تحاليلسياسيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: هكذا ستتقلص مربعات الفشل وتتسع مربعات النجاح في حوار الضاحية الشمالية للعاصمة التُونسية …

علي عبداللطيف اللافي:
بين اليأس من وصول إلى حلّ وبين الأمل في التوصل إلى صيغ تُرضي الجميع، بعد يقين جمعي لكل الفرقاء بأن خارطة المبعوث الاممي الرابع غسان سلامة هي الامل الأخير خاصة بعد تأكد الجميع بل منذ سنتين أن الحسم العسكري والميداني شُبه مستحيل عمليا وواقعيا، ولكن مواقف وإشارات من هنا وهناك لاحت منها نوافذ إحباط مفتوحة ومُطلة على مربعات فشل قد تُعيد كل الأوراق إلى نقطة الصفر، على غرار حصول تحفظات على تحيين بعض بنود اتفاق الصخيرات وان تم التقليل من مخاوف التراجع على التوافقات وتطورات النجاح عبر آلية عقد المؤتمر الوطني للحسم النهائي في طبيعة وتفاصيل المرحلة الانتقالية ….
• محطات حوار صعب ومُعقد الثنايا: 
امتد حوار الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية، على جولتين وشهد أشكال عدة من المشاورات، وعبر عمليات جسّ النبض، وهو حوار تم التمهيد له بلقاء عددا من الدول في لندن في 14 سبتمبر الماضي قبل ان يُعلن سلامة عن خارطة طريق في مقر الأمم المتحدة يوم 20 من نفس الشهر، وعمليا تعلقت آمال الليبيين في كل مرة وفي كل محطة بأن تسير الأمور على ما يرام حتى تنتهي المعارك والتجاذبات والصراعات نهائيا…
وفعلا عرفت حوارات تونس النجاحات وخاصة في الجولة الأولى لتكبر الآمال ويتنفس الجميع الصعداء وتبين في الأيام الأولى أن الغالبية مُؤمنة بالتوافق والمشاركة والقبول بالآخر بعيدا عن التزلف والعقلية الانقلابية وتوظيف مقولات محاربة الإرهاب لتحقيق أهداف فئوية أو خدمة لأجندات أجنبية، ورغم انسحاب وفد طبرق في بداية الجولة الثانية (أي يوم 17 أكتوبر)، تم التمكن لاحقا من تجاوز الصعاب وانتهت الجولة الثانية بحد أدنى من التوافق رغم استمرار الخلافات على بعض النقاط…
وعمليا يُمكن الجزم بأن مربعات النجاح كانت نتاجا طبيعيا وابنا بكرا لأسباب عدة:
أ‌- تيقن جميع الفرقاء عبر تقييماتهم السابقة والحالية من استحالة أي نتائج ممكنة يمكن جنيها من المعارك الميدانية في حسم الأمور لهذا الطرف أو ذاك، أو تحقيق أية أهداف تُذكر على الأرض على حساب الأطراف المنافسة بل أن الفرقاء تيقنوا ان تواصل المناكفات السياسية والتجاذبات لن تفيد أي من طرفي الصراع …
ب‌- يقين غسان سلامة وبعثته الأممية بحقيقة الأوضاع الميدانية وطبيعة الأطراف المتفاوضة وإمكانياتها الميدانية والشعبية، وهو ما مكنه في الأخير من التمسك بخارطة الطريق ووضع الجميع امام مسؤولياتهم وتوخى الواقعية والتلويح بان المؤتمر الوطني سيكون الفرصة الأخيرة بل وأنه الحاسم في مستقبل ليبيا وان الأطراف المتعنتة ستفقد أوراقها ومواقعها خلال ما تبقى من المرحلة الانتقالية بل وفي كل المحطات المستقبلية ….
ت‌- يقين الدول الغربية وخاصة الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بالخصوص أن الحل الوحيد هو في تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها الجميع، وأن نُصرة طرف على طرف أو تدخل خارجي قد يعصف باستقرار أوروبا ويهدد المصالح الغربية، ولعل مساهمات أطراف سياسية تونسية والدبلوماسية الجزائرية وتغير بعض المعطيات الإقليمية على غرار نجاح الخطوات الأولى للمصالحة الفلسطينية كانت حاسمة في تلك القراءة الغربية …
• بين الصُعوبات ومربعات الفشل والنجاح:
تقوم استراتيجية البعثة الأممية على مقولة إن اعادة تشكيل المجلس الأعلى للدولة بناء على حصول توافقات حول تركيبته ومهامه وفصل الحكومة عن المجلس الرئاسي بعد عقد المؤتمر الوطني، سيجعل التوافق على بقية المسارات أمرا ممكنا، وسيُذلل عديد الصعاب، خاصة في المسار الخاص بالترتيبات الأمنية المستقبلية الذي يعتبر أدق وأخطر الملفات، خاصة أن سلامة يعي جيدا أن منسوب الثقة بين الفرقاء الليبيين ضعيف جدا مهما حصل من توافقات، وبالتالي فإن أي اتفاق لن يكون أمرا سهلا، وهو ربما ما جعله يسارع إلى نفي فشل الحوار رغم عدم التوصل الى اتفاقات تذكر في عدد من النقاط …. ولن تقف المخاوف عند اختيار رئيس الحكومة أو عند تشكيلها واختيار تركيبتها وبرنامج عملها الأولي حتى إجراء الانتخابات بنسختيها التشريعية والرئاسية، ذلك أن صلاحياتها تتطلب الكثير من الوقت والنقاش والجدل، خاصة أمام مُربعات الاختراق لنجاحات الحوار وكسر مُربعات نجاحه من أطراف انتهت صلاحياتها وأوراقها، على غرار نظام السيسي وتعنت حفتر والذي يظهر ان أوراقه قد تداخلت من جديد بعد خلافه مع بعض من أنصار القذافي، كما ان المبعوث الاممي يعي المزالق التي وقع فيها ليون اثر اتفاق الصخيرات وأيضا يعي المزالق التي وقع فيها كوبلر في علاقاته بأطراف الصراع، كما يعي سلامة وجود قوى إقليمية تسعى لتفجير الحوارات والتوافقات بل وأيضا تسعى جاهدة لعرقلة خارطة الطريق…
وكل ذلك يتعارض مع الأجندة الزمنية للبعثة الأممية التي تتحرك الآن بشكل مكوكي وخاصة في الداخل الليبي رغبة منها في الوصول إلى الحل في أسرع وقت ممكن، حتى لا تؤدي النتيجة الى بقاء أطراف أو مدن وقبائل خارج التوافقات مما قد يساهم في ولادة جسم هجين لا يلبي رغبة وطموح الليبيين أو يُعيد الأمور الى النقطة صفر…
أما ثالث العوامل المحددة والموسعة لمربعات النجاح التي قد تكون مُضيقة لمربعات الفشل، فهي الترتيبات الأمنية، إذ يمكن جعل حكومة التوافق الوطني الجديدة في حكم العدم حتى وإن تشكلت وفقا للتوافقات السياسية، والمُفارقة في الأمر أن سلامة يعي جديا بالمطبات في هذا الشأن لان استراتيجيته الفعلية وغير المعلنة هي سعيه إلى بناء أرضية صلبة في هذا الملف حتى يُقلل من حجم الاختلاف أثناء المفاوضات لإدراكه أن أصعب وأعقد بُند سيتم التفاوض عليه لاحقا بين الفرقاء أو في المؤتمر الوطني هو بند الملاحق الخاصة بالإشكال الأمني، وأهم ما سيناقش في ملف الترتيبات الأمنية طبعا، هو كيف سيتم اختيار القُوى العسكرية والأمنية؟ وما هي مهامها تحديدا؟ ثم الانتقال إلى اختيار الشخصيات القيادية لهذه الأذرع الأمنية، هل سيكونون من قادة الثوار بدون استثناء أو فقط من المسيطرين على طرابلس حاليا؟، أم من مختلف الفصائل العسكرية التي كانت تتناحر بالأمس؟ أم سيطالب البعض بأن يكون بعضها من قيادات من جيش حفتر في الشرق وبعض من الوحدات العسكرية التابعة حاليا لحكومة الوفاق…
إن بعض التصريحات التي يُدلى بها البعض والتي تُلمح عمليا الى فرض خطط بديلة على الأرض، هي التي تربك الحوار عمليا لكنها لن توقفه أبدا، كما أنها لن تُوقف الترتيبات التي سيتم التوافق حول تفاصيلها مهما كانت هوية وطبيعة الأطراف المتعنتة أو الرافضة لبعض الأسماء ولا شك ان من سيقود المرحلة الانتقالية لن يسمح له لاحقا بخوض الاستحقاقات الانتخابية بعد سنة من الآن حتى لا تُعاد الأمور الى البدايات وتحسبا لتنامي عقلتي الغلبة والغنيمة وهما سمتان طبعتا الشخصية الليبية طوال العقود الماضية منذ بدايات القرن الماضي …
ولا شك أن القوى الكبرى ستسعى هذه المرة تحت عدد من الاكراهات للمساعدة بشكل كبير مع المتفاوضين ومع البعثة الأممية، في كيفية إدارة ملف الترتيبات الأمنية، فإدارة الحوار مستقبلا ستكون بطريقة منظمة جدا وتراعي كل الحقائق على الأرض للوصول إلى أرضية مشتركة لأهم وأعقد ملف في الاتفاق الشامل وفقا لأسس خارطة الطريق الأممية…
إن المراقب للأوضاع في ليبيا عليه أن يُقرّ بأن الخطوات التي قطعت في اتجاه الحوار لم تكُن بإرادة دولية فقط، وإنما ساهم الليبيون فيها بشكل كبير، فما كانت الأمور لتصل إلى هذا القدر من الأمل لولا توقف المعارك في أغلب أجزاء ليبيا عندما تداعى العقلاء من السياسيين والعسكريين إلى دعم وتفعيل المصالحات المناطقية في غرب البلاد وجنوبها والتي تمت سنة 2015 لتهيئة المناخات الملائمة للحوار الحالي، وهو ما شجع الأمم المتحدة على المضي قدما في مشروعها أو بالأحرى خارطة طريقها وجعلها تدرك فعلا من هي الأطراف القادرة على إنجاح الحوار والراغبة فعلا في السلام….
• حول مستقبل الحوار وتقلص مربعات الفشل:
يبدو أن حوار الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية بين الفرقاء الليبيين، وإن دخل مربعات النجاح وتقلصت على ضوئه مربعات الفشل التي ما زال البعض في عواصم عربية يسعى لتوسيعها وغلق مربعات النجاح المنجزة، لن تُفرش في طريقه الورود؛ لأن التحديات كبيرة والتفاصيل دقيقة والاستحقاقات المطلوبة ليست هينة، وتحقيقها يستوجب الحذر وحيزا زمنيا وصبر المتحاورين. ولا شك أن الحوار سيعرف خلافات ومطبات أخرى قد تكون عميقة كلما تقدم زمنيا، بل سيحضر المد والجزر في مسائل عدة يجعل بعض الأطراف تلوح بالانسحاب لتهدد أطرافا أخرى في نقاط تفصيلية.
ولكن الخطوات المقطوعة والأرضية الصلبة التي بنيت سابقا في محطات سابقة وأيضا خلال حوالي شهر من جلسات جولتي الحوار في تونس وفي لقاءات المبعوث الأممي، وكل ذلك سيمكن في الأخير من الوصول إلى التوافقات التي يبحث عنها الليبيون، وبحثوا عنها في 17 فبراير 2011 عندما أطردوا الخوف. كما أن تراكم الأحداث وترتباتها وتجارب السنوات السابقة وتجارب مبعوثي الأمم المتحدية الاسبقين ( متري – ليون – كوبلر) وما نتج عنها من تواصل للانقسامات تجعل كل الليبيين يسعون إلى تجنيب بلدهم وثورته م الفرقة والتناحر وتضييع مستقبلها الناصع نتاج عوامل “جغرا-سياسية”، يعرفها الجميع وحتى لا يقع توظيف التنظيمات الإرهابية ضد تحقيق أهداف الثورة الليبية واستكمال مهامها، خاصة وأنها تنظيمات متحكم فيه، ولها قواعد خلفية في عدد من المدن الليبية بل ولها من يموّلها ويحتضنها ويدفع به نحو أجندات بعينها. …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق