تحاليلسياسيةشمال إفريقيامصر

بنفس أدوات “تمرّد”… من يقف وراء حملة “عشان تبنيها” لترشيح السيسي لولاية ثانية؟

     بعد ظهر يوم السبت الـ11 من يناير 2014 انطلق أول مؤتمر صحفي لحملة “الشعب يأمر” لتدشين استمارة تطالب وزير الدفاع المصري آنذاك عبد الفتاح السيسي بالترشح للانتخابات الرئاسية، بدعم ومباركة كبار رجالات المخابرات الحربية ورجال الأعمال والإعلام والسياسيين، حينها وجه إبراهيم عودة الأمين العام للحمة رسالة للسيسي قال فيها: “لقد تربيت في العسكرية، وتعلم أن الشعب هو القيادة، وعندما يعطيك الشعب أمرًا بالترشح، لا تكون هناك إجابة سوى “علم وينفذ”.

وبعدها بأقل من ثلاثة أيام تقريبًا أُعلن تدشين حملة أخرى تحت عنوان “كمل جميلك” لتدعم بدورها الحملة الأولى نحو مناشدة السيسي وحثه على قبول الترشح للانتخابات في الوقت الذي كان يعلن فيه عدم حسمه لهذه المسألة بعد.

وبعد 3 سنوات ونصف ها هو التاريخ يعيد نفسه مرة أخرى، فبينما الفترة الرئاسية الأولى للسيسي توشك على الانتهاء، ها هي حملة جديدة تظهر للنور، حاملة نفس الهدف، مناشدة الرئيس أن يترشح لولاية ثانية، رغم أنه أعلن قبل ذلك أنه لن يتركها – في إشارة منه لمنصب الرئاسة – فضلاً عن أنه لم يعلن عدم ترشحه حتى تخرج حملات تطالبه بالترشح، ومع ذلك كانت حملة “عشان تبنيها”.

مؤتمرات جماهيرية تجوب المدن والنجوع، مقرات في 13 محافظة مصرية، دعم برلماني مكثف، حضور فني وإعلامي ورياضي غير مسبوق، جولات داخل مقرات الشركات والمصانع والأندية والمؤسسات، الحكومية منها وغير الحكومية، الأحزاب ترفع راية التأييد والدعم، كل هؤلاء اجتمعوا من أجل هدف واحد: ترشح الرئيس لفترة جديدة.

العديد من التساؤلات تطل برأسها تبحث عن إجابة خاصة في ظل الشعارات التي يرفعها القائمون على هذه الحملة كونها مبادرة شعبية تطوعية غير مدعومة من أي جهة أو كيان، فإذًا من ينفق عليها؟ وما مصادر تمويلها؟ وهل مصر على موعد جديد مع ولادة ثانية لحركة تمرد وإن اختلفت المسميات والأشخاص؟

“عشان تبنيها”:

” تأتي الحملة إيمانًا من مؤسسيها بما قام به الرئيس السيسي من جهود دؤوبة وإنجازات غير مسبوقة لتحقيق الآمال التي فوضه الشعب لتحقيقها خاصة في التصدي للإرهاب وإعادة الاستقرار، برغم الظروف والأزمات الداخلية والإقليمية والدولية الصعبة التي أحاطت بمصرنا الغالية”، بهذه الكلمات أستهل أحمد الخطيب، مؤسس الحملة، البيان الأول لها والذي قدم من خلاله دوافع تدشينها والهدف المنشود من ورائها.

البيان أضاف: “وقد تأكد يقيننا – كمؤسسين – في إخلاص السيسي مع حرصه الشديد لإصلاح الاقتصاد المصري ومعالجة أزماته الهيكلية مخاطرًا بالكثير من شعبيته، متجهًا إلى اتخاذ قرارات مصيرية وتاريخية بشجاعة واطمئنان وثقة في شعب مصر، الذين يؤكد التاريخ دائمًا على وطنيته”.

محمد وهب الله، عضو مجلس النواب، ورئيس ائتلاف في حب الوطن، وأحد مؤسسي الحملة أوضح أنها تهدف إلى “رد الجميل إلى الرئيس ومواصلته استكمال ما بدأه من مشروعات قومية، وحماية الدولة المصرية من خلال مكافحة الفساد والقضاء على الإرهابيين”، بينما  محمد شعبان مسؤول التواصل بها فقال: “الحملة تهدف إلى جمع توقيعات لمطالبة السيسى بالترشح كتكليف من الشعب للرئيس، وتأكيد أنه ليس هناك خيار آخر أمامه لأن الشعب المصرى كلفه بذلك”.

الحملة قررت تشكيل لجنة تأسيسية لها ضمت في عضويتها كلاً من: أحمد الخطيب مدرس مساعد علوم سياسية، الدكتور كريم سالم أستاذ الإدارة والسياسات العامة وعضو مجلس النواب، الدكتور حازم توفيق أستاذ الموارد البشرية، أحمد بدوي صحفي وإعلامي وعضو مجلس النواب، محمد شعبان عضو مجلس النواب، محمد الجارحي اقتصادي ورجل أعمال.

13 مقرًا بمحافظات مصر:

رغم أنها انطلقت أولاً عبر صفحة على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، ففي وقت قصير جدًا استطاعت أن تدشن لها مقرات بـ13 محافظة مصرية حتى الآن هي: الوادي الجديد وأسيوط وكفر الشيخ والفيوم والأقصر والإسكندرية وقنا والمنيا والإسماعيلية والسويس وسوهاج ومطروح.

هذا بخلاف فتح العديد من الأحزاب السياسية لمقراتها من أجل خدمة الحملة وأهدافها، على رأسها حزب “مستقبل وطن” والذي أعلن انضمامه لها مخصصًا كل مقراته وفروعه بشتى مدن ونجوع مصر لتكون تحت أمر مسؤولي الحملة ومندوبيها، واعتبارها مقرات مؤقتة لها لتلقى طلبات الموقعين على الاستمارة وحشد الدعم لفكرة الترشح لولاية ثانية.

في الأيام الأولى للحملة استطاعت أن تحصل على توقيع حزمة من الشخصيات العامة من فنانين وإعلاميين ورياضيين على الاستمارة المقدمة، على رأسهم الفنان أشرف زكي وسوسن بدر وغادة عبد الرازق وهاني سلامة، ومن الرياضيين: مجدي عبد الغني وباسم مرسي، ومن الإعلاميين: خالد صلاح وزوجته وغيرهم.

الأحزاب تفتح مقاراتها لخدمة الحملة

دعم حكومي وبرلماني:

في سابقة برلمانية هي الأولى من نوعها، وقع ما يقرب من 120 نائبًا، حتى الآن من المستقلين والحزبيين وائتلاف دعم مصر، على الوثيقة، مع توقع تضاعف هذا العدد خلال الأيام القادمة، حسبما جاء على لسان البرلماني كريم سالم عضو اللجنة التأسيسية للحملة والمتحدث الإعلامي باسمها.

ورغم ما تحمله هذه الخطوات من مخالفة واضحة لنصوص الدستور المتعلقة بالفصل بين السلطات والأعراف البرلمانية بالانحياز إلى مرشح دون آخر في الانتخابات الرئاسية، فإن ذلك لم يكن بحسبان النواب، بل تجاوز ذلك إلى إعلان لجان برلمانية بأكملها دعمها للحملة كما جاء على لسان رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، اللواء كمال عامر، مدير الاستخبارات الحربية السابق، والذي بعث بـ «رسالة تأييد وتزكية» للإبقاء على عبدالفتاح السيسي في رئاسة البلاد مدة رئاسية ثانية.

لجنة في رسالتها بررت موقفها بأنه استند إلى “ما لمسته وشعب مصر من قدوة مخلصة وعزيمة لا تلين وفكر مُبدع في قيادة مصر وشجاعة فائقة في اتخاذ القرار، علاوة على دوره البارز في تقوية علاقات مصر مع كل بلاد العالم، وتحقيق الاستقرار والأمان”.

الدعم البرلماني للحملة أثار حفيظة بعض السياسيين وأعضاء المجلس السابقين، على رأسهم الدكتور جمال زهران، عضو مجلس النواب السابق وأستاذ العلوم السياسية، والذي وصف البرلمان بأنه تحول إلى “جهة تابعة للحكومة ينفذ ما يطلب منه وفقط”، داعيا النواب إلى “العمل جاهدين على حل أزمات الشارع، والتصدي لقرارات الحكومة الخاطئة بدلًا من الدعاية للرئيس في الانتخابات الرئاسية القادمة، خاصة وأن الدستور الحالي أعطى للبرلمان سلطات كبرى في مراقبة السلطة التنفيذية”.

زهران كشف أن تدشين مثل هذه الحملات وغيرها “لن يفيد كثيرًا في تغير نسبة التراجع في شعبية الرئيس، خاصة وأن المواطن لديه وعي كامل بأن وقف نزيف ارتفاع الأسعار وتحسن الحالة الاقتصادية له هو الحل الوحيد أمام الرئيس لإعادة انتخابه، أما تدشين الحملات فلن يغير من وجهة نظر الشارع في الوقت الحالي” على حد قوله.

الأمر لم يقتصر على البرلمان فحسب كجهة مخالفة لنصوص الدستور المتعلقة بالفصل بين السلطات بالانحياز لمرشح دون آخر في أي انتخابات، بل تجاوز ذلك إلى الحكومة نفسها، حيث كان من بين الموقعين على هذه الاستمارة الدكتور إسماعيل عبدالحميد، محافظ دمياط الحالي، ما يشي بأن هناك حالة من التزاوج الواضحة بين السلطات من أجل دعم السيسي نحو ولايته الثانية.

محافظ دمياط يوقع على الاستمارة

من يقف وراءها؟

بداية لابد من اليقين بأن حملة تمتلك مثل هذه المقار في محافظات مصر المختلفة ومدعومة بهذه التكتلات السياسية والبرلمانية ولها هذا الظهير الإعلامي والفني والرياضي، وقادرة على الوصول إلى الجميع في منازلهم ومقار عملهم، ومتوغلة داخل الأحزاب والكيانات المدنية، من الصعب أن تكون حملة شعبية خالصة أطلقها مواطنون عاديون دون وجود جهة تقف وراءهم ومصادر تمويل كافية لتغطية هذه الكلفة الباهظة.

القيادات التي نصبت نفسها قادة لهذه الحملة والتحالفات التي أعلنت دعمها تشير إلى جهة ما مجهولة المصدر حتى الآن تقف وراءها وتدعمها بصورة ملحوظة، ويمكن طرق هذه المسألة من خلال ثلاثة أسماء فقط:

الأول: أحمد الخطيب، مؤسس الحملة والذي أكد ابتداءً أنها حملة شعبية خالصة، إلا أن الجميع فوجئ على صفحتها على الفيسبوك بحجم التأييد الواسع والإنفاق الواضح سواء في فتح مقار لها أو صلاحيات الوصول إلى العديد من الأماكن التي من الصعب أن يصل إليها المواطن العادي دون تنسيق مسبق.

الخطيب يعمل مدرس مساعد للعلوم السياسية في المعهد العالي للاقتصاد والعلوم السياسية، كما عمل باحثًا سياسيًا لدى مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية وهو مركز إماراتي صادر عن مؤسسة دار “الخليج” للصحافة والطباعة والنشر، مما يضع العديد من التساؤلات عن مصادر التمويل، هذا في المقام الأول.

الثاني: اللواء كمال عامر، رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب، وأول من أعلن دعم وتزكية اللجنة التي يرأسها للحملة، ففي بيانه الذي ألقاه في هذا الصدد قال : “بناءً على رغبة جميع أعضاء اللجنة، وتعبيرًا عن الإرادة الشعبية التي يمثلونها، ومواجهة الرئيس الحالي للتحديات والتهديدات، بفكر خلاق، فضلاً عن جهوده الخارقة داخليًا وخارجيًا، لاستعادة مكانة مصر، ودورها الفاعل إقليميًا وعالميًا”.

عامر هو مدير الاستخبارات الحربية السابق، تدرج في عدد من الوظائف القيادية بالقوات المسلحة، فكان رئيسًا لأركان وقائد لواء مشاة ميكانيكي، ثم رئيسًا لأركان القوات المصرية في عمليات الخليج الثانية، ثم رئيسًا لأركان الجيش الثالث الميداني، ثم قائدًا للجيش الثالث الميداني، قبل أن يصبح رئيسًا للمخابرات ومن بعدها محافظًا لمطروح وأسوان.

الثالث: أحمد أبو هشيمة، رجل الأعمال وصاحب الكيانات الإعلامية التي تبنت الحملة منذ ولادتها، حيث انطلقت الدعوة الأولى لتدشين “علشان تبنيها” من داخل أروقة صحيفة “اليوم السابع” المملوكة لرجل الأعمال المقرب من السيسي بصورة كبيرة في الآونة الأخيرة على وجه الخصوص.

معروف أن أبو هشيمة على علاقة وثيقة جدًا بذراع الإمارات في المنطقة وعرابها الأول القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان، وهو الذي زار أكثر من مرة بعض وسائل الإعلام المصرية، ومنها “اليوم السابع” فضلاً عن دوره في تدشين بعض وسائل الإعلام الأخرى المدعومة إماراتيًا والتي تهدف إلى ترسيخ أركان نظام السيسي الذي يحيا حالة من الانسجام والتوافق وتطابق الرؤى والمصالح مع نظام أبناء زايد، وهو ما يجعل الأخير أكثر حرصًا على بقائه نظرا لما يمثله من أهمية استراتيجية في تحقيق مطامعهم وأهدافهم في المنطقة.

مشاهير الكرة والفن يوقعون

ولادة جديدة لـ”تمرد”:

حالة من الشبه الكبير تجمع بين حملة “عشان تبنيها” وحركة تمرد (حركة معارضة دعت في 2013 لسحب الثقة من الدكتور محمد مرسي آنذاك) والتي انطلقت في الـ26 من أبريل 2013 من خلال جمع توقيعات على استمارة حملت اسمها لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة في محاولة لإسقاط حكم الإخوان والرئيس الأسبق محمد مرسي.

أثارت هذه الحملة حينها ريبة العديد من الكيانات والمنظمات خاصة في ظل الدعم الكبير الذي كان يقدم لها من الداخل والخارج، والذي اتضح بعد ذلك دور الإمارات فيه حسبما كشفت بعض الوثائق والتسريبات التي تم بثها لكل من مدير مكتب السيسي عباس كامل، ووزير الدفاع صدقي صبحي، والتي توضح حقيقة دور دولة الإمارات في تمويل حركة تمرد وجهاز المخابرات الحربية.

هذا التشابه في الاستراتيجية المتبعة بين الحملتين، الأولى لإسقاط نظام والثانية لترسيخ أركان نظام آخر، وذلك من خلال الترويج إما للتهويل من حجم المعارضة للنظام الأول أو تضخيم شعبية النظام الثاني، دفع البعض إلى القول بأن من يقف وراءهما جهة واحدة، وهو ما قد يحول “عشان تبنيها” إلى نسخة جديدة من “تمرد” حتى وإن اختلفت المسميات والعناصر، فبدلاً من محمود بدر ومحمود عبد العزيز، فهناك أحمد الخطيب وكريم سالم.

                    وزير الخارجية الإماراتي خلال استقباله لعناصر تمرد

قلق وترقب:

رغم عدم إعلان أي اسم حتى الآن لخوض الانتخابات الرئاسية القادمة أمام السيسي فإن المراقبين أرجعوا تدشين هذه الحملة في هذا التوقيت في ظل الدعم والترويج غير المسبوق لها إلى أمرين اثنين:

الأول: حالة القلق التي تخيم على أرجاء الفريق المؤيد للسيسي في ظل تراجع شعبيته في الآونة الأخيرة بصورة ملحوظة بسبب الفشل في تحقيق الحد الأدنى من طموحات المصريين، فضلاً عن غياب أي رؤية مستقبلية تدفع المواطنين إلى ترشيحه لفترة جديدة.

ومن هنا كان التساؤل: لماذا تلجأ الدولة إلى البرلمان والحكومة والمشاهير لجمع توكيلات رغم أنّ الانتخابات قريبة على الأبواب؟! كما أن السيسي سيترشح ولا يحتاج إلى من يدفعه؟ كل هذا دفع هذا الفريق إلى محاولة التضخيم من شعبية الرئيس حتى وإن كان عبر الفنانين واللاعبين والإعلاميين، فالحملة تحاول الترويج أنه لا يرغب في الترشيح ولكنه يأتي بناءً على رغبة مجتمعية.

الثاني: قطع الطريق أمام المعارضة، فما يتم الترويج له من تأييد ودعم من مؤسسات الدولة (إعلام وبرلمان وحكومة) فضلاً عن الشخصيات العامة من المشاهير، وتوظيف الإمكانيات المتاحة لإبراز حجم شعبية الرئيس، هو رسالة إنذار واضحة لكل من يفكر أن يدخل سباق الانتخابات.

كما أن التشويه المتعمد  – إعلاميًا على الأقل – لكل الأسماء المرشح خوضها هذه المنافسة بدءًا من المرشح الرئاسي الخاسر أحمد شفيق، مرورًا بالفريق سامي عنان، وصولاً إلى خالد علي وهشام جنينة، تعكس حقيقة التوجه الحالي نحو تفريغ الساحة تمامًا من أي منافس ولو كان من خلال الإرهاب المعنوي والاغتيال السياسي.

 وهكذا يعيد التاريخ نفسه بصورة كربونية، فبعد “كمل جميلك” و”الشعب يأمر” تأتي “علشان تبنيها” ليجد المواطن المصري نفسه محاصرًا بحزمة من الحملات التي تضعه بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن تكون وطنيًا فتعطي المرشح المختار أو خائنًا وعميلاً إن فكرت في غير ذلك، لكن يبقى السؤال الأكثر تراجيدية: هل ينزل السيسي على رغبات الجماهير ويقبل الترشح لفترة رئاسية جديدة بعد هذه الضغوط التي تمارس عليه كما قبل في المرحلة الأولى أم سيكون له رأي آخر؟

نون بوست 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق