تحاليل

رغم الخارطة الأممية، الخيار سيبقى بيد الليبيين

 

 

علي عبداللطيف اللافي

 

يظهر أن الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الكبرى قد توصلوا الى حقيقة أن تواصل الوضع الليبي على ما هو عليه غير ممكن وغير مسموح به مستقبلا لأنه سيسقط السقف على الجميع، وعمليا جاءت الرسالة واضحة من الاجتماع الأممي يوم الأربعاء الماضي (20 سبتمبر)،وهو الاجتماع الذي كان تواصلا للقاء لندن في 14 سبتمبر والذي لم يعلن رسميا عن فحواه، فما هي الرسائل المُبطنة التي تضمنتها خارطة الطريقة، وما هي الخيارات المتاحة أمام الليبيين شعبا ومكونات سياسية ومهنية، وهل آن للقوى الاقليمية أن ترفع أيديها عن ليبيا وشعبها وثرواتها؟

  • ليبيا: واقع الحال صعب ومُعقد ومُتشابك[1]

تحوَل الوضع الليبي بعد ثلاث سنوات من مطبات الصراع التي أوقعت القوى الإقليمية فيها الليبيين صائفة 2014، وتحول الفرقاء الليبيين الى مُشتغلين أو أعضاء في حرب بالوكالة لدى أذرع إقليمية لقوى دولية لتحقيق مصالح لوبيات عالمية وقوى أقرب للخفية منها للظاهرة للعيان، وتحولت الساحة الليبية الى وضع شبيه بوضع لبنان بداية الثمانينات،بل وتحولت حياة الليبيين الى جحيم لا يُطاق وكأن نفطهم قد تحول عمليا الى لعنة، بل وأُريد لثورتهم أي “ثورة  قبراير”، والتي سقط فيها مئات الشهداء والاف الجرحى،من أن تكون مسرحا للترذيل والاتهام، فغابت المُصالحة الوطنية التي تدفن الماضي بآلامه، وتحول السلاح الى كابوس يُؤرق الليبيين،واجتماعيا غابت السيولة والخدمات وتكرر انقطاع الكهرباء والمياه بشكل دوري، وتعطلت عمليا كل مرافق الحياة وتعذر العلاج والسفر وكل شيء تقريبا….

  • خياران لا ثالث لهما

عمليا وبناء على ما تقدم من تشخيص للوضع الليبي وآلام يومية، يُمكن فهم رسالة المجتمع الدولي لليبيين،وهي أنهم أمام خيارين لا ثالث لهما[2]

  • الخيار الأول: وهو خيار خفي ومُبطن وغير مُعلن للجميع ويتمثل عمليا في أن انهاء الاتفاق والعودة لنقطة الصفر، بادرة لا يجب أن ينتظرها الليبيون من المجتمع الدولي، وعليهم أن يسعوا إليها بأنفسهم أي عمليا الذهاب الى المجهول ضمن واقع إقليمي مُتقلب وأوضاع عربية قاتمة وعالم إسلامي يمُوج ويبحث عن الحلول وعن “صلاح الدين” جديد، وأن الليبيين يجب ان يصطفوا مع قائد يثقون فيه قادر على طي الملفات العالقة واكتساب دعم دولي غير مسبوق والمُضي في مصالحة وطنية تتلاءم مع التطورات في دول الجوار وتراعي الوضعين الاقليمي والدولي، وهذا الأمر مُرتبط بقدرة عبدالباسط قطيط (الداعي عمليا لتحركات اليوم الاثنين 25 سبتمبر2017)[3] أو غيره من الزعامات رغم أن الاستشراف الاولي يسقط هذا الخيار على البقية ويجعله ضعيفا وليس مستحيلا بالنسبة لحالة قطيط والذي يضه نفسه أمام الخيارين…
  • الخيار الثاني: وهو أمر معلن رسميا، يتمثل في السير قدما نحو تفعيل الاتفاق السياسي المعتمد بقرار مجلس اﻷمن رقم 2259، وذلك باتخاذ خطوات مبنية على جدول زمني يهدف إلى تعديل الاتفاق وفق اجراءات قصيرة المدى هي بمثابة حبات اﻹسبرين[4]، والمطلوب في هذه الحالة هو تحيين بنود 06 في اتفاق الصخيرات ونسخ متأن واستفادة من التجربة التونسية…
  • أسئلة جديرة بالطرح

ان استراتيجيا الدومينو التي تُديرها القوى الدولية والأطراف التي تصنع مستقبل الشعوب من خلال تجارب العقود الماضية، تعيد إلى الاذهان منطق الأساليب الملتوية والخفية في إدارة الدول وصناعة الاحداث والتطورات عبر الوكلاء وعبر دفع الأطراف الى المساحات  الهدف، على غرار  العمل على تقديم اللاعب الأول وارجاء تقديم اللاعب البديل والآخر الى وقت آخر مع منحه فرص تدريبية وأولية ودفع اللاعب الثالث في اللحظة التاريخية المتماهية مع الانتباه للمؤثرات والمآلات التي قد تترتب عن الوضع في دول الجوار والتناسب مع تطورات دولية أيضا،وقد يكون كل ذلك التفكير نسبيا باعتباره متناسبا ضمن فكرة المؤامرة، ولكن الحقيقة أنه يُؤخذ بالاعتبار نتائج عوامل مُرسخة له على الأرض في البلاد العربية ولكن الحقيقة التي لا استغناء عنها أن قابلية الأوضاع من حيث طبيعة النُخب السياسية والتي حملت سمات الزعامتية و الاستعداد للتوظيف وخدمة أي أجندات مقابل التموقع والظهور والبروز ولو على حساب الوطن والمبادئ والقيم النبيلة، وطبعا يُضاف الى ما سبق، تزامن كل تلك المعطيات في ليبيا بالذات بل وفي كل المنطقة العربية مع تراكم الواقع والاجتماعي والذهني لشعوبنا ومن بينها الشعب الليبي، وتنزيلا على راهن الاحداث والتطورات في ليبيا، يمكن الجزم أن كل الفرقاء ارتكبوا الخطأ تلو الأخر سياسيا واجتماعيا بل أنهم اضروا بليبيا واصطفوا لأنفسهم أو لقبائلهم أو لأجنداتهم أو لأحزابهم رغم الإشارات المُنبهة لهم منذ نهاية 2015 ولم يستفيدوا من الحوارات المؤدية لاتفاق الصخيرات ليعودوا للمُناكفة السياسية بل والتخندق في الاجندات الإقليمية الخادمة عبر أذرع خادمة لأجندات قُوى دولية طامحة في ثروات ليبيا المهولة جدا،بل أن بعض القوى الإقليمية لا تُريد عمليا أن ترى أبراج دبي2 في شمال افريقيا ولا تريد لبلد مثل ليبيا تمتد حدوده الشمالية على سواحل المتوسط ويحد حوالي 7 دول في الصحراء وذا جغرافيا مُمتدة وعدد سكان قليل، لا تريد له أن يستفيد من امكانياته ويكتسب موقعا استراتيجيا بين القوى الإقليمية خاصة وأن حافظة استثماراته في افريقيا بل وفي كل عالم تتجاوز إمكانيات دول عدة …

ان تشخيصنا السابق يطرح أسئلة موضوعية عديدة من بينها:

  • هل أن زيارات الجنرال خليفة حفتر المكوكية خلال الأيام الأخيرة بين “برازفيل”(عاصمة الكونغو)وتونس(التي كان يرفض دعوات رئيسها)[5]وروما التي كان يخاصمها ويهدد حكومتها مباشرة إثر لقاء باريس في 25 جولية/يوليو الماضي، بريئة وطبيعية؟
  • من يقف وراء تحريك النزاعات الميدانية في صبراطة وتهديد درنة وتطور الاحداث في سبها خلال الأيام الماضية بالذات؟
  • هل هي الصدفة أن يتم تحديد يوم الثلاثاء 26 سبتمبر موعدا لبدء تنفيذ خارطة الطريق، خاصة وهو اليوم التالي مباشرة ليوم 25 سبتمبر الموعد المحدد لإمكانية تحقق الخيار اﻷول؟ (أنظر الخيارين أعلاه)…

وكثيرة هي الأسئلة والتي تتراءى للمُتابع لتطورات الاحداث في ليبيا وهي أكثر من أن تُحصى أو تُعد، وعمليا لا تريد  الامم المتحدة ومن وراءها القوى الدولية الرئيسية أن تخسر مزيدا من الوقت،نتاج عوامل إقليمية عدة ونتاج وضع الهجرة غير الشرعية، فإذا لم يكن هناك حراكا شعبيا يوم 25 سبتمبر (أي اليوم الاثنين 25 سبتمبر 2017)، أو كان الحراك ضعيفا، فعلى البعثة الشروع فورا يوم 26 سبتمبر في تنفيذ الخطة المُعلن عنها في اجتماع الجمعية العامة يوم الأربعاء الماضي، وذلك بانعقاد لجنة مشكلة من مجلس طبرق ومجلس الدولة للنظر في التعديلات المقترحة ﻷجل تمديد تنفيذ الاتفاق لعام قادم في أقل تقدير…

  • هل من المُمكن التنفيذ العملي للخارطة الأممية؟

إن الأطراف الدولية والإقليمية الرئيسية والتي ترغب في الحل، أي الولايات المتحدة الأمريكية  وإيطاليا والجزائر بالأساس، ومن وراءها المنظمة الأممية لا تثق البتة وخاصة بعد تجربة اتفاق الصخيرات المغربية،في تنفيذ الاتفاق السياسي حتى بعد تعديله المزمع اجراءه على حوالي 06 بنود، حتى أن المبعوث الاممي الرابع أي اللبناني “غسان سلامة”، قد أكد في تصريحاته لصحيفة “الحياة اللندنية” أن “الهوية الوطنية” غائبة عن ممثلي المؤسسات الثلاث القائمة حاليا[6]، وهو يُشير بذلك لمجلس النواب في طبرق ومجلس الدولة والمجلس الرئاسي وهذا صحيح عمليا فلا أحد يتكلم فعلا باسم ليبيا، فالجميع يتكلم باسم المدينة والقبيلة أو المنطقة (أنظر تشخيصنا أعلاه في الفقرة السابقة)، بل أن المبعوث الأممي أضاف “والكل يسعى للحصول حصة من عائدات النفط ومؤسسات الدولة ؛ وأنه يصعب الحصول بين السياسيين الحاليين على من يفكر بالوطن الليبي الجامع”[7]،بل أن سلامة أضاف أيضا بأن”هناك مؤسسات مخطوفة من قبل من تسلمها (مجلس طبرق)،ان عددا كبيرا من النواب يُقاطع مجلس طبرق بسبب الاختلاف مع رئيسه أو بسبب أمني أو سياسي، وهناك أيضا مؤسسات أخرى نائمة ﻻ تقوم بدورها (المجلس الرئاسي ومجلس الدولة )، وبالتالي لا يُمكن للمجتمع الدولي أن يستهلك ويستنفذ جهوده لحل الخلافات المحلية والمناطقية أو الشخصية أو الامنية للمسؤولين، وينسى ُمهمته الاساسية وهي المسألة الليبية الوطنية الجامعة”[8]

وهنا يُصبح السؤال موضوعيا: لماذا لا تسعى الامم المتحدة مباشرة نحو الخيار الاول وترك الخيار الثاني؟

والاجابة  لا تتطلب دراية أو دراسة مُطولة أو إلماما بالشأن الليبي لأن “قرار العودة لنقطة الصفر يجب أن يكون منبثقا من الشعب الليبي أولا، خاصة إذا  ما أخذنا في الاعتبار أن الخيار الثاني هو من مخرجات قرارات متعاقبة عن مجلس الأمن، وبالتالي ليس من السهولة بمكان اعلان فشل هذا الخيار في يوم وليلة ، على نحو قد يحمل اﻷمم المتحدة مسؤولية التطورات السلبية خلال سنتين مرت بهما ليبيا بسبب توقيع الاتفاق الذي رعته المنظمة ثم باركته بالقرار رقم 2259 والقرارات اللاحقة  له، فضلا عن أن المنظمة لا يمكن أن تفكر في بديل الخيار الثاني في غياب وجود شبكة آمانخارحإطار الاتفاق، ولا تحقق الشبكة المرجوة إلا بالخيار اﻷول”[9]، وبالتالي يمكن التأكيد أن تنفيذ خارطة الطريق يبقى ممكنا لو توفرت كل الجهود رغم الصعاب والتحديات والالغام ولكت الشرط الرئيسي للنجاح هو التنبيه الكامل او إعاقة وصاية أطراف إقليمية على الملف الليبي والذي طالما افسدت الرهانات واتفاقات وبأموال الليبيين وبالاستعانة ببعضهم أيضا …

  • خلاصات رئيسية

يُقال في السياسة وفي محاضرات القانون العام والعلوم السياسية في الجامعة، أن “الشعب هو صاحب السلطة الأول والرئيسي، وأنها تُرد اليه بعد كل انتخابات” وباعتبار ان فرقاء الداخل الليبي المتصارعين وبعضم لا يخفي بطريقة غير مباشرة أنه يشتعل وكيلا لقُوى إقليمية ودولية قد أفسدوا الأعراس الانتخابية سنتي 2012 و 2014 بل وإفساد ما ترتب عنها من مُؤسسات وخيارات ومآلات ووضعوا اتفاق الصخيرات موضع التساؤل بنزعاتهم المتكررة ومحاولاتهم حسم الأمور بقوة السلاح واقصاء الآخر، فليس هناك من حل موضوعيا سوى حسم الأمور في الشارع اليوم الاثنين أي قبل 26 سبتمبر الموعد المحدد للشروع في بدء تنفيذ خطة الامين العام للأمم المتحدة…

وفي كل الحالات سيبقى القول الفصل للشعب الليبي؛ فالشرعية الدولية بدون شرعية محلية لا يمكن أن تصلح كأساس قانوني لقيادة ليبيا مستقبلا لان العامين الاسبقين قد أكدا في ليبيا ان هناك توازن قوى كما انه هناك توازن ضعفي في فرض الخيارات وتوازن ضعف مكوناتي لا يسمحها لها بإقصاء الآخر الممتلك بنفس القوة مما يعني دليل الاستفادة الموضوعية من التجربة التونسية، وهو ما استحضره حتى المبعوث الأممي نفسه في وضع تفاصيل خطته والتي سيمتد تنفيذها على مدى سنة كاملة ستنعي عمليا بانتخاب رئيس ومجلس نيابي أي سلطة تنفيذية برؤوس ثلاث أي المنوال التونسي بكل حيثياته أي الرغبة في حد أدنى من التوافق السياسي في انتظار استقرار المنطقة وتوضح معالم الصراع الخليجي- الخليجي وتبين ملامح السلام العربي الإسرائيلي المقبل والمنتظر بعد العمل على إنجاح تشكيل حكومة وحدة وطنية بين فتح وحماس ….

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] أنظر مقالنا التالية وهي مقالات تشخص الوضع في ليبيا وتعقيداته:

  • “الوضع الاقتصادي في ليبيا ومعالجاته الممكنة”، صحيفة “الراي العام”، العدد 20 بتاريخ 07 سبتمبر 2017
  • “ليبيأ: موض الأفق وحتمية الحل السياسي” ، صحيفة الراي العام العدد 21 بتاريخ 14 سبتمبر 2017

[2]استنطنا الفكرة أساسا من “دراسة في مخرجات الاجتماع المنعقد على هامش جلسات الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن ليبيا يوم امس“، الكاتب عادل كندير، موقع عين على ليبيا، بتاريح 23 سبتمبر 2017

[3] أنظر بورتريه نشره موقع المغاربي للدراسات والتحاليل  تحت عنوان “عبدالباسط قطاط او السياسي الحالم لحكم ليبيا رغم أزمتها” (نشرته أيضا صحيفة الراي العام بتاريخ 21 سبتمبر 2017 )

[4] المصدر السابق بتصرف

[5] أنظر مقالنا “لماذا جاء حفتر الى تونس؟”، مقال نشر بصيفة “الراي العام التونسية” بتاريخ 21 سبتمبر 2017

[6]انظر تقارير وكلمة الممثل الخاص ولقاءه مع جريدة الحياة.

[7] أنظر المصدر السابق…

[8] المصدر السابق…

[9]عادل كندير، موقع عين على ليبيا، بتاريح 23 سبتمبر 2017، مصدر سابق وقع ذكره أعلاه، بتصرف …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق