تحمل الاسم الرسمي: «الاتفاقية الأنغلو- فرنسية- الروسية، أبريل/ مايو 1916» نافذة المفعول، واشتهرت عند العامة باتفاقية سايكس – بيكو.
«إن إرسال دبلوماسيين غير ناضجين مثل مارك سايكس أمر في غاية الخطورة بسبب عدم لياقتهم وخفتهم». «إن إرسال دبلوماسيين غير ناضجين مثل مارك سايكس أمر في غاية الخطورة بسبب عدم لياقتهم وخفتهم».(هاردنج نائب الملك في الهند)
أبرمت الاتفاقية في لندن 16 مايو 1916 بين وزير الخارجية البريطانية ادوارد جراي والسفير الفرنسي في لندن بول كامبون، عبر رسالتين من الاول بتاريخ 15 و 16 مايو 1916، وتتعهد الدولتان بما يلي:-
تعهدات:
1 – تتعهد فرنسا وبريطانيا بالاعتراف والمساندة لدولة عربية مستقلة أو كنفدرالية عربية في المناطق المؤشر عليها A < B كما هي بالخريطة الملحقة تحت حكم وإدارة شخصية عربية.
وتكون فرنسا في المنطقة A و بريطانيا في المنطقة B لهما حق الأولوية في المشاريع والتمويل المحلي.
فرنسا في منطقة A وبريطانيا العظمى في B لهما الحق الوحيد في تعيين الخبراء والأجانب أو الموظفين الذين تحتاجهم الدولة العربية أو كنفدرالية الدول العربية.
2 – فرنسا في المنطقة الزرقاء وبريطانيا العظمى في المنطقة الحمراء لهما الحرية في تأسيس الإدارة بطريقة مباشرة إو غير مباشرة، او التوجيه حين تشاءان، لما تريانه مناسبا للتأسيس، بعد الاتفاق مع الدولة العربية أو كنفدرالية الدول العربية.
3 – المنطقة البنية تكون تابعة لإدارة عالمية ستقرر بعد الاتصال مع روسيا، ممثلي التحالف، وممثل شريف مكة.
4 – أن يمنح إلى بريطانيا العظمى:
أ – ميناءا حيفا وعكا.
ب – كميات محدودة ومضمونة من مياه دجلة والفرات إلى المنطقة A والمنطقة B.
ج – حكومة صاحب الجلالة نفسها تتعهد أن لا تكون هناك في أي منطقة أي مباحثات أو امتيازات بشأن قبرص إلى أي قوة ثالثة بدون موافقة حكومة فرنسا.
حرية الموانئ:
5 – الإسكندرونة سوف تكون ميناءً حراً فيما يخص تجارة الإمبراطورية البريطانية وأن تكون هناك معاملات خاصة بشأن عائدات الميناء أو تمديدا لافضله بخصوص حركة السفن أو التجارة وتكون هناك حرية الانتقال للبضائع البريطانية خلال الإسكندرونة على السكك الحديدية التي تمر خلال المنطقة الزرقاء لما يخص البضائع القادمة أو المغادرة إلى البحر الأحمر، المنطقة A ،B،ولن يكون هناك تفضيل في المعاملة مباشر أو غير مباشر على حساب البضائع البريطانية أو سكك الحديد أو على البضائع البريطانية والملاحة في أي ميناء يخدم المناطق المعينة.
حيفا ستكون ميناءً حراً بالنسبة لتجارة فرنسا ومستعمراتها ومحمياتها وأن لا يكون هناك أي اختلاف في المعاملة أو الحقوق إزاء عائدات الميناء ضد التجارة والملاحة الفرنسية كما يكون لها حرية العبور خلال حيفا بواسطة السكك الحديدية البريطانية عبر المنطقة البنية بغض النظر عما إذا كانت هذه البضائع عائدة من أو ذاهبة إلى المنطقة الزرقاء A , B وأن لا يكون هناك اختلاف في المعاملة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على حساب البضائع الفرنسية وملاحتها في أي ميناء يقوم بالخدمة بالمناطق المعينة.
6 – في المنطقة A فإن سكة حديد بغداد سوف لن تمدد خطوطها ما بعد الموصل، وفي المنطقة B لن تمدد خطوطها شمالاً نحو أو بعد سامراء حتى يتسنى تمديد خط بغداد – حلب حول حوض الفرات إلى أن يتم التمديد بعد اتفاق الحكومتين.
7 – لبريطانيا العظمى الحق في البناء والإدارة وأن تكون المالكة الوحيدة للسكك الحديدية التي تربط حيفا مع المنطقة B والتي لها الحق الدائم في كل الأوقات لاستعماله لنقل الجنود، وأنه أصبح معلوما لكلتا الحكومتين بأن سكك الحديد جعلت لخدمة المواصلات بين بغداد وحيفا، وقد علم أيضاً أن في حالات العوائق التقنية وما يتعلق بمصاريف الصيانة والتشغيل في المنطقة البنية ويجعل التشغيل غير عملي فإن الحكومة الفرنسية على استعداد لتحضير خطط تجعل الخط المعني للقاطع المضلع من بانياس – أم قص – سكحد – تل اسطى – مسمح، قبل أن يصل إلى المنطقة B.
8 – تبقى التعريفة الجمركية التركية سارية المفعول لمدة عشرين سنة خلال المنطقتين الزرقاء والحمراء وكذلك A ، B بدون زيادة على العوائد ودون تغيير ضريبة على بعض العوائد لكي تعمل بدون موافقة القوتين ولن يكون هناك حواجز جمركية داخلية بين المناطق التي سبقت الإشارة إليها أعلاه، وأن عوائد الجمارك ستحصَل على البضائع المستوردة حيث تجبى في موانئ الدخول وتدفع إلى إدارة مناطق وصولها.
9 – كما أنه من المفهوم أن الحكومة الفرنسية لن تتباحث في أي وقت حول التنازل عن حقها في المنطقة الزرقاء إلى جهة ثالثة ما عدا الدولة العربية أو كونفدرالية الدول العربية بدون موافقة مسبقة من حكومة صاحب الجلالة والتي بدورها تعطي الحكومة الفرنسية المعاملة بالمثل في المنطقة الحمراء.
10 – سوف تتفق حكومتا بريطانيا وفرنسا على أن تمتنع المطالبة بأراض أو ممتلكات الجزيرة العربية
وأنها لن تقبل بناء قواعد بحرية في الجزر على الجانب الشرقي للبحر الأحمر، مع العلم أنها لن تمنع تغييرات لحدود عدن، حينما تدفعها الحاجة إلى صد أي اعتداء تركي.
11 – المباحثات مع العرب بخصوص حدود الدولة العربية، أو كونفدرالية الدول العربية، سوف تتابع من خلال نفس القنوات كما هو مذكور باسم القوتين.
12 – لقد وجب التعريف بأنه سوف توضع تعليمات حول استيراد الأسلحة إلى داخل المناطق العربية، وسوف يتم ذلك عن طريق الحكومتين.
بروتوكولات:
ختمت الاتفاقية على شكل بروتوكولات دبلوماسية بين حكومات الدول الثلاث الكبرى، التي تتمتع كل منها بامتيازات في بعض أجزاء الإمبراطورية العثمانية بعد تقسيمها وفق اتفاق القوتين، أما ما يخص حصة روسيا، فإنها تبودلت في بتروغراد في 26 أبريل 1916 بين وزير خارجية روسيا سازونوف، والسفير الفرنسي موريس باليولوج، وفي لندن بعد بضعة أسابيع في 1916 بين وزير خارجية بريطانيا إدوارد كراي، والسفير الروسي بينكندروف، أما المذكرات التي تخص الحصتين البريطانية والفرنسية فقد تبودلت في 15ــ 16 مايو 1916 في لندن بين وزير الخارجية كراي والسفير الفرنسي كامبون.
والنسخة المنشورة هي الاتفاقية الأنكلو ــ فرنسية، لأن ذلك هو الجزء الذي يخص مستقبل البلاد العربية.
الاتفاقية والنصوص:
تقع الاتفاقية في ثلاث صفحات، وتحتوي على 12 مادة وخريطة. المواد الأربع الأولى هي تحديد المناطق المتفق عليها على الخريطة، وهي جزء من جنوب تركيا حالياً من البحر الأبيض المتوسط وميناء الإسكندرونة، حتى الحدود الفارسية، مروراً بديار بكر وماردين وشمال العراق الحالي وولاية الموصل، ثم سوريا الكبرى (سوريا، لبنان، فلسطين، شرق الأردن) بلاد الرافدين (ولاية بغداد والبصرة) إلى الخليج العربي.
خط سايكس على الخريطة يقابله على الأرض خط أفقي ممتد من ميناء عكا على البحر الأبيض المتوسط إلى كركوك شمالي بغداد (250 كيلومتراً).
تقسم مناصفة الشمال بلون «A أزرق» يعود إلى فرنسا، والجنوب بلون «B أحمر» إلى بريطانيا. وتفصل فلسطين بلون «بني» (إدارة عالمية).
ما يخص فرنسا جنوب تركيا وسوريا الكبرى ما عدا فلسطين وولاية الموصل. ما يخص بريطانيا ولاية بغداد وولاية البصرة تحت الهيمنة البريطانية بلون أحمر (لم تكن بغداد آنذاك قد احتلت بعد، تم احتلالها في 11 مارس 1917) وميناء عكا وميناء حيفا وجنوبها شرقي الأردن إلى الحدود العراقية ـــ السعودية والأردنية السعودية حالياً. المواد الثماني الباقية تتعلق بالتجارة والموانئ وسكك الحديد ومساراتها وضمان مياه دجلة والفرات داخلها ولم تتكلم عن مستقبل مصادرها.
ولم تتعرض الاتفاقية إلى السكان والتوزيع الديني والإثني، ولم تهتم بالعوائق الطبيعية، ولكنها ومنذ البداية اعترفت بأن تكون دولة عربية واحدة أو عدة كيانات كونفدرالية عربية. من شروط الاتفاقية أيضاً بالنسبة إلى ولاية البصرة، التي كانت تحت الاحتلال البريطاني منذ 21 نوفمبر 1914، تأسيس إدارة مستقلة تابعة لحكومة الهند وحكومة حماية بريطانيا لولاية بغداد إلى نهاية الحرب (تم احتلالها في 11 مارس 1917) وحماية فرنسية لولاية الموصل (لم تحتل حتى نهاية الحرب العالمية 11 نوفمبر 1919)، ثم تنازلت عنها فرنسا لبريطانيا خلال مؤتمر السلام في باريس فبراير 1919 حينما قال لويد جورج الى كلمنصو «أريد الموصل».
الاتفاقية والتحليل:
أعطيت للاتفاقية عند العرب شهرة أكبر مما تستحق؛ بسبب عدم الإلمام بملابسات تاريخها والاطلاع على محتواها، ومن ثم رصدها وتفسيرها، فهي ليست اتفاقية معقدة أو طويلة، بل هي مجموعة بروتوكولات دبلوماسية نصّها يبلغ ثلاث صفحات. كما أن سيادتها لم تكن حصينة بل قابلة للانجراح، معرضة للانتقاد والرفض، لأنها تقوم على أسس افتراضية وسط إجراءات سرية لم تناقش بنودها وغايتها في مجال عالمي مفتوح. وهي في الوقت نفسه ضعيفة المنحى هشّة المبنى في عالم ابتدأ بالتطلع واعتناق مبادئ تنادي بالوقوف ضد أطماع الاستعماريين في بلدان يحرم أهلها منها، وهو ما حصل بعدما فضحها البلاشفة في أواخر شهر نوفمبر 1917، حينما ابتدأت موجات السخط وأصوات الاستنكار، حتى بلغت درجة عالية مسموعة، عن ممارسات لا يمكن السكوت عنها، خصوصا ان موعد فضحها جاء متزامناً مع إعلان بلفور.
وعلى صعيد آخر، فإن لورنس، أحد الشخصيات الرسمية البريطانية المؤثرة، حينما اطلع عليها 2 مايو 1916 مع بعض زملائه في المكتب العربي بالقاهرة «شابه شعور بالقرف لدرجة القيء الجماعي». فقام بإفشاء سرها إلى فيصل بن الحسين وأبلغه بعدم رضاه واعتقاده بأنها خيانة لمطالب العرب. وكان لورنس بذلك قد عرض نفسه إلى عقوبة صارمة لإفشاء سر حربي مهم. وعلى الرغم من ذلك فإنه أبلغ فيصل وجيشه بضرورة التحرك السريع والوصول إلى دمشق واحتلالها، وعند ذلك سوف يفرض وضعاً أكثر قبولاً على أرض الواقع وتحت حق شرعي هو احتلال أهل الأرض لأرضهم. وهو أقوى حجة من الاقتسام الاعتباطي لبنود اتفاقية سايكس – بيكو مما سوف يحرج القوتين ويجعلهما عاجزتين عن أي رد إزاء ذلك. (راجع مراسلات لورنس- كلايتون 9 سبتمبر 1916).
إن بعض التفسيرات اللاحقة التي كتبت وتم تداولها تعطي للاتفاقية وزناً وقيمة أكثر مما تستحق. فكلا الشخصين سايكس وبيكو لم يكونا بمنصب حكومي كبير في وزارة الخارجية لبلديهما. ولم يكونا من الرتبة التي تعهد إليها كتابة اتفاقية يمكن أن تغير السياسة العامة لبلد بوزن بريطانيا وفرنسا، ولم تكن هناك رقابة أو توجيه من قبل من هم أعلى منهم في المسلك الوظيفي. كما أن من يقرأ الاتفاقية يرى أنها بمجموعها تحمل كل الشواهد التي تدل على أنها طبخة غير ناضجة لاقتراحات دبرت من قبل موظفين من درجة متوسطة، لأجل إثارة انتباه من هم أعلى منهم منصباً للحصول على ترقية واهتمام، فهي لم تكن من نوعية ترقى إلى سياسة عليا إلا من خلال توافق الصدفة والطموح.
وما يثير الانتباه أنه لم يكن هناك أحد من رجالات الدولة البريطانية قد أخذ الاتفاقية وذيولها بصورة جدية، بل العكس فقد انتقدها وهي في مهدها الكثيرون من كبار المسؤولين، خصوصاً رئيس الوزراء لويد جورج الذي تولى منصبه في 5 ديسمبر 1916 بعد تاريخ عقدها (16 مايو 1916).
وحينما نختبر من خلال المؤشرين المهمين في تاريخ السياسة الخارجية البريطانية والاستراتيجية الفرنسية في وقت كتابتها (من أبريل 1915 – 16 مايو 1916) نلاحظ أنها تبدو كأنها نوع من الاسترضاء والتهدئة التي قدمتها بريطانيا إلى فرنسا وروسيا لأجل رفع الروح المعنوية التي ارتخت وهبطت حتى القاع خلال تلك الحقبة، عندما كانت فرنسا متمرغة بوحل جحيم معارك فيردان، حيث كانت أعداد ضحاياها قد قارب نصف مليون جندي. وفي شتاء 1915، لم تكن روسيا بأحسن حال، إذ إن حصيلة خسائرها البشرية قد بلغت مثل سابقتها وأجبرت على التراجع لمسافة ثلاثمئة ميل في معركة جورليس – تارنو. كانت المعنويات حينها لكلتا الدولتين قد وصلت إلى درجات متدنية تحتاج فيها إلى أي عمل يجلب التفاؤل، وحينما جاء ما تمثله اتفاقية سايكس – بيكو من أمل جعلها حافزاً ومحركاً للاستمرار بالحرب ضد ألمانيا المقيتة بنظرهم وما تمثله، بمنح فرنسا أراضي جديدة لإمبراطوريتها في الجزء الشرقي لحوض البحر الأبيض المتوسط ومثلها روسيا عندما يتحقق حلم القيصر بوقوع اسطنبول ومضايق البسفور والدردنيل تحت سيطرته.
خطأ تاريخي:
بعيداً عن التفاؤل والأحلام، فإن سياسة بريطانيا منذ القرن الثامن عشر لا تمنح منافسيها التقليديين فرنسا وروسيا، وإن كانا حليفيها، أكثر من وعود ودغدغة للعواطف، وإلا ما كانت عمليات الردف العسكري للدولة العثمانية في منتصف القرن التاسع عشر ضد روسيا كما حصل في حرب القرم ألا تدع مجالاً للتطاول على نفوذها في الهند والخليج، وبنفس المقدار تنطبق المعايير على فرنسا، كما مر بنا في الحديث عن محاولة توسعها في أفريقيا وحادثة فاشودا 1898.
مما سبق وإلى الآن وبعد مرور ما يقارب مئة عام على توقيعها وفضحها ثم فشلها في التطبيق، فإن البعض يرى أن هذه المعاهدة قد رسمت حدود الأقطار العربية الحديثة، وهذا خطأ تاريخي لأنها رسمت بعد عقد من الزمن تقريباً في مؤتمر لوزان عام 1922 – 1923.
ولكن الحقيقة هي أن الخريطة التي رسم خطوطها سايكس وبيكو لا تحمل تشابهاً مع ما عليه الحال الآن، ولكنها حددت مناطق خاصة لوضع استعماري في سوريا الكبرى وبلاد الرافدين لبريطانيا وفرنسا، أن تكون حرة لتأسيس إدارة مباشرة وغير مباشرة تدار كيفما تشاء.
فهي في حالتها هذه وثيقة مثيرة للجدل لأنها ليست نتاج الطمع بأسوأ حالاته فقط، ولكنه طمع ممزوج بالشك يصل إلى مرحلة الغباء، لأنها تمثل عملية غش مزدوج بين بريطانيا وفرنسا بماضيهما الاستعماري المتأزم الذي كان يقودهما دوماً إلى مواجهة عسكرية وحروب، فالمعاهدة هي تمرين لفرنسا بأن تحدد بالضبط أراضي تدعيها في سلسيا وسوريا الكبرى. أما بريطانيا، فإنها فاقتها بوضع ادعائها الفعلي على بلاد الرافدين، تلك الأرض التي جعلت هنري ماكمون يرفض ادعاءات الشريف الحسين فيها.