اصدارات

كيف هيمنت حضارة الغرب على الشرق والغرب؟

 

«الحضارة .. كيف هيمنت حضارة الغرب على الشرق والغرب» مجلد ضخم في 527 صفحة من القطع الكبير، صدر حديثاً عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» لأستاذ التاريخ الأبرز في جامعة هارفرد الاميركية، ينال فرغسون ويعتبر هذا الكاتب واحداً من أشهر المؤرخين البريطانيين المعاصرين، إضافة إلى كونه من كبار الباحثين في جامعة اكسفورد البريطانية، وايضاً في معهد «هوفر» التابع لجامعة ستانفورد الاميركية. وكان سبق لجامعة لندن ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ان وصفت هذا المؤرخ بأنه أحد أهم العلماء في العالم.

تدور وقائع هذا الكتاب الهام (من تعريب: سعيد محمد الحسنية) حول تساؤل مثير للجدال، على الأرجح، تطرق اليه جل مؤرخي الحقبة الحديثة، وهو: لماذا تمكنت حفنة من الدول الصغيرة الواقعة عند الطرف الغربي من اوراسيا (كتلة اوروبا آسيا)، بدءاً من العام 1500، من السيطرة على بقية انحاء العالم؟ وهي مساحة تضم بعض أكثر المناطق كثافة سكانية، إضافة الى بعض أكثر المجتمعات تقدماً في شرق أوراسيا.

ولعل هذا التساؤل يفترض تساؤلاً آخر من جنسه هو: إذا تمكنا من الحصول على تفسير مقنع عن صعود الغرب في الماضي، فهل سيكون بمقدورنا ان نتوقع مستقبل ذلك الصعود؟ يعني هذا التصور حقاً نهاية عالم الغرب وقدوم الحقبة الشرقية الجديدة؟ بكلمات أخرى هل يعني ذلك أننا نشهد انحسار العصر الذي رزحت فيه الغالبية الساحقة من البشرية. بشكل أو بآخر، تحت نير الحضارة التي نشأت في أوروبا الغربية غداة عصر النهضة والاصلاح. وهي الحضارة التي احرزها عصر التنوير والثورة العلمية، والتي انتشرت عبر المحيط الأطلسي ووصلت الى اقاصي العالم وقد وصلت هذه الحضارة أخيراً إلى أوجها خلال عصور الثورة والصناعة والحكم الامبراطوري.

ومع ذلك، ليس في الأمر سر ولا وصفة سحرية، إذ تمكنت حضارة أوروبا الغربية، من إلحاق الهزيمة بامبراطوريات الشرق المتفوقة، باعتماد استراتيجيات ست هي: المنافسة، العلم، الديموقراطية، الطب، المجتمع الاستهلاكي وأخلاقيات العمل. كان من نتيجة ذلك، وفقاً لحيثيات الكتاب والتحليلات الواردة فيه، ان تحولت من ممالك متخلفة انهكتها الحروب والأوبئة الى حضارة تهيمن على العالم قاطبة بما في ذلك حضارات الشرق.. واللافت، كما يقول الكاتب، ان هذا التحول حدث على نحو من انقلاب كبير في موازين القوى العظمى. كيف تمكن الغرب من تحقيق هذه الاستراتيجيات «القاتلة»؟ ما هي البنية السياسية التي اتبعتها البلدان فتقدمت؟ كيف تفوتت، على سبيل المثال، النزعة التجارية الهولندية على امبراطورية الصين العظيمة. وكيف تم تحدي الامبريالية في الهند وجامايكا وجنوب افريقيا؟ يحلل المؤرخ هذه التساؤلات وتداعياتها بشكل موثق ومنظم للغاية، من دون ان يترك وراءه ثغرات اجتماعية من شأنها ان تشكل عوائق موضوعية أمام تقدم التحليل التاريخي الى غايته المنشودة. يرى المؤلف ان هذه الاستراتيجيات الست بدت، في حقيقة الأمر، مفتاحاً شرّع الابواب أمام الصعود الغربي. يتناول بشيء كثير من المقارنة التاريخية أمثلة حية دلالة على فاعلية هذه الاستراتيجيات. مثال على ذلك، ان حكم سلالة الامبراطور مايجي في اليابان (1867 ـ 1912) كانت بدأت فعلاً بنسخ هذه الاستراتيجيات على نحو كامل. ولسوء حظ هذه السلالة لم تكن هذه العملية أمراً سهلاً. فاليابانيون الذين لم يعرفوا أياً من عناصر الثقافة والنظم الغربية، قرروا ان يقتبسوا كل شيء بدءاً بالملابس. ولكن ما يؤسف له فعلاً هو أنهم بدأوا بناء امبراطوريتهم في الوقت الذي أخذت كلفة الاستعمار، بالشكل الذ مارسه الغربيون، تفوق منافعه. أما القوى الآسيوية الأخرى، خصوصاً الهزيمة فقد أضاعت عقوداً من الزمن عندما افترضت خطأ على الأغلب، ان السياسات والنظم التي طبقت لأول مرة في الاتحاد السوفياتي هي أفضل من مثيلاتها في الولايات المتحدة، والتي تستند الى منطق السوق. لكن عدداً متزايداً من دول شرق آسيا بدأ منذ خمسينات القرن الماضي بالسير على طريق اليابان في تقليد النموذج الصناعي الغربي. أما التنافس الداخلي والحكومات التمثيلية فقد بدت مظاهر أقل أهمية في عملية تطوير آسيا، لأن العلوم والطب والمجتمع الاستهلاكي وأخلاقيات العمل كانت أكثر أهمية. لا تخلو الحضارة الغربية، بطبيعة الحال، من العيوب، فقد استنفدت هذه الحضارة حصتها من الآثام التاريخية بدءاً بوحشية الاستعمار الى ابتذال المجتمع الاستهلاكي. يضاف الى ذلك ان اغراقها في المادية أدى الى كل أنواع العواقب الوخيمة. ومع ذلك تستمر هذه الرزمة الغربية المتكاملة في تقديم أفضل مجموعة متوافرة من النظم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهذه هي المجموعة التي لديها الحظ الأوفر في عملية إطلاق الإبداع الانساني الغربي القادر على حل المشاكل التي سيواجهها العالم في الألفية الثالثة. لم يسبق الحضارة في نصف الألفية المنصرمة ان قامت بمهمة أفضل في البحث عن العباقرة والمتفوقين وتعليمهم، وهم الذي يقبعون في الجانب الأيمن من توزيع المواهب في اي مجتمع بشري، والسؤال الكبير الذي يفرض نفسه، في هذا السياق هو ما اذا كنا لا نزال قادرين على الاعتراف بتفوق تلك الرزمة. ان ما يجعل الحضارة أمراً حقيقياً بالنسبة الى سكانها في نهاية المطاف، ليس فخامة الصروح الموجودة في مركزها فحسب، ولا حتى سهولة عمل المؤسسات التي تشتمل عليها. ان الحضارة، في جوهرها، هي المناهج التي تلقن في مدارسها ويتعلمها طلابها، ويتذكرونها في أيام الشدة.

بنيت حضارة الصين ذات مرة على تعاليم كونفوشيوس. أما حضارة الاسلام فما زالت راسخة في القرآن. لكن ما هي النصوص الأساسية للحضارة الغربية التي بامكانها تعزيز ايماننا بالقوة التي لا حدود لها تقريباً للانسان الفرد الحر؟ وما هو نجاحنا في مناهجنا التعليمية بالنظر الى تجنب المنظّرين التربويين عندنا للمعرفة الرسمية والتعليم التلقيني؟ قد لا يكون الخطر الحقيقي هو ما يمثله صعود الصين، أو انبعاث ثاني أوكسيد الكربون. لكنه ذلك الناتج من فقداننا الايمان بالحضارة التي ورثناها عن أجدادنا. ومع ذلك، فان الحضارة لن تدوم، والحرية لن تبقى، والسلام لن يخيم الا اذا اتحدت الغالبية العظمى من البشر من أجل حمايتها، اضافة الى وجوب ان تظهر هذه الغالبية انها تمتلك سلطة حفظ الأمن. وهي السلطة التي يجب ان تخيف القوى الهمجية والغرائزية. ان اكبر شهود في رأي المؤلف يواجه الحضارة الغربية هو ذلك الجبن الذي يسيطر علينا، وليس ذلك الصادر عن الحضارات الأخرى.

المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق