شأن دولي

«داعش» والإرهاب المحلي في مصر والأردن

عندما كان «القاعدة» يصدر تهديدا تخرج العمليات بعده بمدة زمنية تقترب من ستة أشهر، بخلاف «داعش» الذي غالبا ما يخرج إصداره في إطار عمله على خطة لتفجير قريب يتبع التفجير بمدة قصيرة.

أنماط الإرهابيين كما لخصها العديد من الباحثين ثلاثة “إرهابي محلي، إرهابي إقليمي، إرهابي دولي”، ولكل منهم في عرف الجماعات الإرهابية وظيفته ودوره، ولكن الأكثر فائدة بالنسبة إلى التنظيمات الإرهابية دائما في الدولة محل التفجير هو الإرهاب المحلي، ليس لقوة تفجيره ولكن لقوة الرسالة الموجهة من وراء استخدامه في التفجير.

وباختصار شديد الإرهابي المحلي هو “شخص متطرف نشأ وترعرع في الدولة نفسها محل التفجير في إطار سياقات مختلفة، تخلق تلك السياسات داخلهم حالة من الكراهية تجاه هؤلاء المستهدفين من تفجيراتهم”، هذا النوع يكسب مصداقية أكثر في الداخل لدى هؤلاء ممن لديهم تعاطف مع الإرهاب.

هذا النوع هو الذي اعتمد عليه تنظيم “داعش” في التعامل داخل دولتي مصر والأردن، ولهذا أبعاده التي سنتحدث عنها في موضعها، الشاهد أن تنظيم “داعش” أخرج يوم 19 فبراير من العام الحالي، إصدارا بعنوان “وقاتلوا المشركين كافة” حاول فيه خلق إشكالية مفادها تمتع الأقباط في مصر بنفوذ عال يساعدهم على الإضرار بالمسلمين، بعدها بشهر تقريبا يوم 5 أبريل من العام الحالي، أخرج التنظيم بيانا بعنوان “فأبشروا بما يسوؤكم” يهدد فيه الأردن بالمزيد من العمليات على غرار عملية “الكرك”.

في الإصدار الأول حاول تنظيم “داعش” خلق قضية بالداخل المصري تخلق له بيئة للوجود والعمل في إطارها، وهي “ملف الطائفية” الذي عادة ما يختفي في الحياة العامة بالداخل المصري الحديث عنه، ولكي ينجح التنظيم في هذا اعتمد بعناية شديدة على تصريحات بالصوت والصورة لرموز مسيحيين تظهر نوعا من أنواع العداء للإسلام والمسلمين، في الإصدار الثاني المتعلق بالأردن حاول التنظيم أن يمرر صورة ذهنية سلبية حول علاقة بعض القبائل بالنظام الأردني نتيجة لما أسماه “خيانة حكام الأردن”، وهنا يعطي رسالة تاريخية شيئا ما حول العلاقات العربية الأردنية، والعلاقات الأردنية الغربية، وكأنه يقول إن الأردن أقرب للغرب، مطالبا فيه أتباعه هناك باستهداف الجيش والشرطة.

الإصدارات والتحركات الداعشية تلك تطرح العديد من الأسئلة أهمها: لماذا هذا النوع من الإرهاب؟ ولماذا مصر والأردن؟ ولماذا يسعى التنظيم لإثارة هذه القضايا؟ وما المكاسب التي يحققها التنظيم من وراء إثارة تلك القضايا؟ وأخيرا كيف يمكن التصدي لهذا؟

من ناحية السؤال الأول: لماذا هذا النوع من الإرهاب؟ فكما سبق أن أشرنا إلى أن نمط الإرهاب المحلي ذو فائدة كبرى بالنسبة إلى التنظيمات الإرهابية، بمعنى أنه يوجه رسالة مفادها وجود أزمة حقيقية دفعت بعض أبناء الوطن لمواجهتها، وأن التأخر في ذلك ربما يبرر بالخوف أو عدم وجود الفرصة، ومع توفير التنظيم الدولي “داعش” الإمكانات للأفراد داخل تلك الدولة اتجهوا نحو التصدي للمشكلة التي يعانونها.

فيما يتعلق بالسؤال لماذا مصر والأردن؟ فالإجابة عنه تتعلق بالهزائم التي يتلقاها التنظيم في مقر قياداته المركزية بالعراق وسورية والتي فرضت عليه البحث عن مناطق جديدة لإعادة هيكلة بنيته واستعادة نفوذه، خصوصا مع فقدان العديد من دول المنطقة جزءا من السيطرة على بعض مناطقها، أو تحول بعض مناطقها لمناطق صراع.

من ناحية مصر فإن الأسباب التي تدفع التنظيم إلى التوجه نحوها عدة، أهمها أن وجود التنظيم في مصر ونجاحه في القيام بعمليات إرهابية يحمل رسالة تتضمن في طياتها أن التنظيم مازال قويا، من ناحية ثانية يأتي الموقف المصري غير الواضح شيئا ما من الوضع في سورية ليخدم أهداف التنظيم في مصر، إلى جانب ما تشهده مصر من عدم استقرار وتخبط داخلي وسوء في الأوضاع الاقتصادية.

من ناحية الأردن تأخر “داعش” إلى حد كبير في استهداف الأردن، ولعل تفسيرنا لهذا التأخر يعود إلى أن الأردن في مخيلة التنظيم من دول الجوار، وحال تمكن التنظيم من فرض النفوذ على سورية يمكن الدخول إلى الأردن، ولما فشل التنظيم في سورية وحجّم شيئا ما فمن المنطقي العودة للتفكير في استهداف الأردن.

أما إذا أردنا معرفة لماذا يركز التنظيم على تلك القضايا؟ فمن ناحية مصر وإن لم يكن هناك فعليا فتنة طائفية، إلا أن هناك العديد من العوامل التي من شأنها إثارة تلك الفتنة أو على الأقل نجاح التنظيم في فتح هذا الملف، سواء بما ينتشر من فيديوهات على الإنترنت لبعض مشايخ السلفية حول علاقة المسلم بالمسيحي، أو ما ينتشر من فيديوهات لرموز مسيحيين يتحدثون حول المسلمين في مصر، إلى جانب أن التاريخ المصري يعج بالعديد من الحالات والأحداث التي نشبت على أساسها خلافات في الداخل بين مسلمي ومسيحيي مصر.

فيما يتعلق بالأردن عمل التنظيم على طرح قضية “خيانة حكام الأردن” ليدفع المشاهد للإصدار للبحث حول تلك القضية والتي ربما لو استخدم مواطن عادي هذه الجملة “خيانة حكام الأردن” بالبحث داخل محرك البحث “غوغل”- دون الخوض في صدقها من عدمه- سيجد العديد من المقالات والأقاويل في هذه القضية.

من ناحية أخرى إذا ما أردنا الإجابة عن سؤال: ما مكاسب التنظيم من وراء إثارة مثل هذه القضايا؟ ففي مصر نستطيع القول إن التنظيم نجح في إثبات أن لتهديده صدى وتبع ذلك تفجيرات “طنطا، والإسكندرية” من ناحية، ومن ناحية أخرى نجح في تحويل دفة الحديث في مصر من تناول أحداث التفجير إلى تناول قضية “قانون الطوارئ” ومدى أهميته في مواجهة الإرهاب، وما سيبتعه من صدام وسجال واسع حول العلاقة بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي.

من ناحية الأردن فإن كان التنظيم إلى يومنا هذا لم يقم بعملية تالية بعد الإصدار بالأردن إلا أنه نجح شيئا ما في إحراج الأردن خصوصا أن الإصدار جاء في توقيت زيارة الملك لواشنطن ومواجهته برفض من عائلات جنود أميركيين قتلوا في قاعدة عسكرية أردنية، الإحراج هذا يأتي في إطار فشل الأردن بعض الشيء في التعامل مع الإرهاب خاصة مع التقارير الأميركية التي تفيد بوجود نحو 4 آلاف مقاتل أردني بـ”داعش” بعضهم يشغل مناصب قيادية.

يبقي لنا الحديث عن كيفية المواجهة، فيما يتعلق بالأردن فالأمر متعلق بالسياسة الخارجية الأردنية من ناحية، ومن ناحية أخرى يرتبط بكيفية تعامل الحكومة الأردنية مع العائدين من سورية ممن سبق لهم العمل في إطار “داعش” واختيار أسلوب مناسب لإعادة تأهيلهم ولكن ليس بالقمع الذي ربما يكون له مردود سلبي أكثر، كما يتعلق الأمر أيضا بالعلاقة في الفترة القادمة بين السلطات الأردنية والعشائر المذكورة في الإصدار.

من ناحية مصر فالأمر يحمل أكثر من جانب بالتوازي، الأول التأمين الجيد للكنائس كافة، والثاني الحرص على استخدام قانون الطوارئ بما لا يعطي فرصة لاستغلال تلك التنظيمات قاعدة العلاقة الطردية بين العنف الرسمي والعنف غير الرسمي، الثالث وضع خطة دقيقة لكيفية التصدى للأفكار الدافعة نحو الطائفية والمغذية لها من الطرفين، ونقول بالتوازي لأن فكرة تغيير ثقافة المجتمع أمر يحتاج إلى فترة طويلة من العمل، ولكن العمل في إطار خطة محكمة دقيقة منطقية متسلسلة، يتم التنسيق فيها بين كل الأجهزة المعنية بهذا.

ختاما لا بد من الإشارة إلى أن العقلية الأمنية في التعامل مع التهديدات الإرهابية في دول المنطقة، مبنية على تهديدات تنظيم القاعدة بمعنى، أن تنظيم القاعدة عندما كان يصدر شريط تهديدي تخرج العمليات بعده بمدة زمنية تقترب من ستة أشهر، بخلاف “داعش” الذي غالبا ما يخرج إصداره في إطار عمله على خطة لتفجير قريب يتبع التفجير بمدة قصيرة، هذا الفارق ربما يفسر شيئا ما من حالات القصور الأمني في بعض التفجيرات، وهذا ما يدلل عليه وقوع التفجيرات في مصر عقب شهر من الإصدار، إلى جانب محاولة التفجير السابقة لكنيسة طنطا، وعليه من المتوقع أن يشهد الأردن عملية إرهابية قريبة.

    محمد مختار قنديل*

    المصدر: الجريدة الكويتية، 2017/04/25

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    * كاتب وباحث سياسي متخصص في شؤون الإسلام السياسي

    مقالات ذات صلة

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

    إغلاق