الصومالدراساتشرق إفريقيا

الإسلاميون والحكم في الصومال من الإستقلال إلى إنهاء المرحلة الإنتقالية

 

 

 

تتناول الدراسة موضوع الإسلاميين الصوماليين – بمختلف مدارسهم و علاقتهم بالدولة والنخبة الحاكمة، منذ نشأة الدولة الصوماليية عام 1960م حتى الآن، وتنبع أهمية الموضوع من قوة دور الإسلاميين في المجتمع الصومالي منذ اعتناق الصوماليين الإسلام في القرون الأولى للدعوة الاسلامية في المنطقة وحتى الآن، وهو دور قيادي وأصيل وسوف يستمر هذا الدور  ما استمر الإسلام  مكوناً أصيلا لقيم المجتمع، ليس في الصومال فقط وإنما في العالم الاسلامي.

وإذ تتعرض الدراسة لموضوع الإسلاميين فإنه لا يهدف إلى تناول تاريخ الحركات الإسلامية  في الصومال بمختلف فصائلها،  وإنما يتهم ويركز فقط على علاقتهم بالدولة والحكم، وتعامل الدولة الصومالية بمختلف مراحل تاريخها معهم، وردود أفعال الإسلاميين، وهو تقرير وصفي يعرض السمات العامة والخطوط العريضة لتطور العلاقة بين الطرفين سلبا وإيجابا، ولا يخوض في التفاصيل.

وسوف يتم تقسم الموضوع إلى خمسة محاور رئيسية هي:

  • الاسلاميون والحكم المدني في الصومال(1960-1969م)
  • الإسلاميون والحكم العسكري (1969-1991م)
  • الإسلاميون والحرب الأهلية حتى 2006م
  • الإسلاميون والحكم حتى إنهاء المرحلة الانتقالية عام 2012م
  •  المستقبل السياسي للاسلاميين الصوماليين.

أولا-  الإسلاميون والحكم في الصومال في العهد المدني (1960م – 1969م)

لم يكن الفقهاء وعلماء الشريعة الإسلامية بمنأى عن الحياة العامة في الصومال وفي العالم الإسلامي بصورة عامة منذ أن اعتنق الصوماليون الإسلام، وأصبحت الشريعة الإسلامية المرجعية الرئيسية في مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية  حتى مرحلة الاستعمار، مثله في ذلك مثل بقية العالم الإسلامي فيما قبل مرحلة الاستعمار. كما أصبح الفقهاء أحد مكونات القيادة في المجتمع في حالتي السلم والحرب، وتصدروا في مواجهة الخطر الخارجي الذي واجهه الصوماليين في المراحل التاريخية المختلفة، فقاموا بالدفاع عن الأرض والعرض والعقيدة، لذا يمثل كل من الإمام أحمد بن إبراهيم (جري) في  القرن السادس عشر الميلادي و السيد محمد عبد الله حسن في القرن العشرين من أبرز القادة العظام للصوماليين  في التاريخ الحديث والمعاصر.

ولدت الدولة الصومالية الحديثة في الأول من يوليو عام 1960م من اتحاد بين إقليمين من الأقاليم الصومالية الخمسة التي يتكون منها الصومال الكبير، وهما الصومال البريطاني والصومال الإيطالي، وشكلا معا ما يعرف الآن بجمهورية الصومال. وكان ذلك الإستقلال مشوهاً وناقصاً، نظراً لوقوع الأقاليم الصومالية الثلاثة الأخرى تحت احتلال الدول الاستعمارية، ولكنه كان ذلك يمثل لكل صومالي خطوة متقدمة للأمام للوصول إلى آمال تحقيق الصومال الكبير، مما فرض على الدولة الصومالية الناشئة في عمر مبكر من تاريخها الدخول في صراع سياسي وعسكري مع تلك الدول استجابة لرغبة الصوماليين في تحقيق الوحدة والاستقلال.

طبيعة الحكم المدني:

وكانت مرحلة الوصاية (1950 – 1960) التي وضعت فيها الصومال الإيطالي – والتي سبقت الاستقلال – مرحلة تمهيدية وانتقالية للحكم بعد الاستقلال، وعاشت النخبة الحاكمة في الصومال مع الإسلاميين على قدر كبير من الوئام والانسجام بين الطرفين نتيجة للكفاح المشترك والهدف الواحد المتمثل في الإستقلال والوحدة الذي سعى إليه الصوماليون جميعاً.

وكانت كبر ى الحركات والأحزاب الوطنية التي قامت بعد الحرب العالمية الثانية التي نادت بالحرية والوحدة للشعب الصومالي تحت المستعمرات المختلفة – ترفع الشعارات الإسلامية لمجابهة الاستعمار، فقامت بإضافة مواثيقها وأهدافها ببعض البنود التي تؤكد الهوية الثقافية الإسلامية للشعب الصومالي، وسيادة الشريعة الإسلامية، والمطالبة بأن تكون اللغة العربية اللغة الرسمية للدولة الصومالية المرتقبة(1).

وانتهجت الحكومة الصومالية الوليدة بعد الإستقلال نظام التعددية السياسية والحكم النيابي، وأجريت تلك الفترة التي لم تتجاوز عشر سنوات (1960-1969م) ثلاث دورات انتخابية، ونجح السياسيون الصوماليون بتداول السلطة سلميا في وقت كانت موجات الصراعات على الحكم والانقلابات العسكرية تجتاح أفريقيا والعالم الثالث(2)، وقد وصف الدكتور على المزروعي الصومال في تلك الفترة بأنها كانت “واحدة من أكثر الدول ديمقراطية ليس في أفريقيا فحسب بل في أي مكان في العالم”.(3)

وكانت طبيعة الحياة السياسية في البلاد في تلك الفترة التي تقوم على التحالف والائتلاف بين مكونات الحكومة، والبحث عن الحصول على الأغلبية التي يحتاجها كل طرف لتمرير القرارات في البرلمان، وحاجة السياسيين الحصول إلى أصوات في الانتخابات في المستويات المختلفة – كانت كل تلك العوامل تفرض السياسيين على عدم استثارة ومعاداة أي طرف له نفوذ سياسي في البلاد ومنهم الإسلاميون، أو إثارة القضايا الوطنية الحساسة ومن  بينها القضايا التي لها صلة بالإسلام التي يمكن أن تستفز بالرأي العام الصومالي آنذاك.

وكان وجود قضية قومية واضحة (تتمثل في فكرة الصومال الكبير التي تقوم على تحرير المناطق الصومالية الخمسة في القرن الأفريقي وإعادة توحيدها لتأسيس دولة الصومال الكبير ، والتي تبلورت بصورة واضحة خلال الحرب العالمية الثانية) تنادي به القيادة السياسية الصومالية وتحظى بالتفاف شعبي قوي – من أهم العوامل التي كانت تزيد من التلاحم بين  مختلف المكونات السياسية الصومالية في تلك الفترة .

لهذه الأسباب وغيرها تميزت الصومال في تلك الفترة بالتسامح السياسي نتيجة للمنافسة السلمية بين الأحزاب، وكان لجوء الحكومة الصومالية خلال عقد كامل من الزمن إلى استخدام العنف ضد المعارضين لها قليلاً ومحدوداً، وينسب إلى أول رئيس صومالي بعد الاستقلال آدم عبد الله عثمان في خطبة له في البرلمان خلال جلسة تسليم الرئاسة إلى خلفه عبد الرشيد علي شرماركي تأكيده على أنه يسلم لخلفه زمام حكومة ليس لديها سجين سياسي واحد.

طبيعة دور الإسلاميين في تلك الفترة:

لم يكن الإسلاميون الصوماليون في تلك المرحلة قد تبلورت لديهم فكرة المشاركة السياسية القوية أو تشكيل أحزاب سياسية مستقلة، بل كانت الأحزاب السياسية والحركات الوطنية الصومالية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية ، ومن أهمها حزب وحدة الشباب الصومالي – حزب الأغلبية في فترة الحكم المدني – تضم في ضفوفها قيادات ذات توجهات إسلامية، وكانت ترفع الشعارات الإسلامية على اعتبار الإسلام عامل توحيد للصوماليين، ولمواجهة التحدي الخارجي المتمثل في الاستعمار، والتحدي الداخلي المتمثل في القبلية المقسمة للشعب الصومالي، لذا فقد استمر الانسجام والعمل بين العناصر الإسلامية والسياسيين الصوماليين الآخرين في مرحلة الحكم الوطني قبل الاستقلال وبعده.

وبعيدا عن القضايا السياسية المتفق عليها بين الصوماليين جميعا فقد اشتد الصراع بين الطرفين في الهوية والثقافة، فقد دار الصراع بين أصحاب الثقافتين الوافدتين الإيطالية والبريطانية، وبينهما من جهة وبين أصحاب الثقافة العربية الإسلامية من جهة أخرى. وكان اختيار اللغة الرسمية للدولة الصومالية المستقلة من أعقد القضايا التي دار حولها الصراع قبل وبعد الاستقلال، إذ ظهرت في المرحلة الأخيرة من الحقبة الإستعمارية أربعة اتجاهات في هذه المسألة تتمثل في الإنجليزية والإيطالية والعربية والصومالية. ونظرا لكون اللغة الصومالية لغة تخاطب وتفاهم فقط وليست لغة مكتوبة فقد كانت اتجاه الصوملة منقسم على نفسه حول الحروف التي ستكتب بالصومالية، بالعربية أم باللاتينية؟ أم يتم اختراع حروف جديدة لكتابتها؟

وركز الإٍسلاميون في تلك المرحلة مواجهة الهيئات التبشيرية التي كانت تمارس أنشطتها المختلفة من فتح المدارس وإدارة ملاجئ الأيتام، وكان المبشرون يتمتعون بالحصانة الدبلوماسية والضمانات من الحكومة الصومالية. وإلى جانب الدور الذي قام به الإسلاميون في مواجهة التبشير والغزو الثقافي في مجال الثقافة والتعليم قاموا أيضا بالدور الدعوي في المساجد .

وساهمت المدارس العربية الإسلامية التي أقامتها مصر والبعثات التعليمية إلى الصومال – منذ الخمسينات من القرن العشرين – إلى حد كبير في المحافظة على هوية الصومال الإسلامية العربية، كما لعب المندوب المصري العضو في المجلس الاستشاري المشرف على الإدارة الإيطالية الوصية على الصومال الإيطالي تمهيدا للإٍستقلال – دورا كبير اً في الدفاع عن المصالح الصومالية في الاستقلال والوحدة واتخاذ اللغة العربية لغة رسمية لدولته المرتقبة، وتوطيد علاقات الصومال مع أشقائه العرب والمسلمين، ودفع المسئول المصري كمال الدين صلاح حياته ثمنا لهذه الجهود(4).

ومما يجدر ذكره في فترة الحكم المدني عودة بعض الشباب الذين أنهوا تعليمهم في البلاد العربية واحتكوا بالعلماء والمفكرين وقادة الحركات والأحزاب الإسلامية، وحملوا معهم أفكار الصحوة الاسلامية المعاصرة التي نشأت في مصر وبعض البلاد العربية، فقاموا بافتتاح نوادي وجمعيات ومراكز ثقافية لنشر الفكرة الإسلامية، منها حركة النهضة وجمعيتي حماة الدين وإحياء السنة، ولم يكن لهذه الجمعيات الطابع التنظيمي الحركي المعروف لذى الحركات الإسلامية المعاصرة، وبدأت أيضا بعض الكتب والنشرات والمجلات الإٍسلامية المعاصرة تدخل في الساحة الصومالية، في تلك الفترة.

العلاقة بين الطرفين:

اتسمت العلاقة بين الطرفين بالوئام، ولم يتبادلا العنف السياسي، ولم تكن سياسة الحكومات المدنية الصومالية المتعاقبة عموما تجاه الإسلاميين إقصائية، ولم تظهر فيها استهداف أو سوء نية تجاههم، وكانت أجواء الحرية التي يتمتع بها المواطنون في حياتهم العامة أهم السمات الإيجابية في تلك الفترة، ونتيجة لذلك شارك العلماء والدعاة في العمل السياسي في البلاد فأصبحوا وزراء ووكلاء وزراء ومدراء وقضاة، وخصوصا في وزارة العدل والشئون الدينية ووزارة التربية والتعليم في العهد المدني والسنوات الأولى من الحكم العسكري.

وكانت التوجه العام للشعب الصومالي في تلك الفترة نحو تحقيق الآمال القومية في توحيد الصومال الكبير، والتحدي الإقليمي أمام الصوماليين المتمثل في إثيوبيا وفرنسا، واهتمام السياسيين الصوماليين بمختلف أطيافهم في المحافظة على المكتسبات القومية – كانت كل تلك العوامل تساعد على التعايش السلمي بين المكون السياسي الصومالي.

ثانيا- الإسلاميون والحكم العسكري (1969م – 1991م)

في أكتوبر 1969 جرى في الصومال انقلاب عسكري بقيادة اللواء محمد سياد بري، وأعلن الإنقلابيون إنهاء الحكم النيابي وإلغاء الدستور والأحزاب السياسية وانتهاج النظام الإشتراكي وقاموا باعتقال الزعماء السياسيين الذين حكموا البلاد في العهد المدني، وفرضو أحكاما عسكرية على البلاد.

سياسة الحكومة العسكرية تجاه الإسلاميين:

مثل الإسلاميون الطرف الأكثر تضررا من إعلان الأيدلوجية الشيوعية والنظام الإشتراكي لدى الحكومة الجديدة ، ومثلت معظم السياسات التي اتخذتها الحكومة العسكرية بعد ذلك مناقضة للمبادئ التي طالما حافظها الإسلاميون ودافعوا عنها في الحقبة السابقة، لذا فقد ساد ترقب لدى الطرفين في المرحلة الأولى من عمر الحكومة العسكرية، ولكن بعد أن استتب الأمر لدى العسكر بدأوا بتنفيذ سياساتهم في البلاد.

فكان أهم الخطوات التي قاموا بها في مجال الثقافة عام 1972 كتابة اللغة الصومالية بالحروف الللاتينية ثم اعتبارها للغة الرسمية للبلاد ولغة الحكومة والتعليم، وحسم العسكريون القضية الشائكة التي دار عليها الصراع فترة طويلة في حقبتي الاستعمار والحكومة المدنية بقرار عسكري، واعتبر البعض تلك الخطوة بمثابة توجيه ضربة قوية للثقافة العربية الإسلامية في الصومال، وانحياز واضح للثقافة اللاتينية التي كانت تهيمن على النخبة التي كانت تقود البلاد، وفي هذا الصدد رفضت الحكومة العسكرية الصومالية في تلك الفترة مشروع جامعة عربية إسلامية، تقدمت به الجامعة العربية لإنشاء جامعة في الصومال عام 1971م، كما أوقف النظام العسكري البعثات الدراسية إلى بعض الدول العربية، واقتصرت فقط على البعثات الحكومية التي كانت تتوجه إلى الإتحاد السوفييتي والدول الشيوعية.

ومن المفارقات العجيبة في هذا الموضوع انضمام الصومال إلى جامعة الدول العربية في فبراير 1974 وذلك بعد القضاء على اللغة العربية والحرف العربي باختيار الأبجدية اللاتينية واستبعاد الحرف العربي، واعتبر ذلك تنصلاً عن العروبة والإسلام معا، مما وضع محل شك في الأهداف والنوايا الحقيقية لقادة الصومال تجاه مسألة الانضمام إلى الجامعة العربية الذي جرى بعد تلك الخطوة.

قام النظام العسكري أيضا بتأميم المدارس والمؤسسات التعليمية القائمة في البلاد التي كانت تستخدم عدة لغات، وجعلت النظام التعليمي مختلط الجنسين سواء في المدارس أو الجامعات وأعدت زياً مدرسياً موحداً للجنسين، ومنعت الحجاب في المدراس، وفرض على البنات كشف الرأس والشعر، وكان ذلك انقلابا واضحاً على عقيدة المجتمع الصومالي وعاداته وتقاليده الإٍسلامية العريقة. وحاول النظام العسكري في تلك الفترة إعادة تشكيل حياة الشعب الصومالي من جديد وتغيير الأسس الاجتماعية التي يقوم عليها جذريا ومن بينها التقاليد الإسلامية، لتتلاءم مع النهج الشيوعي والحكم العسكري المطلق الذي فرضه العسكريون في البلاد.

وصلت ضربات النظام للإسلاميين أوجها بإصدار قانون المساواة المطلقة بين الجنسين حتى في الميراث في 11 يناير 1975(5). واعتبر العلماء تلك الخطوة التي قام بها النظام بأنها خطوة جريئة تمس ثوابت الدين الإسلامي، لم يجرأ بها الاستعمار الذي حكم الصومال قرابة قرن من الزمان، ولم يجرأ كذلك قادة الدول العربية والإسلامية التي انتهجت نظم الشيوعية أو العلمانية في بلادها.

رد فعل الإسلاميين تجاه سياسات النظام العسكري:

مثلت تلك الخطوة استفزازا شديدا وجاء رد الفعل من جانب العلماء سريعا، ففي يوم الجمعة التالي الموافق 17 يناير 1975 تناول بعض العلماء في خطب الجمعة في مقديشو الموضوع، وأوضحوا للمصلين موقف الشريعة الإسلامية الصريح من القانون الجديد، فقامت الحكومة بحملة اعتقالات واسعة في صفوف العلماء والدعاة ،وأجرت محاكمات عسكرية صورية لبعضهم، وخلال أسبوع أصدرت حكماً على عشرة منهم بالإعدام رمياً بالرصاص، و23 آخرين بالسجن لمدد تتراوح بين 20 – 30 سنة. ونفذ حكم الإعدام على العشرة صبيحة يوم الخميس 23 يناير 1975 في ميدان عام قرب معهد الشرطة على شاطئ المحيط الهندي، وأذيع الخبر من إذاعة مقديشو الحكومية.

وكان لتلك الحادثة تأثيراتها الداخلية والخارجية على الحكومة الصومالية، فقد أثارت تلك الحادثة غضب الرأي العام العربي والإسلامي، فاستنكرت الجماهير العربية والإسلامية تلك الحادثة، وانهالت البرقيات على الحكومة الصومالية، وتناولتها الصحف والمجالات في العالم العربي والإٍسلامي، وتأثرت كذلك علاقات النظام مع العالم الإسلامي على المستوى الشعبي على الأقل، وشعر النظام الصومالي بالعزلة ومدى الغفلة التي يعيشها في تلك الفترة.

وواصل النظام بحملات تشويه الإسلاميين ونشر الدعايات الإعلامية في الداخل والخارج لتبرير موقفه، وجعل تلك القضية قضية سياسية لا علاقة لها بالدين، واتهم العلماء بالرجعية والعمالة للإمبريالية والتستر باسم الدين، وظهرت ألقاب سياسية للعلماء مثل (وداد حمى) ومعناها بالعربية عالم سوء التي كان يطلقها قادة النظام على العلماء.

إزاء حملات القمع والتهديد من جانب النظام للإسلاميين والسياسيين وعامة الشعب، فهرب الكثير منهم إلى الخارج، واختار الذين بقوا في البلاد العمل سرياً أو السكوت المطلق، وينسب إلى أحد الحكماء الصوماليين الذي اشتهر في تلك الفترة بصناعة النكت والفكاهات عن النظام الصومالي بمقولة يصور فيها الخيارات الثلاثة التي باتت أمام كل صومالي في تلك المرحلة، وهي: إما أن تؤيد النظام، وإما أن تسكت، وإما أن تذهب إلى أفجوي، وأفجوي هذه مدينة قريبة إلى مقديشو كان فيها أحد أهم سجون النظام.

وانتشرت في تلك الأجواء في الصومال كتب الداعية الإٍسلامي سيد قطب التي سربت إلى الصومال وقصص تعذيب الإخوان في سجون مصر الناصرية، وساعدت تلك الأجواء في ظهور الفكر التكفيري الذي كفر النظام بموقفه من القرآن وأحكام الشريعة الإسلامية، وكفر المجتمع الصومالي الذي لم يحرك ساكنا (حسب اعتقادهم) وصفق للنظام ، وانتشرت فكرة التكفير  بين شباب الصحوة الإٍسلامية في السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي.

وخلال أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، وبعد هزيمة الصومال في حرب 77/1978م مع إثيوبيا، وانعكاساتها السلبية على الأوضاع الداخلية، سافر الكثير من الصوماليين إلى دول الخليج العربي بغرض العمل أو التعليم أو على طلب الأمان، وكانت الصحوة الإسلامية المعاصرة تنشط في تلك البلاد وكانت أيضا أصداء الجهاد الأفغاني ضد الإتحاد السوفييتي تملأ الساحة العربية والإسلامية فتأثرت بذلك أعداد كبيرة من الشباب الصومالي في الخليج وتأسست معظم الحركات الإسلامية الصومالية المعاصرة في الخليج كحركة الإصلاح (1978) ذات التوجه الإخواني وحركة الإتحاد الإسلامي (1983) السلفية الإتجاه(6). وعاد بعض القيادات غير المعروفة إلى البلاد يحملون تلك الأفكار وبدأوا بالقيام ببعض الأنشطة في أوساط الشباب، وتزامن ذلك مع إطلاق سراح بعض الإسلاميين السجناء وضعف قبضة النظام، وظهور الجبهات المسلحة المعارضة في البلاد منذ أوائل الثثمانينات.

وفي وقت كان النظام الصومالي في أواخر الثمانينات يزداد ضعفا، وتتدهور الأوضاع الأمنية والإقتصادية في البلاد وتنتشر البطالة، وكانت المدن والمحافظات الصومالية تسقط في أيدي الجبهات المعارضة المسلحة واحدة تلو الأخرى – كانت الصحوة تنتشر بين الشباب في المدارس والجامعات، وأصبحت المساجد عامرة بالشباب، وأصبحت الظاهرة الإسلامية السمة البارزة في العاصمة والمدن الكبيرة الأخرى في الفترة الأخيرة من حكم سياد بري.

من انهيار الدولة عام 1991 إلى مؤتمر عرتا بجيبوتي عام 2000م 

في هذه الحلقة من سلسة دراستنا (الإسلاميون والحكم في الصومال) التي تبدء من انهيار الدولة عام 1991  لم تعد هناك في البلاد دولة كما كان في السابق،  وإنما كان هناك فصائل متناحرة تتمركز كل منها على المنطقة التي تسكنها العشيرة التي ينتمي إليها قادة تلك الفصيلة وأفرادها، لذا فإننا نتناول الدور السياسي للإسلاميين في تلك الفترة من خلال علاقتهم مع الجبهات والعشائر، كما أننا وخلال عرضنا للموضوع نركز على الحديث عن حركتي الإصلاح الإسلامية والاتحاد الإسلامي(الاعتصام حاليا) باعتبارهما أكبر حركتين في الصومال ويمثلان المدرستين الإسلاميتين المعاصرتين، الإخوان المسلمون والسلفية. كذلك نركز على التطوات التي جرت في الوسط والجنوب الصومالي دون الإقليم الشمالي (أرض الصومال ) الذي أعلن الانفصال من طرف واحد منذ مايو 1991، ومن ثم أصبح غير متفاعل مع معظم التطورات السياسية والإجتماعية التي جرت خلال تلك الفترة في باقي مناطق الصومال.

وسوف يكون تناولنا للموضوع من خلال المحاور التالية : الإسلاميون وانهيار الدولة، وأثر الظروف الإقليمية والدولية أوائل التسعينيات على مواقف الإسلاميين السياسية، وعلاقتهم بالجبهات والفصائل المسلحة التي كانت تتناحر للسيطرة على المناطق لفرض أجندتها بالقوة والانتزاع بعد ذلك الاعتراف من القوى الاقليمية والدولية، وأخيرًا موقفهم تجاه محاولات استعادة الدولة الصومالية.

 (1) الإسلاميون وانهيار الدولة الصوماليةعام 1991م

يتحمل قادة وجنرالات الجيش الصومالي سواء كانوا في صف الدولة أو  في المعارضة المسلحة مسؤولية قيام الحرب الأهلية التي دمرت البلاد، وكان من نتائجها إسقاط الدولة واستمرار الحرب، ومعاناة الشعب الصومالي، فقد كان النزاع بين القيادات العليا للجيش الصومالي بتصفية سياد برى برفاقه من القيادات البارزة والقوية في الجيش واعتقال بعضهم، ثم المحاولات التي قام بها بعضهم للانقلاب عليه- بمثابة فتيل الحرب الأهلية، حيث عمل الطرفان بعد ذلك على استقطاب السياسيين والضرب على وتر العصبية، واستخدام الجيش الصومالي من قبل النظام لضرب القبائل وتجنيد البدو من قبل المعارضة، والزحف بهم نحو المدن بعد ذلك.

ولم يكن الإسلاميون بمختلف مدارسهم طرفا مباشرًا في العمل المسلح لإسقاط نظام برى وإن كان الغالبية منهم من المعارضة السياسية للنظام ، حيث لم يكن لديهم قوات أو مليشيات مسلحة، ورغم ذلك فقد كانوا يؤيدون عمومًا فكرة إسقاط النظام باعتبارهم من الفئات المتضررة من سلطة برى منذ معارضتهم المبكرة للنظام بعد اعتماد الحكومة العسكرية لقوانين الأحوال الشخصية عام 1975م، والخطاب الذي ألقاه الرئيس برى بمناسبة يوم العالمي للمرأة في تلك السنة، التي اعتبرت مخالفة صريحة لأحكام الشريعة الإسلامية، ومن ثم قيام النظام باعتقال العديد من الإسلاميين المعارضين لتلك القوانين وتصفية بعضهم فيما بعد.

لم يكن عامة الشعب الصومالي رغم الثمن الباهظ لتكلفة الحرب ضد النظام تدرك مخاطر الحرب الأهلية وعواقبها المدمرة إلا بعد انهيار الدولة والتأكد من صعوبة وقف آلة الحرب الطاحنة، لذا فقد كان عامة الشعب والإسلاميون  يعتبرون الإطاحة بالنظام بأنه سوف تعقبه الحرية والتعددية، كتلك التي عاشوها خلال الحكم المدني في الستينيات، وزوال القمع والخوف وعودة القادة الإسلاميين الذين كان يعيشون في المنفى إلى البلاد. ولكن خلال الشهور الأولى بعد الإطاحة بالنظام أدرك الجميع بالصدمة الكبيرة، بعد أن تحققوا من عدم قدرة الجبهات بالمصالحة وإدارة البلاد تحت حكم واحد، وخلال السنة الأولى من حكمهم بدأ الاستياء منهم والحنين إلى العهد البائد.

 (2) الإسلاميون والظرف الاقليمي والدولي في التسعينيات من القرن الماضي

صاحبت التطورات السريعة والجذرية التي شهدها الصومال أوائل التسعينات من القرن العشرين تحولات سياسية إقليمية ودولية كبرى كان لها انعكاساتها السلبية والإيجابية على الأحداث في الصومال وعلى الإسلاميين بصورة خاصة، فقد تزامنت تلك الأحداث الداخلية مع ظروف دولية وإقليمية شجعت الإسلاميين في الصومال على القيام بدور أكبر في البلاد، حيث تغير الحكم العسكري بقيادة منجستو في إثيوبيا المجاورة في نهايات عام 1991م(وهي نفس السنة التي أطيح في بدايتها حكم سياد برى في الصومال) من قبل الجبهة الديمقراطية الشعبية الثورية الإثيوبية بقيادة ملس زيناوي، وتنفست الشعوب المضطهدة – ومن بينهم الصوماليون – الصعداء، وبدأ الكثير من أبناء الإقليم بما فيهم القيادات الصومالية العودة إلى اثيوبيا.

وفي السودان المجاور كانت ثورة الإنقاذ بقيادة حسن الترابي تحكم البلاد، وكانت منذ وقت مبكر من الأزمة الصومالية قد سجلت حضورها المكثف في الساحة الصومالية، وتجري اتصالات مع مختلف الأطراف الصومالية، وقادة الحركات الإسلامية. وفي نفس العام فازت جبهة الإنقاذ في الجزائر في الانتخابات العامة التي أجريت في البلاد قبل أن ينقلب عليها جنرالات الجيش الجزائري بقيادة محمد بوضياف بإلغاء نتائج الانتخابات وفرض حكم عسكري على البلاد أوائل عام 1992م الأمر الذي قاد الجزائر إلى الحرب الأهلية التي تعرف بالعشرية السوداء.

وعلى الصعيد الدولي فقد كانت حرب الخليج الثانية بغزو العراق على الكويت، ثم الغزو الأمريكي على العراق نفسها قد تزامنت مع اشتداد الحرب الأهلية في البلاد وانتقالها إلى العاصمة مقديشو أواخر عام 1990م، وكان لها انعكاساتها السلبية على العالم العربي، وكانت أيضًا بمثابة استفزاز للاسلاميين في المنطقة، وجرى كذلك سيطرة المجاهدون الأفغان على البلاد بعد إسقاط حكومة نجيب الله المدعومة من الاتحاد السوفيتي في نفس الفترة، ثم تفكك الاتحاد السوفييتي نفسه لاحقا واسقلال الجمهوريات الإسلامية منه. وفي القارة الأوروبية جرت في السنوات التالية حرب البوسنة والهرسك وكانت الجرائم التي ارتكبها الصرب بحق المسلمين أثارت الرأي العام الإسلامي، أوجدت مجموعات من الشباب الإسلاميين للذهاب إليها والقتال إلى جانب مسلمي البوسنة ضد الصرب.

وأخيرا كان التدخل الأمريكي بالصومال نهاية عام 1992 في العملية التي عرفت ” إعادة الأمل في الصومال” واستمرت حتي مارس 1995،(7) وكان بعض الإسلاميين – في بداياتها – قد أبدو مخاوفهم من العملية وشككو في نواياها، ولكن العملية لم تشكل خطرا حقيقيا على المجتمع الصومالي ولم تأت نتائجها سلبية مثلما توقعوا. وعلى غرار التدخل في الصومال جاءت تهديدات أمريكية بالتدخل في السودان في تلك الفترة، و كانت تلك التطورات الإقليمية والدولية على وجه الخصوص تلقي بظلالها على الساحة الصومالية.

استغل الإسلاميون بتلك الأجواء الإقليمية والدولية المواتية، وأجواء الحرية المطلقة التي صاحبت الفوضى العارمة بعد زوال الحكم العسكري الذي حكم البلاد 21 عاما بالقبضة الحديدية، إذ لم تعد هناك سلطة مركزية تفرض الناس على نمط معين من الحياة كما كان في الماضي. وساهم كون الإسلاميين الطرف الوحيد الذي يعتنق أيدلوجية سياسية من بين التنظيمات والجبهات الصومالية المختلفة في الساحة في العمل على توصيل رسالتهم إلى المجتمع الصومالي، في وقت انشغلت الجبهات المسلحة بالصراع على السلطة والثروة في البلاد، كما ساهمت تلك الظروف في التواصل مع القوى الإسلامية الأخرى في المنطقة.

(3) الإسلاميون والجبهات المسلحة

لم يشارك الإسلاميون في تأسيس الجبهات المسلحة المعارضة لنظام برى التي نجحت بعد عقد من العمل المسلح ضده في اسقاطه، وقامت بعض قيادة الجبهات ومن بينها الجبهة الوطنية للإنقاذ بقيادة عبد الله يوسف أحمد أولى الفصائل المعارضة للنظام التي تأسست عام 1978م – بالاتصال ببعض قيادات حركة الإصلاح الإسلامية في المنفى للانضمام إليها والعمل معها، ولكنهم رفضوا بتلك العروض(8)، فبالإضافة إلى الاختلاف الأيدولوجي بين الطرفين، فقد كان هناك عاملان أساسيان حالا دون تحقيق الانسجام أو التحالف بين الحركات الإسلامية والجبهات المعارضة المسلحة للعمل معا على اسقاط النظام، وهما: اعتماد الجبهات للعنصر القبلي في العمل المسلح، والاحتماء في أحضان إثيوبيا واعتبارها دولة راعية للمعارضة الصومالية، وهما قضيتان لا يمكن أن يقبلهما الإسلاميون الذين يرفعون الشعار الإسلامي ويضمون في صفوفهم أعضاء من مختلف القبائل الصومالية، كما لايمكن أن يذهبو إلى إثيوبيا حيث يتناقض ذلك مع المبادئ الإسلامية والوطنية التي يؤمنون بها.

ومن جانب آخر كانت الجبهات تستخدم الأدبيات الإسلامية وترفع شعارات الجهاد وتطبيق الشريعة، وكانت تطلق  مقاتليها بـ (المجاهدين) بغرض الحصول على مزيد من التأييد من الشعب الصومالي واللعب على الوتر الديني عند الحاجة، وإضفاء طابع القداسة على عملياتها العسكرية تمامًا مثلما كانت تستخدم الوتر العشائري، ومن جهة أخرى كان بعض أفراد الحركات الإسلامية يبدي تعاطفه مع هذه الجبهة أو ذاك، وذلك من منطق العداء مع النظام على قاعدة (عدو عدوك صديقك) أو من منطلق الانتماء العشائري.  وكان الاتحاد الإسلامي (الاعتصام حاليا) ذو التوجه السلفي قد أعلن أواخر عام 1990م نفسه حركة معارضة للنظام وأعلن نيته في الخوض في العمل المسلح ضد النظام، وذلك دون القيام بأية خطوة عملية عسكرية ضد النظام.

وفي ظل تلك العلاقة التي يعيشها الطرفان الفصائل المسلحة والجماعات الإسلامية التي تقوم فقط على معارضة النظام، دون وجود أي نوع من أنواع التعاون أو التحالف، استطاعت الفصائل الأربعة الرئيسية للمعارضة الصومالية وهي:  الجبهة الصومالية الديمقراطية للإنقاذ (SSDF) في الشمال الشرقي، والحركة الوطنية الصومالية (SNM) في الشمال،  والمؤتمر الصومالي الموحد(USC) في المحافظات الوسطي والعاصمة، والحركة القومية الصومالية(SPM) في الجنوب الغربي – من اسقاط نظام برى في يناير 1991م، ولكنها فشلت في التوصل إلى صيغة للتوافق وإخراج البلاد من حالة الفوضى والدمار، واستمرت المواجهات فيما بينها في العاصمة والمحافظات، وذلك بسبب محاولة الفصائل الكبرى بتحقيق الانتصار الساحق على الآخرين وفرض السلطة بقوة أمر الواقع، وفشلت محاولات المصالحة بين الفرقاء الصوماليين ووصلت إلى طريق مسدود، وتواصلت عمليات القتل العشوائي على أسس النعرات القبلية في الجنوب. وانتشرت المجاعة والفوضى في البلاد، وأصبحت الصومال نموذجا للفوضى والدمار والمجاعة على مستوى العالم.

ارتبطت مواقف الجبهات تجاه الإسلاميين بالمسار السياسي الذي انتهجته الجماعات الإسلامية لاحقا، فقد اتخذ الإسلاميون الصوماليون – وخصوصا حركتي الإصلاح الإخوانية والاتحاد الإسلامي السلفي أبرز نموذجين للإسلاميين في الصومال خاصة في الجنوب – مسارين مختلفتن تجاه الفصائل أصبحا المحددين الرئيسيين لعلاقتهما مع الفصائل المسلحة والعشائر الصومالية، أولها: الابتعاد عن الخوض في القتال الدائر بين الصوماليين، باعتباره فتنة، ومن ثَّم تكون مسئولية الحركات الإسلامية في هذه المرحلة العمل على وقف الحرب والصلح بين الفصائل والعشائر، واتخذته حركة الإصلاح، أما المسار الثاني: فقد كان يقوم على تنظيم الإسلاميين أنفسهم وتشكيل مليشيات مسلحة والسيطرة على المناطق وإقامة إمارة إسلامية، وفرض الحكم الإسلامي عليها وإعلان الجهاد على الآخرين، و اتخذته حركة الاتحاد الإسلامي السلفية.

وعلى هذا الأساس، قامت حركة الاتحاد الإسلامي (الاعتصام حاليا) بإنشاء المعسكرات لتدريب الشباب، وخاضت جولات من المعارك مع مختلف الجبهات، وذلك مع المؤتمر الصومالي الموحد بقيادة عيديد في البداية في منطقة أراري قرب كسمايو عام 1991، ومع الجبهة الصومالية الديمقراطية للإنقاذ بقيادة عبد الله يوسف في المحافظات الشمالية الشرقية في العام التالي، ومع الجبهة الوطنية الصومالية بقيادة عمر حاجي مصلي مدعومة بقوات إثيوبية في محافظة جذو جنوب غرب الصومال عام 1996م، كما أن عملياتها العسكرية تجاوزت الحدود الدولية وخاضت معاركها مع القوات الإثيوبية في الإقليم الصومالي في إثيوبيا، كما أعلنت مسئوليتها في عمليات هجوم وقتل حصلت في مدينتي ديريدوا وأديس أبابا عام 1995م(9)، ومنيت الحركة هزائم متتالية في تلك المعارك.

أدخلت المعارك التي خاضتها الحركة مع الفصائل والقبائل الموالية لها أزمة داخلية مع بعض القبائل وخارجية مع الحكومة الاثيوبية، قادها إلى مراجعات سياسية لقيادات الحركة في مناطق الجمهورية وإلقاء السلاح والاندماج مع المجتمع، وإعطاء الحرية لفرع الحركة في إقليم أوجادين في إثيوبيا في تحديد استراتيجتهم ومصيرهم حول مواصلة العمل المسلح من عدمه، ورفضت بعض قيادات ومجموعات من الحركة بتلك القرارات وتمسكوا في مواصلة العمل المسلح، وهو ما أدى إلى استمرار  وبقاء بعض الجيوب كما كان الحال في إقليم (جدو) في جنوب غرب الصومال.

أما حركة الإصلاح فقد حرصت على الوقوف على الحياد بين الفصائل  والعشائر  واعتبرت المواجهات التي كانت مستمرة فتنة، ودعت أبناءها من مختلف العشائر بالابتعاد عن المشاركة في الحرب، وبدلا من ذلك أطلقت الحركة شعارات ثلاثة للتعامل مع المجتمع الصومالي بما فيهم الفصائل المسلحة وزعماء القبائل منذ عام 1991م هي (الدعوة – الإغاثة – المصالحة) لمواجهة الحرب والأزمة الإنسانية التي أفرزتها، وإعادة ترميم السلم الأهلي.

جنبت تلك السياسية الحركة وأفرادها من التورط في الحرب الأهلية والصدام مع الجبهات المسلحة أو العشائر، وذلك بفضل التمسك بمبادئها والتزام أفرادها للخطوط الحمراء التي وضعتا لهم ،وتجنبهم المواجهة العسكرية وحمل السلاح ضد أي طرف صومالي مهما كانت الاستفزازات وعدم انجرائهم وراء المحاولات المستمرة لتوريطهم في العمل المسلح (10) رغم ما جري لبعضهم (بما فيهم قيادات في الصف الأول) من تعرضهم للقتل في فترات مختلفة من الحرب من قبل الأطراف المتعددة ولأسباب مختلفة، وذلك دون أن تفكر في الانتقام لهم .

استمرت الحركة في تطوير علاقاتها مع مختلف شرائح المجتمع الصومالي، وانضم إلى عضويتها رموز سياسية وعشائرية،  و بمرور الزمن ترسخ وجودها في مختلف المحافظات الصومالية، وقد أكسب انتماء وجهاء وأعيان لديهم وزنهم السياسي والإجتماعي إليها وقيامها على مسافة متساوية من الأطراف المتحاربة قدرًا من الاحترام في أوساط الشعب كان بمثابة حصانة ضد الاعتداء عليها.

(4) الإسلاميون وفكرة إعادة الدولة

لم تكن لدى الإسلاميين في بداية الأزمة رؤية سياسية واضحة تجاه الوضع الصومالي كغيرهم من الشرائح الصومالية- بما فيهم قادة الفصائل- وما سيكون علي الوضع في المستقبل القريب والبعيد، فقد كانوا قد خرجوا من حالة قمع فرضتهم العمل تحت الأرض في ظل وجود معظم القيادات في الخارج، فخرجوا إلى فوضى شديدة وأجواء سياسية بالغة التعقيد وانهيار للدولة ودخول الفصائل العشائرية إلى حروب شاملة، أدت إلى هروب كل فرد إلى حيث تعيش عشيرته، فكانوا يحتاجون إلى نفس يجمعون شملهم ويتحسسون الطريق الذي يسيرون عليه.

وبعد الشهور الأولى بعد انهيار الدولة والإفاقة من الصدمة بدأ ردود فعل الإسلاميين تظهر، وبدت مواقفهم من القضايا السياسية الصومالية الكبرى وأهمها وقف الحرب والمصالحة الوطنية وإعادة الدولة الصومالية مختلفة، تبعا لاختلاف المدارس الفكرية الإسلامية التي ينتمون إليها، والرؤى السياسية التي يحملونها، والعلاقة مع الأطراف السياسية الأخرى وأهمها الفصائل المسلحة التي كانت تتناحر للسيطرة على أكبر مساحة من البلاد من ثم فرض سلطة أحادية من طرف واحد، وفرض قبول أمر الواقع على الأطراف الأخرى، حيث أصبح لزاما على كل طرف أن يفكر في مصيره في ظل حالة الغليان والقتل العشوائي وغياب الافق نحو عودة الأمور إلى الوضع الطبيعي.

وعلى ضوء هذا الوضع المعقد والقاتم اتخذ الإسلاميون استراتيجيات مختلفة لإعادة النظام- كما ذكرنا – أبرزها الاستراتيجية القائمة على العمل السلمي والتهدئة، التي تنطلق من أن المشاركة في الحروب الأهلية لن يوصل الهدف المنشود وإنما يحرف الإسلاميين من تحقيق غايتهم، وأن الاجواء التي تولدت من غياب الدولة والحرية المطلقة تمثل فرصة ذهبية لتوصيل الرسالة إلى المجتمع الصومالي، وبناء قاعدة شعبية تحمل الفكرة الإسلامية، والدعوة إلى المصالحة ووقف الحرب، والحكم الإسلامي يأتي بعد ذلك تلقائيا ومثلته حركة الإصلاح الإخوانية، والثاني: منطق القوة العسكرية الذي يعتمد على فرض الإسلام من الأعلى عن طريق السيطرة على الحكم ومواجهة الجبهات المسلحة المتناحرة على الحكم لتنزيل الإسلام بعد ذلك إلى القاعدة الشعبية ومثلته حركة الإتحاد الإسلامي السلفية.

اتخذت حركة الاصلاح طريقها نحو إعادة الدولة الصومالية عبر النهج السلمي الذي ارتضته لنفسها، وذلك عن طريق مسارين التقيا في نهاية المطاف وساهما في ميلاد الحكومة الانتقالية مع بداية العقد الثاني من الأزمة الصومالية، أولها: هو  مسار التنمية، وثانيها : مسار المصالحة الوطنية، وكان التعليم وإنشاء المدارس من أهم الآليات التي تبنتها الحركة في التغيير الاجتماعي باعتباره مدخلا لخلق الوعي وبناء الشخصية الصومالية المسلمة الواعية، واعتبار الجهل وغياب الوعي هو أساس المشكلة الصومالية القائمة على القبلية والتناحر والانقسام، فأقيمت المدارس بمراحلها المختلفة منذ عام 1992 وصولا إلى الجامعات بعد منتصف التسعينيات،(11) كما قامت الحركة بإيفاد شبابها إلى الجامعات العربية منذ السنوات الأولى من الأزمة.

وعلى المستوى السياسي اتخذت الحركة آلية المصالحة بين القبائل التي سمتها (المصالحة الاجتماعية) وذلك قبل  المصالحة بين الفصائل (المصالحة السياسية)، حيث كان الصرا ع  بين الأطراف الصومالية في مرحلة العنفوان، وكانت الأطراف المتحاربة لا تصغي لأي نداء نحو المصالحة والتهدئة، واستخدمت الحركة إصدار البيانات حول الأحداث الصومالية لبيان موقف الحركة وتوجيه الشعب، كما كانت تطلق النداءات واللقاءات وأحيانا المسيرات للتعامل مع المواجهات ووقف إطلاق النار (12).

قامت الحركة بتطوير آلياتها السياسية نتيجة لإكتساب الخبرات لديها خلال السنوات الثلاثة الأولى من العمل فأنشأت المجلس الصومالي للمصالحة عام 1994م في مقديشو  وفتحت له فروع في المحافظات الجنوبية التي كانت ساخنة أكثر من أي منطقة أخرى، وفي تلك الفترة كانت الحركة تنظم الحفلات والمؤتمرات الشعبية في المناسبات الوطنية والإسلامية كعيد الاستقلال والوحدة والمولد النبوي الشريف وغيرهما(13)،  وأسست مركز القرن الأفريقي للدراسات الانسانية الذي كان يصدر مجلة أسبوعية باللغتين الصومالية والعربية، بالإضافة إلى التقارير السياسية التي كان يصدرها المركز بصفة دورية، وكانت المادة السياسية والإعلامية للمجلة – تحمل في طياتها خطابا مختلفا عن المنابر الإعلامية التابعة للفصائل والقبائل التي كانت تذكي نار الحرب الأهلية بين أبناء الشعب الصومالي،  كما حرصت على المشاركة في مؤتمرات المصالحة الصومالية في دول الجوار بصفة مراقبين كلما تحين الفرصة لها، وتوثقت علاقاتها مع بعض قادة الفصائل وزعماء القبائل من خلال العمل معهم.

و في ظل حالة الجمود التي شهدتها عملية المصالحة الصومالية مع منتصف التسعينات وذلك بعد انسحاب القوات الدولية من الصومال في مارس 1995، وفشل العديد من مبادرات دول الجوار الإقليمي قامت الحركة ببلورة رؤييها السياسية ، وأحدثت آلية جديدة لكسر الجمود الذي ساد في عملية المصالحة، فانتهجت ما سمته “سياسة الأمر الواقع” التي سمحت بموجبها أعضاءها بالانضمام إلى الفصائل المسلحة بعد أن كانت تمنعها في السابق، بل المشاركة في قيادة الجبهات بغرض التأثير عليها وتوجيهها وتغيير المسار الذي تسير عليها ومنع المواجهات المستمرة بينها، وهو ما شجَّع الحركة  على القيام بالمصالحة الشاملة منذ عام 1998م وارسال الوفود إلى المحافظات المختلفة(14)، تلك الظروف التي مهدت الطريق لعقد مؤتمر عرتا في جيبوتي عام 1999م.

ومن جانبها كانت حركة الاتحاد الإسلامي بعد فشل معاركها مع الفصائل والعشائرية في مختلف المحافظات، قد اتخذت قرار حل المعسكرات والمليشيات التابعة لها والانخراط في المجتمع، ما عدا بعض الجيوب والمجموعات التي رفضت قرارات الحركة، واتجه معظم أفرادها في الانخراط في العمل السلمي والتنمية، وقامت انشاء المدارس وملاجئ الأيتام والمرافق الخدمية، والدخول في مجال الاقتصاد والتجارة فأنشأ بعض أعضاءها شركات تجارية ناجحة على طول البلاد وعرضها تخطت حدود القبائل، فساهمت تلك الشركات في انعاش اقتصاد البلاد الذي دمرته الحرب، والمشاركة في تمويل المشاريع الخيرية المقدمة للشعب، وهو ما ساهم في التنمية والاستقرار النسبي الذي شهته البلاد منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي.

وشكل التحول الكبير الذي أحدثه الإسلاميون في المجتمع الصومالي في قيادتهم نحو الاستقرار ووقف الحرب وتغيير البنية الاجتماعية للصراع ، وذلك عبر التنمية من خلال المدارس والجامعات والشركات الاقتصادية وفرص التعلم والعمل التي وفرتها تلك المؤسسات والتحول الثقافي الذي جرى ، ونشأة المجتمع المدني، وتغيير بنية الفصائل المسلحة، وعودة الكثير من الشباب الخريجين من الجامعات في البلدان العربية إلى البلاد، وتقلص مليشيات الفصائل و سلطة أمراء الحرب، ونجاج المصالحة بين العشائر  – الأرضية التي قامت عليها مبادرة جيبوتي للمصالحة وانعقاد مؤتمر عرتا 1999م، وتخطي قادة الفصائل المسلحة وكسر احتكارهم بالقرار الصومالي، وقيادة الإسلاميين والمجتمع المدني في العملية السياسية وميلاد حكومة عبد القاسم عام 2000م ، وكانت الحكومات الانتقالية تنيجة طبيعية للنهج السلمي الذي قادته حركة الاصلاح بالمشاركة مع المجتمع المدني، ومساندة الحكومة الجيبوتية، وفي مؤتمر عرتا في جيبوتي تم وضع القواعد التي تقوم عليها أسس العملية السياسية الصومالية حتى الآن.

ثالثا- الإسلاميون والحكم في الصومال

من مؤتمر عرتا (جيبوتي ) 2000م إلى مؤتمر جيبوتي 2009م

تتناول هذه الحلقة الدور السياسي للاسلاميين في الفترة من مؤتمر المصالحة في عرتا بجيبوتي عام 2000 الذي انبثقت منه أول برلمان وحكومة انتقالية وحتى عام 2009 وهو أيضا عام المصالحة بين الحكومة الانتقالية وتحالف إعادة تحرير الصومال(المحاكم الإسلامية سابقا). وتتكون الحلقة من محورين، الأول: الإسلاميون والحكومات الانتقالية (حكومتي عبد القاسم صلاد وعبد الله يوسف)، والثاني هو: الإسلاميون والمحاكم الإسلامية.

الإسلاميون والحكومات الانتقالية

يعتبر مؤتمر عرتا في جيبوتي عام 1999/2000م أول مؤتمر صومالي للمصالحة الوطنية ينجح في التوصل إلى اتفاق يضع أسس المصالحة والدولة الصومالية ويشكل على أساسه برلمانا وحكومة انتقاليتين وذلك منذ انهيار الدولة الصومالية عام 1991، وهي نفس الأسس التي تسير عليها الدولة الصومالية والعملية السياسية برمتها حتى الآن. وجاء المؤتمر بعد عقد من الأزمة الصومالية وعلى إثر فشل العديد من مؤتمرات المصالحة الصومالية التي تم تنظيمها من قبل دول الجوار المختلفة انتهت كلها إلى طريق مسدود، بسب تعنت قادة الفصائل وأمراء الحرب الذين أصبحوا غير مهتمين بإعادة الدولة الصومالية واتخذوا مؤتمرات المصالحة أحد آليات استمرار أوضاع الحرب من جهة، ونيجة لشدة استقطاب دول الجوار للفصائل الصومالية من جهة أخرى.

وكان من أهم مخرجات المؤتمر إجراء مصالحة بين العشائر الصومالية ، ووضع أسس العملية السياسية وقاعدة تقاسم السلطة في المرحلة الانتقالية ووضع ميثاق انتقالي تم على أساسه تعيين أعضاء البرلمان وانتخاب رئيس الجمهورية ، وتمكن البرلمان والحكومة في الانتقال إلى الميدان مباشرة واتخاذ العاصمة مقديشو مقرا لهما، وترحيب الشعب الصومالي في العاصمة والمحافظات المختلفة لهما، مما كان يمثل سابقة في العملية السياسية الصومالية في حينها.

وتعود أسباب نجاح جيبوتي إلى طرح منهجية مختلفة لعملية المصالحة الصومالية تمثلت في تغيير أسس التمثيل عبر الدعوة إلى زعماء العشائر الصومالية بدلا من قادة الفصائل المسلحة كما جرت العادة، والمشاركة الشعبية الواسعة متمثلة في المجتمع المدني ومنظمات المرأة والإسلاميين وشخصيات صومالية عامة وقيادات سياسية تاريخية في الداخل والمهجر، وكان من أسباب نجاح وساطة جيبوتي في تلك الفترة تزامن انعقاد المؤتمر في وقت كانت دول الجوار الإقليمي – وأهمها مصر وإثيوبيا – تشعر باليأس وتبدي عدم تحمسها لتنظيم مؤتمر مصالحة جديد للصوماليين بعد الفشل المتكرر لوساطتها وخصوصا بعد فشل الدولتين  في مؤتمري سودرى (1997) والقاهرة (1998)، مما ساهم في عدم المسارعة تلك الدول إلى افشال المؤتمر والوساطة الجيبوتية منذ البداية كما كان عليه الحال في تلك الفترة، وانتظار ما تسفر عنه الجهود الجيبوتية.

وأثبت مؤتمر عرتا في جيبوتي قدرة الصوماليين على التوصل إلى اتفاق وتشكيل حكومة انتقالية، كما أثبت وجود قيادة صومالية غير زعماء الحرب تحظى بالشرعة تتمثل في زعماء العشائر وقيادات المجتمع المدني والزعماء الدينيين وشخصيات عامة، وفي نفس الوقت إمكانية تخطي قادة الفصائل المسلحة واستبعادهم وعزلهم بل إمكانية معاقبتهم وملاحقتهم دوليا باعتبارهم مجرمي حرب يسعون إلى عرقلة المصالحة والحيلولة دون أن تأخذ العدالة الانتقالية في الصومال مجراها. وأثبت المؤتمر أيضا قدرة جيبوتي الدولة الصغيرة في المنطقة على الوساطة بين الصوماليين وتنظيم مؤتمر  مصالحة ناجحة بسبب الأوراق السياسية التي تملكها وأهمها الثقة التي يوليها الصوماليون لها باعتبارها جزءًا من الصومال الكبير، ورغبة قادتها في استعادة الدولة الصومالية أكثر من غيرها، وعدم الحساسية التي كانت تبديها أطراف الصراع الإقليمي من الدور الجيبوتي باعتبارها دولة صغيرة ومحايدة في الصراع الإقليمي تراعي توازنات دقيقة في علاقة المكونات الداخلية لديها وعلاقاتها الخارجية مع أطراف الصراع في المنطقة تاريخياً.

وكان للاسلاميين دور محوري في نجاح مؤتمر عرتا في جيبوتي، وكانوا جزءًا كبيرًا من مخرجات العملية في البرلمان والحكومة والظهير الشعبي لها، وخاصة حركة الإصلاح التي كانت بمثابة العمود الفقري للعملية برمتها، وذلك بسبب خبرة الحركة في المصالحة الوطنية التي بدأت بإطلاق استراتيجيتها بهذا الصدد عام 1992م، وإجراء المصالحة بين العشائر الصومالية، وانشاء جهاز خاص لها سمي بـ”مجلس المصالحة الصومالية” عام 1994م في مقديشو، و نشر بعد ذلك فروعه في المحافظات الجنوبية وقام بتنظيم عشرات العمليات المصالحة بين القبائل الصومالية، وانتقل بعدها إلى إطلاق ما سماه بالمصالحة السياسية بين الجبهات منذ أواخر التسعينات، إلى جانب إعداد التقارير والدراسات المتعلقة بالمصالحة. وكان مؤتمر قبائل الهوية في مقديشو عام 1999 قبيل إطلاق مؤتمر عرتا أكبر عملية مصالحة قام بها مجلس المصالحة الصومالية التي أنشأتها حركةالإصلاح في تلك الفترة .

وكانت الحركة قد وضعت خبرتها في مجال المصالحة وعلاقاتها الواسعة مع الأطراف المختلفة في أيدي الوساطة الجيبوتية، وتعاونت معها في تنظيم المؤتمر وفي دعوة الوفود المشاركة وانجاحه وتجاوز المطبات السياسية التي اعترضته وتقديم المشورة التي تحتاجها الوساطة الجيبوتية، وأبدى رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيلى الذي كان قد تسلم زمام الحكم في البلاد للتو خلفًا لحسن جوليد تحمسه لعقد المؤتمر، وتبني المنهجية الجديدة للمصالحة، وتسويق المبادرة إقليميا ودوليا، وتحييد دول الجوار المتنافسة على الملف الصومالي قبل الدعوة إلى المؤتمر، ومن ثم أصبح أفراد من حركة الإصلاح وبعض الشخصيات والرموز الإسلامية الأخرى فيما بعد أعضاء في البرلمان والحكومة الانتقالية.

أما المجموعات السلفية فلم يكن لديها رؤية سياسية واضحة في عملية المصالحة الوطنية بصورة عامة أو المقدرة على قراءة مبادرة جيبوتي ومن ثم لم يكن لديها دور في المؤتمر باستثناء بعض الشخصيات والرموز السلفية المشاركة في المؤتمر التي لم يكن لديها انتماء تنظيمي، وأبرزها الشيخ عمر فاروق الذي كان من أهم الرموز الإسلامية في المؤتمر ، وأصبح أيضا عضوًا في البرلمان الانتقالي المنبثق عن المؤتمر، وكانت القيادات والرموز والرأي العام السلفي في مجمله يعارض المؤتمر وينتقدها في خطب الجمعة في مساجد مقديشو لأسباب غير سياسية تتعلق معظمها بمشاركة الفانيين والمطربين الصوماليين الذين كانوا ضمن المجموعات المشاركة والأغاني والمسرحيات الوطنية التي كانت تعرض على مسرح المؤتمر، و كانت انتقاداتها مبنية أيضا على مشاركة شخصيات نسائية غير محجبة في المؤتمر، وذلك في وقت عارضت إثيوبيا مخرجات مؤتمر عرتا بحجة سماح الإسلاميين وخاصة أعضاء الاتحاد الإسلامي بالمشاركة في المؤتمر والحصول على عضوية البرلمان والحكومة، وإلى جانب المشاركين في المؤتمر فقد تم تعيين بعض قيادات المحاكم الإسلامية في مقديشو  أعضاء في البرلمان.

فشلت حكومة عبد القاسم المشكلة في مؤتمر عرتا بسط سيادتها على مقديشو العاصمة فضلا عن المحافظات الأخرى، وأصيب الشعب الصومالي الذي منحها التأييد المطلق بخيبة الأمل من جديد. فبالإضافة إلى الأسباب المتعلقة بضعف قيادة الحكومة والخلافات التي نشبت بين قياداتها، فقد عملت الفصائل المسلحة والحكومة الإثيوبية المتحالفة معها على تحجيم حكومة عبد القاسم وتضييق الحصار عليها وفرض العزلة الدولية عليها بإتهامها بضم قادة الحركات الإرهابية في صفوفها، وتحفظت عليها أمريكا والدول الأوربية. ومثلت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة الضربة القاضية على حكومة عبد القاسم، واعتبر المجتمع الدولى الاتحاد الإسلامي والقاعدة منظمتين إرهابيتين، واعتبر الصومال الملاذ الآمن لها (15) ، وقامت إثيوبيا وكينيا بالدعوة إلى مؤتمر مصالحة جديد في كينيا بين الحكومة والفصائل المعارضة بها عام 2002م.

قام مؤتمر إمبغاتي في كينيا على أنقاض مؤتمر عرتا ومخرجاته واستبعاد مكوناته من الإسلاميين والمجتمع المدني، واستبدالهم بزعماء الجبهات المسلحة وإعادة الاعتبار لهم، ورغم إزاحة الجهود التي بذلت في عرتا والنتائج المثمرة التي حققها المؤتمر واستبعاد الإسلاميين والمجتمع المدني، إلى أن المجتمع الدولى لم يستطع تجاهل الأسس والقواعد الجديدة التي وضعها المؤتمرون للمصالحة وتقاسم السلطة (وهي نفس القواعد التي تجري عليها العملية السياسسية برمتها حتى الآن) مع إجراء تعديلات طفيفة عليها، وكانت مخرجات المؤتمر بعد سنتين من انعقاده تشكيل البرلمان والحكومة التي قادها عبد الله يوسف عام 2004م وشغل أمراء الحرب أبرز حقائبها الوزارية.

حظيت حكومة عبد الله يوسف أحمد مشاركة محدودة للإسلاميين بل والمجتمع المدني والعناصر غير المسلحة عموما مقارنة بحكومة عبد القاسم، ونجح عدد محدود من الإسلاميين في الحصول على مقاعد في البرلمان عبر  عشائرهم، وساهم العداء التاريخي بين عبد الله يوسف رئيس حكومة امبغاتي وحركة الاتحاد الإسلامي(وخصوصا بين قيادات الحركة في عشائر الهوية من أمثال حسن طاهر أويس ) منذ المواجهات بين الطرفين عام 1992 في بوصاصو  في معارضة يوسف وحكومته، وشارك أيضا أمراء الحرب في مقديشو الذين كانوا وزراء في الحكومة في العمل معًا للحيلولة دون مجيء حكومة عبد الله يوسف في مقديشو وسعى الطرفان في مواجهتها وإفشالها.

وأخيرا  قام تحالف المحاكم الإسلامية الذي ضم طيفًا واسعًا من الإسلاميين ذوو خلفيات ومدراس فكرية مختلفة من بينهم حركة الشباب المرتبطة بالقاعدة وزعماء حرب وشيوخ عشائر وتجار حرب بمحاولة القضاء على حكومة يوسف بالهجوم على مقر الحكومة في بيدوا المعترفة من قبل المجتمع الدولي، لفرض واقع جديد على الصومال من طرف واحد، وذلك بسبب النشوة التي انتابت قادتها بعد الانتصار الساحق والمفاجئ الذي حققته على أمراء الحرب في مقديشو وسيطرتها على العاصمة ومعظم المحافظات الجنوبية. وبعد انهيار المحاكم على أيدي القوات الحكومية والإثيوبية انتهجت المجموعات التي كانت منضوية تحت مظلة المحاكم بحرب عصابات ضذ حكومة يوسف والقوات الإثيوبية في البلاد ونجحت في فرض حصار عليها ومنعها من بسط سلطتها في البلاد.

وعلى خلاف معظم التيارات الإسلامية التي عارضت حكومة يوسف في البداية وحاولت القضاء عليها لاحقًا رحبت حركة الإصلاح – رغم اقصائها عن المشاركة في مؤتمر امبغاتي للمصالحة – بالحكومة الانتقالية وقدمت لها النصائح والمشورة، ووقفت على الحياد ونأت بنفسها من الانحياز إلى أحد الطرفين المتصارعين، وقدمت الحركة لاحقا مبادرة للجمع بين الحكومة الانتقالية في بيدوا والمحاكم الإسلامية في مقديشو ،وذلك لدمج الشرعية الدولية التي كانت تتمتع بها الحكومة الانتقالية بشرعية الواقع التي فرضته المحاكم في مقديشو ، ولكن المحاكم تجاهلتها إذ لم تكن مستعدة لقبول مبادرة من أي جهة كانت، وكان موقف الحركة هذا يستند إلى قناعتها بضرورة إعادة الدولة الصومالية بأي شكل من الأشكال حفاظا على وجود الشعب الصومالي المهدد بالفناء، وذلك عبر طريق المصالحة والحوار وعدم جدوى محاولات استخدام القوة والسلاح لفرض واقع جديد من طرف واحد(16).

تناقص دور الحركة باعتبارها حركة مدنية غير مسلحة استخدمت وسائل سلمية وسياسية لحل المشكلة، في الوقت الذي سار التيار محليًا واقليميًا ودوليًا في تلك الفترة نحو الحلول العسكرية والإقصائية و عسكرة المجتمع الصومالي بعد سنوات من الاستقرار النسبي وانتشار المؤسسات التعليمية والشركات الاقتصادية العابرة لحدود العشائر،حيث أصبح موقف حركة الإصلاح في وضع صعب للغاية بحيث لم تكن الأطراف المختلفة تقبل الحياد، وكان يسود المنطق القائل (إما أن تكون معي أو ضدي).

وكان هزيمة أمراء الحرب في مقديشو وانتصار المحاكم الإسلامية نقطة التحول الجذري في الصراع الصومالي، حيث أصبح المجموعات الإسلامية المنضوية تحت المحاكم المعارضة المسلحة الوحيدة في البلاد، وتلاشي المعارضة التقليدية المرتبطة بالعشائر، وتحول شعار الحرب الأهلية من الواجهات القبلية إلى صبغة دينية. وهو ما دفع الغرب وأمريكا فيما بعد إلى فرز المحاكم واقناع المجموعات المعتدلة – التي كانت تحارب من أجل المشاركة السياسية – بالانضمام إلى العملية السياسية التي انتهت باتفاق جيبوتي بين الحكمومة الانتقالية وتحالف إعادة تحرير الصومال(المحاكم الإسلامية سابقا- جناح شريف شيخ أحمد ) في يناير 2009، الذي تم بموجبه انتخاب شريف رئيسا للصومال، بينما بقيت حركة الشباب ومجموعات متشددة أخرى في المعارضة المسلحة.

الإسلاميون وتحالف المحاكم الإسلامية

تعود جذور فكرة المحاكم الإسلامية في الثقافة الصومالية إلى دور الشيخ والفقيه والقاضي والزعيم الروحي في القبيلة في مرحلة ما قبل الاستعمار، وقد أدى إنهيار الدولة وعودة الشعب الصومالي إلى وضع ما قبل الدولة إلى استدعاء فكرة القاضي والفقيه الذي يفصل بين الصوماليين على الشريعة الإسلامية في غياب أجهزة الدولة. وكانت بداية نشأة هذا النوع من المحاكم لدى سكان المدن بعد اندلاع الحرب الأهلية في الشمال وهجرة سكان مدينتي هرجيسا وبرعو إلى إثيوبيا، حيث نشأت محاكم أهلية وسط مخيمات هؤلاء اللاجئين(17) . وبعد انهيار الدولة عام 1991 جرت محاولات مشابه من قبل بعض الأعيان لإنشاء هذا النوع من المحاكم في مقديشو عقب الإطاحة بنظام برى عام 1991م مباشرة، وذلك قبل أن يتم تشكيل جهاز المحاكم.

تطور ذلك خلال عامي 1994و1995م نتيجة للفراغ الناجم من انسحاب  القوات الدولية من الصومال وفشل الفصائل المسلحة، وحالة الجمود التي سادت عملية عقد مؤتمرات المصالحة وتلاشي أمل استعادة الدولة ووفاة عيديد الرجل الأقوى في مقديشو، وتوقف الحروب الشاملة التي كانت تجتاح البلاد ، مما كان إيذانا بمرحلة اعتماد كل عشيرة على نفسها في تيسير شؤونها، فبدأ انشاء المحاكم في شمال مقديشو وترأس الشيخ على طيرى أولى تلك المحاكم ثم انتشرت في المحافظات في بلدوين وبيدوا، وكانت في المرحلة الأولى تقوم بتنفيذ الحدود، بينما اقتصرت عملياتها في نهاية التسعينيات على التوعية والفصل في الخصومات وإعادة التأهيل.

وكان للاتجاه الصوفي وجماعة آل الشيخ بقيادة الشيخ محمد معلم حسن دور كبير في فكرة إنشاء محاكم أهلية إسلامية وكانت الفكرة والشعار الإسلامي عموما يلقى تأييدًا واسعًا من عامة الشعب والإسلاميين الذين كانوا يرون إعلان تطبيق الشريعة بمثابة حل سحري للفوضى العارضة التي عاشوها، وعقابا صارما للعصابات التي تمارس القتل والنهب، وشارك مختلف الأطياف الإسلامية من السلفية والصوفية والإخوان في إنشاء وإدارة وتوجيه المحاكم منذ عام 1994 بصورة أو بأخرى حين بدأت المحاكم تأخذ دور بارزا في مقديشو والجنوب.

جرت تطورات إقليمية ودولية منذ منتصف التسعينيات من القرن العشرين كان لها انعكاساتها على الأوضاع الداخلية في الصومال وعلى الإسلاميين والمؤسسات المرتبطة بهم:

أولها : هزيمة حركة الاتحاد الإسلامي في أوجادين واحتلال إثيوبيا لقواعدها في محافظة جدو الصومالية عام 1996، وهروب بعض قياداتها إلى مقديشو، حيث نقلت إثيوبيا معركتها مع حركة الاتحاد إلى مقديشو والداخل الصومالي عبر تنفيذ حلفائها لعمليات اغتيالات واختطاف للمطلوبين لديها،

والثاني هو: تطور دولي تمثل في تفجير سفارتي الولايات المتحدة في شرق أفريقيا، واتهام الولايات المتحدة بعض العناصر الصومالية بمشاركة عملية الهجوم واستخدام ملاجئ للقاعدة  في الأراضي الصومالية ،

وأخيرًا :أحداث الحادي عشر من سبتمبر  وما تلاها، كل ذلك جعل العناصر الإسلامية المستهدفة اقليميًا ودوليًا البحث عن حماية لنفسها ولنشاطاتها، فوجدت ضالتها في المحاكم (18).

ومنذ هجمات 11 سبتيمر 2001 في واشنطن ونيويورك وإطلاق أمريكا سياستها لما سمته محاربة الارهاب وبدء عمليات القبض والاغتيالات على العناصر المطلوبة لديها عبر أمراء الحرب المتحالفيين معها – اتخذت المحاكم أدوار سياسية وعسكرية، وانضمت العناصر المطلوبة إلى تحالف المحاكم، ومن ثمَّ خرجت المحاكم من سلطة العشيرة وأصبحت كيانا أكثر استقلالا، واتخذت مسارًا أكثر تشددًا، في الوقت الذي اشتدت عمليات القتل والاغيتالات المنظمة التي تتبادلها أطراف الصراع الصومالية المرتبطة بالأطراف الإقليمية والدولية.

تحولت المحاكم الإسلامية في السنوات التالية لتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر 2001 في أمريكا من جهاز تابع للعشائر مخول فقط لاستتباب الأمن والفصل في الخصومات ولا علاقة له بالعمل السياسي ولا بشؤون القبائل الأخرى إلى جهاز مستقل لديه أجندة سياسية وعسكرية، يدافع عن نفسه وعن قياداته ضد الفصائل المسلحة وأمراء الحرب المتعاونة مع الأطراف الخارجية، وفرضت الضغوط المحلية والدولية عليها بالتنسيق والتعاون فيما بينها وصولا إلى انشاء تحالف يجمعها وتحت قيادة واحدة تحت اسم “اتحاد المحاكم الإسلامية” وذلك منذ عام 2004، وانضمت إليه جميع المحاكم في مقديشو،إضافة إلى المجموعات الإسلامية المسلحة وأهمها المجموعات المرتبطة بالقاعدة (حركة الشباب فيما بعد) وبدأت تقوم بتنفيذ عمليات مشتركة لها(19).

ومن ناحيتهم قام أمراء الحرب أيضا بعد المقاومة الشرسة التي واجهوها في معاركهم ضد المحاكم التي لم يتعودوا بها بإنشاء تجمع سموه بـ”تحالف إرساء السلام ومحاربة الإرهاب” وكان مما عجل في خوض الطرفين – اللذين كانا متحدين في منع حكومة يوسف من مجيئ مقديشو – في المواجهات العسكرية هو تلاشي خطر الحكومة الانتقالية التي انتقلت إلي بيدوا منذ عام 2005م (20) .

استغلت المحاكم الإسلامية بسخط الرأي العام الصومالي من تصرفات أمراء الحرب، بالإضافة إلى السخط العام عربيًا وإسلاميًا من سياسة أمريكا بعد غزوها على أفغانستان والعراق، وتزامنت تلك الفترة بأوج عمليات الاغتيالات المتبادلة في مقديشو، فاستطاع تحالف المحاكم بتأليب الرأي العام الصومالي ضد أمراء الحرب، وإلحاق الهزيمة بهم، وطردهم من مقديشو مع حلول عام 2006، وتوحيد العاصمة لأول مرة منذ عقد ونصف، وتمكنت المحاكم قبل نهاية عام 2006 من السيطرة على معظم المحافظات في وسط وجنوب الصومال.

وقد أغرى الانتصار العسكري الكبير الذي حققه اتحاد المحاكم الكثير من الجماعات الإسلامية وقيادات سياسية وعشارية بالانضمام إليها ومحاولة اقتسام الكعكة معها، كما أن الجماهير الصومالية في الداخل والخارج التي كانت متعطشة للسلام ومتذمرة من تصرفات أمراء الحرب الذين أصبحوا عقبة كأداء على طريق السلام والمصالحة وإعادة الدولة الصومالية خلال عقد ونصف – قد علقت آمالها على المحاكم، ومنحتها التأييد المطلق لها، على أمل استعادة الأمن والاستقرار للبلاد.

وكانت حركة الإصلاح قد أخذت مسارًا مختلفًا بعيدا عن المحاكم تدريجيا منذ نهاية التسعينات، باعتبارها حركة إسلامية مدنية غير مسلحة، وبدأت الحركة بعد الحادي عشر من سبتمبر  وإعلان الولايات المتحدة نيتها في القيام بعمل عسكري ضد الصومال بتوضيح سياستها ومبادئها، وأصبحت في تلك الفترة الحركة الإسلامية الوحيدة المعلنة التي تتحدث باسمها وتقابل الصحافة الغربية وتتحدث مع وسائل الاعلام العالمية، وساهمت جهود الحركة في هذا الصدد في تجنيب الشعب الصومالي من الغزو الأمريكي من خلال تقليل وجود للقاعدة في الصومال، وعدم التسرع إلى توجيه ضربات عسكرية إليها التي غالبا ما كان تصيب المدنيين الصوماليين المثقلين أصلًا بأعباء الحرب الأهلية.

وعلى عكس التيارات الإسلامية ، فإن حركة الإصلاح لم يغريها هذا الانتصار، ورفضت عروضا مغرية بخصوص الانضمام إلى تحالف المحاكم من بعض الأطراف الفاعلة فيها، وتقلد مناصب سياسية بها، ولكنها بدلا من ذلك طلبت الحركة  من تحالف المحاكم بعد سيطرته على العاصمة ومعظم المحافظات الجنوبية طرح مشروع وطني للمصالحة وإعادة الدولة باعتبارها أقوى الأطراف الفاعلة في الصومال آنذاك، ورأت قيادات المحاكم وهي في قمة نشوة النصر رفض حركة الإصلاح بالاندماج معها واختيارها الاستقلال بمثابة تحدي في سلطتها وبدأت بخطوات للتضييق عليها ، فلم تكن مكونات المحاكم التي كان يغلبها طابع التطرف والاغترار بالانتصار العسكري السريع وغير المتوقع لها بالإضافة إلى الفوضى والهلامية التي تتصفها – بقبول التعدية أو تسمح بوجود آخر غير مصفق لها.

وكان أكبر إنجاز قام بها اتحاد المحاكم الإسلامية خلال الشهور الستة من عمره تشغيل مطار وميناء مقديشو بالإضافة إلى الأمن الذي تمتعت بها العاصمة والمناطق الجنوبية بسبب انهيار العصابات التي كانت تتحكم بها تلقائيا وليس بفعل قامت بها المحاكم، ولكنها وبدلا من إعادة بناء مؤسسات الدولة المنهارة وإجراء المصالحة وانشاء المرافق الخدمية انشغلت المحاكم بغلق محلات السينما ومنع مشاهدة كرة القدم ومواصلة عملياتها العسكرية والتطلع إلى السيطرة على المزيد من المناطق، وفشلت في تحويل النصر العسكري الكبير الذي حققته إلى انجاز سياسي، وكانت نهايتها عندما قاطعت المفاوضات مع الحكومة الانتقالية بوساطة الجامعة العربية في الخرطوم بضغوط من المجموعات المتشددة الفاعلة فيها، التي كانت غير راغبة في المصالحة، واتجهت بعد ذلك إلى بيدوا بهدف القضاء على الحكومة الانتقالية فيها، بل ذهبـت أبعد من ذلك بإعلان الحرب على إثيوبيا والذهاب إلى أديس أبابا، وكانت النتيجة بعد أقل من أسبوعين من اندلاعها بانهيار المحاكم ودخول القوات الاثيوبية مقديشو لأول مرة في التاريخ.

دخل الصومال بعد الإزاحة بالمحاكم الإسلامية بواحدة من أسوء مراحل الحرب الأهلية، فقد بدأت فلول المحاكم بحرب عصابات على الحكومة الانتقالية والقوات الإثيوبية ومنعتها من بسط سلطتها في البلاد، وكان من تبعاتها تدمير ما تبقى من العاصمة ونزوح مئات الآلاف من سكان العاصمة والمحافظات الجنوبية، وكان المحصلة النهائية لتلك الجولات من الحروب المدمرة قبول جناج من المحاكم غير فاعل عسكريا في الداخل بضغط من المجتمع الدولي بعد سنتين من المعارك الشديدة بدخول مفاوضات والتوصل إلى اتفاق جيبوتي 2009، والذي بموجبه تم انتخاب شريف شيخ أحمد رئيسا للحكومة الانتقالية دون أن تنتهي الحرب، حيث لم يستطع شريف وزملاءه باقناع معظم المجموعات العسكرية على الأرض الانضمام إلى الحكومة، ولا تزال المعارضة الرئيسية المسلحة للحكومة الصومالية حتى الآن من بقايا المحاكم تقوده حركة الشباب ويواجه القوات الصومالية والقوات الافريقية المساندة لها، ويعوق دون إعادة بناء الدولة الصومالية من جديد، وهو ما يشبه مصير الجبهات العشائرية التي أسقطت نظام سياد بري ولكنها أدخلت البلاد في دوامة العنف، ولم يجن الشعب الصومال من الثمن الباهظ التي دفعها لاسقاط برى غير الدمار  والانتقال إلى مرحلة أكثر دموية .

إن مشروع أمريكا حول ما سمته محاربة الارهاب والقاعدة والمواجهات التي دارت بينهما عالميا ومَثلَ الصومال أحد ميادينه الرئسية، ونتائجه الكارثية التي كان من بينها قيام اتحاد المحاكم الإسلامية والغزو الاثيوبي على الصومال وإعادة عسكرة المجتمع الصومالي بعد أكثر من عقد ونتائجه المدمرة  تعتبر  سببًا مباشرًا  لتحول مسار الحرب الأهلية الصومالية من حرب قبلية قائم على الصراع حول مصالح سياسية إلى حرب ذو أبعاد دينية وأيدولوجية، لديه ارتباطات اقليمية ودولية معقدة ، ويعد الخاسر الأكبر  هم الإسلاميون انفسهم والتيار المعتدل منهم حيث تم نسف رصيدهم في التعليم والتنمية(21) التي قاموا بها خلال العقد  الأول من الحرب الأهلية في الصومال.

 

 د. محمد إبراهيم عبدي* الصومال اليوم 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*– أستاذ مساعد في الجامعة الوطنية الصومالية ورئيس تحرير مجلة جامعة مقديشو

الهوامش


(1) للمزيد راجع: حمدي السيد سالم، الصومال قديماً وحديثاً،الجزء الثاني،جمهورية الصومال- وزارة الاستعلامات، مقديشو 1964م،ص272 وما بعدها.

(2)للمزيد راجع: د. حمدي عبد الرحمن حسن، العسكريون والحكم في أفريقيا، مركز دراسات الميتقبل الأفريقي، سلسلة دراسات أفريقية (1)، ط1، القاهرة 1996م.

(3) د. على مزروعى،  قضايا فكرية، أفريقيا والإسلام والغرب، ترجمة د. صبحى قنصوة وآخرون، مركز دراسات المستقبل آلافريقى،القاهرة 1998، ص97.

(4) للمزيد في معرفة دور كمال الدين صلاح راجع: أحمد بهاء الدين، مؤامرة في أفريقيا، دار احياء الكتب العربية، القاهرة ، 1958م.

(5) قانون الأسرة رقم 23 الصادر في 11/1/1975، في مادته 158.

(6) لمزيد في تاريخ الحركات الإسلامية في الصومال راجع، حسن عبد الله محمود، تاريخ الحركة الإسلامية في الصومال.

(7) للمزيد راجع الدكتور محمد أحمد شيخ علي، التدخل الدولي في الصومال- الأهداف والنتائج، مركز الراصد للدراسات، ط1، الخرطوم- 2005.

(8) روى ذلك الشيخ محمد أحمد جر يري المراقب الأول لحركة الإصلاح وذكر ها في أكثر من مناسبة.

(9) Moshe TerdmanSomalia at War – Between Radical Islam and Tribal Politics, The S. Daniel Abraham Center for International and Regional Studies, March 2008, P. 50.

(10) من تلك الهجمات الاستفزازية التي لم تقم الحركة بالرد عليها هجوم زعيم الحرب موسى سودي في أحد مراكز الاصلاح في حي المدينة في مقديشو عام 1996م ونهب الأثاث والجهزة الموجودة فيه.

(11) قام بعض قيادات الحركة بالتعاون مع شخصيات صومالية عامة بإنشاء جامعة مقديشو عام 1996م، وكانت أول جامعة تقوم في البلاد منذ انهيار الدولة وتوقف عمل الجامعة الوطنية الصومالية عام 1990م.

(12)  Abdurahman Moallim Abdullahi, THE ISLAMIC MOVEMENT IN SOMALIA: A Historical Evolution with a            Case Study of the Islah Movement (1950-2000),  Montreal, May, 2011,  P. 258.

(13)  Abdurahman M. Abdullahi (Baadiyow), THE ISLAH MOVEMENT: Islamic Moderation in War-torn Somalia, Mogadishu- Somalia, October, 2008, P. 16.

(14)Abid, P. 17.

(15) Georg-Sebastian Holzer, POLITICAL ISLAM IN SOMALIA

A fertile ground for radical Islamic groups, p 29.

(16) للمزيد حول مبادئ حركة الاصلاح واستراتيجيتها راجع:

Abdurahman M. Abdullahi, THE ISLAH MOVEMENT: Islamic Moderation in War-torn Somalia, Mogadishu,  Somalia, October, 2008, P. 9

(17)  محمد الأمين محمد الهادي، تقييم  فترة حكم المحاكم الإسلامية، تقرير الإسلاميون الصوماليون- من الهامش إلى مركز الأحداث، مركز الشاهد للبحوث والدراسات الإعلامية ، تقرير نصف سنوي، العدد الأول يناير 2010، ص 55.

(18) Georg-Sebastian Holzer, Op. Cit. P. 30.

(19) عبدي يوسف فارح، صعود المحاكم الاسلامية في الصومال- بين ثورة للتغيير وتجسيد للتطرف،دار الفكر العربي، الطبعة الأولى 2016، ص 13.

(20) Georg-Sebastian Holzer, Op. Cit. P. 33.

(21) لمعرفة المزيد على دور حركة الإصلاح في الصومال راجع:

Abdurahman Moallim Abdullahi,  THE ISLAMIC MOVEMENT IN SOMALIA: A Historical Evolution with a Case Study of the Islah Movement, (1950-2000), Montreal, May, 2011, P. 287-293.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق