دراساتشمال إفريقياليبيا

التيَار المدخلي في ليبيا: المسار والأدوار المعقدة والمُسترابة

 

 

أبو نادين: 

لعب التيار المدخلي في ليبيا أدوارا مُهمة منذ بداية التسعينات بل  كان له دورا حاسما في عدد من الصراعات التي دارت في ليبيا منذ منتصف سنة 2014 حيث أربك الحسابات في الشرق الليبي من حيث تقلَب اصطفافاته ومن حيث الأدوار المسترابة كما تغيرت مواقفه في الغرب والجنوب الليبيين، فكيف تطور هذا التيار في ليبيا منذ منتصف التسعينات؟، وما هي فسيفساء مكوناته في ليبيا اليوم؟، وماهي المؤثرات الإقليمية في تحالفاته وأدواره؟، وما هي اصطفافاته الممكنة في الأسابيع والأشهر القادمة خاصة في ظل تطورات السيناريوهات على ضوء نجاح أو فشل حوار فرقاء الصراع الليبيين بالضاحية الشمالية للعاصمة التونسية؟

1- حول ماهية التيار المدخلي الليبي:

عادة ما تتحدد ماهية أي تيَار بطبيعة العناصر التي تنتسب اليه من حيث مرجعياتهم الفكرية والمذهبية ورؤيتهم السياسية، إلا أن المداخلة  (على الرغم من أنهم يرفضون المصطلح )، هم عمليا تيار متحكم فيه بل هم عمليا نتاج واقعي لإكراهات فكرية ودينية وإقليمية، تعرَضت لها المملكة العربية السعودية أثناء حرب الخليج في بداية التسعينات، وعمليا المداخلة ينتسبون لـــــ”الجامية” (نسبة للشيخ الارتيري محمد أمان الله الجامي) أو «المدخلية» (نسبة للسعودي ربيع المدخلي)، ويتكوّن التيار المدخلي في ليبيا أساسا من بعض العناصر الذين يرفضون ظاهرا الاشتغال بالسياسة، و عمليا ليس بين عناصر هذا التيار ارتباطات تنظيمية ظاهرة للعيان كما لا توجد له زعامة موحدة بل زعامات كثيرة متنوعة يتقارب بعضها ويجتمعون في بعض المسائل ويحصل بينهم افتراق واختلاف أحياناُ وقد يصل إلى حد القطيعة، وإنما يجمع عناصر هذا التيار تشابه المنهج في التعامل مع المخالف ومحاولة احتكار التسمي بالسنة والسلفية وتضليل بقية التيارات و لهذا التيار موقف متشدد من العمل السياسي والحزبية والانتخابات والتقارب مع الآخرين، كما أنه مُغال في ما يسمى طاعة ولي الأمر….

2- المداخلة وحقبة القذافي:

أ-  ناصب  النظام الليبي السابق في البداية هذه الحركة/التيار العداء وألقى القبض على كثير من أتباعها وكانت إدارة “مكافحة الزندقة” تشتغل على أدبياتها ومناصريها وعناصرها القيادية وخاصة في الشرق الليبي…

ب- تفطن نظام القذافي إلى إمكانية استخدام التيار المدخلي ضمن أدواته للدفاع عن شرعيته السياسية والإقليمية، وبالتالي وضع استراتيجيا التوظيف والاختراق سواء في عمله الداخلي أو في أنشطته الخارجية نتاج رهاناته الإقليمية وخاصة على المستويين العربي والافريقي، وتم الاختراق مركزيا وقاعديا وعلى مستوى روابط التواصل الإقليمي…

ت- عمليا ظل أتباع الحركة السلفية طوال نشأتهم وتمددهم في ليبيا بمنأى عن الشأن السياسي خاصة والشأن العام في العموم، واقتصرت اهتمامات الأعضاء في المدن والأحياء على غرار بعض مظاهر التدين والتأكيد عليها، كمسألة إعفاء اللحي وحلق الشارب ورفع الإزار، كما ركز المداخلة جهودهم مثلهم مثل بقية التيارات السلفية، على محاربة التصوف بجميع حركاته الفلسفية والطرقية، وهنا مربط فرس توظيف القذافي لهم مغاربيا وإفريقيا …

ث- مكن التقاطع بين المداخلة ورُؤية القذافي لفسيفساء مكونات التيار الإسلامي، فقد قام أتباع الحركة السلفية بـتأثير من شيوخ العربية السعودية بتوجيه سهام نقدهم وتبدعيهم وتفسيقهم إلى منهج جماعة “الإخوان المسلمين”، وتبادلوا في شأن ذلك الأشرطة والرسائل الصغيرة الواردة من نظرائهم في المملكة، وخاصة بعد منتصف التسعينات أي بعد فشل ما سُمَي بــــــــ”انقلاب ورفلة”..

ج- قام نجل القذافي المدعو الساعدي إبان اندلاع ثورة 17 فبراير 2011 بالاتصال ببعض شُيوخ الحركة السلفية بالمملكة، وحصل من بعض شيوخهم على فتاوى تُحرَم الخروج على الحاكم، حيث تم اعتبار “ثورة 17 فبراير”، “فتنة القاعد فيها خير من القائم” (حسب أدبياتهم المنشورة)، وبثت شركتي لبيانا والمدار الليبيتين للهاتف المحمول يومها رسائل نصية تحض على التزام البيوت وعدم الخروج في المظاهرات الشعبية في ليبيا….

3- 2011-2014: التيار المدخلي وتطور المواقف والاصطففافات:

بعد انتصار ثورة فبراير ومقتل العقيد معمر القذافي وهروب نجله الساعدي إلى النيجر، خرج أتباع الحركة السلفية عموما للعلن، وساهموا بشكل فاعل في العمل الإغاثي الاجتماعي، إلا أنهم لم يُساهموا في العمل السياسي، بل نظروا إلى انتخابات المؤتمر الوطني العام 2012 على أنها “بدعة لا يجوز الخوض فيها”.

وقبل الانتخابات، قام أتباع المدخلي في ليبيا، بهدم تراث الصوفية في ليبيا وحرق أدبيات الإخوان المسلمين. كما شكلوا دوريات ضد الرذيلة التي ركزت على مكافحة تهريب المخدرات، واستهلاك الكحول، وغيرها من الأنشطة التي تعتبر غير إسلامية، وتجسد ذلك بشكل بارز في قوة الردع الخاصة لكارة والجماعات المرتبطة بها. ومع اندلاع الصراع بين تياري الكرامة والفجر في صيف 2014، انضمت جماعات المداخلة المسلحة للفصائل المتحاربة…

ثم لاحقا وأثناء زيارة رئيس الوزراء السابق علي زيدان للمملكة العربية السعودية طلب من شيوخ المداخلة والسلفية بها إصدار فتوى تحض أتباعهم في ليبيا على المساهمة في انتخابات مجلس النواب الليبي التي أجريت في الخامس والعشرين من جوان 2014، ومن ثم صدرت فتوى على موقع الشيخ ربيع المدخلي بأنه على الليبيين المشاركة في الانتخابات لاختيار نُوابهم، وفهم السلفيون الرسالة وشاركوا في عمليات الاقتراع بكافة المدن والقرى المُتواجدين بها، وبالتالي بدأت مواقفهم تتطور وفقا لاصطفاف المملكة العربية السعودية إقليميا والتي أصبحت ضمن اطار المحور الاماراتي/المصري ضد المحور التركي/القطري وان كان أشكال غلب عليها الحذر والتواري…

4- 2014-2017: الدور الحاسم للمداخلة في الشرق الليبي:

يعتقد بعض المتابعين أن الأدوار المسترابة لعدد من السلفيين المداخلة بدأت في الشرق الليبي منذ نهاية سنة 2012 عبر تشابك الأدوار وتقاطع لأدوار أجهزة مخابرات إقليمية في بنغازي بالذات باعتبارها المدينة المفتاح لحسم الصراعات في ليبيا منذ العقود الأولى للقرن العشرين…

وعمليا لاحظ المراقبون للتطورات السياسية في ليبيا، أنه في الفترة التي سبقت عملية الكرامة بقيادة حفتر، أزالت أجهزة الاستخبارات في الشرق الليبي، العديد من السلفيين المداخلة من قوائم المراقبة التي كانت موضوعة في عهد القذافي، بل وبدأت بإشراكهم بنشاط في المعركة ضد التنظيمات الإرهابية في بنغازي ولكن البعض من المتابعين يعتقد أنهم – أي المداخلة- قد وظفُوا ذلك بان صفوا العديد من خصومهم داخل التيار الإسلامي بل وضيقوا عليهم وأخذوا منهم مساحات فعلهم وأنشطتهم، بل أن هناك تحاليل وقراءات تُؤكد أن بعضهم يقف وراء سلسلة الاغتيالات التي هزت بنغازي من منتصف عام 2013 إلى أوائل عام 2014 وهناك تساؤلات حول من اغتال العقيد كمال بازازة؟ ( أي رجل الدين الشعبي وهو أيضا رئيس قسم الشؤون الإسلامية في مديرية الأمن بنغازي ، في عام 2013)…

ولا يختلف اثنان أن تغيرا آخر قد طرأ على أتباع المدخلي في ليبيا، بعد إعلان اللواء المتقاعد خليفة حفتر حركته الانقلابية في السادس عشر من ماي 2014، إذ أيدوا حفتر خلافا لمنهجهم القائم على عدم الخروج على ولي الأمر، الذي كان وقتها المؤتمر الوطني العام، مدفوعين بفتاوى أتت من المملكة العربية السعودية مفادها أن المؤتمر الوطني العام انتهت صلاحيته وولايته في السابع عشر من فيفري 2014 وذلك تماهيا مع حركة لا للتمديد التي ظهرت بعد هذا التاريخ رافضة استمرار المؤتمر الوطني العام وداعية إلى مرحلة انتقالية ثالثة على رأسها مجلس للنواب، وهي جوهر وفكرة حزب تحالف القوى الوطنية بزعامة محمود جبريل.

وفي سياق منفصل انضم شباب المداخلة الليبيين إلى البوابات الأمنية التابعة لحفتر والممتدة من منطقة “برسس” شرق بنغازي وحتى مدينة المرج….

وحسب شهادات نقلتها مواقع وصحف للمُفرج عنهم من قبل تابعين لحفتر فإن بعض الذين حققوا معهم لمعرفة منهجهم الديني كانوا من المداخلة، حيث كانوا يصنفون المقبوض عليهم، إما منتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين الليبية، أو إلى أحد التيارات السلفية الجهادية المنتشرة بشرق ليبيا….

وانتشرت بمدن الشرق الليبي أيضا مكتبات لأتباع المنهج المدخلي السلفي تبيع في كتب ذات طبعات فاخرة سعودية ولبنانية بأسعار رخيصة بخلاف ما هو معروف عن أسعار هذه الكتب في ليبيا خاصة تلك الكتب التي تنتقد أتباع الحركات الإسلامية الأخرى، كالإخوان والسلفية الجهادية، مما جعل مُراقبون يقولون بأن هذه المكتبات ممولة من أطراف بعينها في المملكة العربية السعودية…

أما في درنة فقد اشتدت حرب التصفيات والانتقام بين المداخلة والجهاديين طيلة سنتي 2014 و2015، حيث  تعرضت محال تجارية أصحابها من أتباع “المدخلية”، إلى عمليات تفجير من طرف الجهاديين بسبب ما قيل من أن المداخلة منضمون في العمليات القتالية العسكرية التي يشنها حفتر على بنغازي يومها، ومشاركتهم في تحقيقات أمنية مع أتباع السلفية الجهادية من درنة…

وعمليا انضم أشرف ميار الحاسي، القائد الميداني السابق في لواء 17 فبراير ونائبه النفاتي التاجوري – إلى قوات (الصاعقة) الخاصة، بل وانضم بعض المداخلة إلى وحدة سلفية على وجه الحصر تحديدا كتيبة التوحيد بقيادة “عز الدين الترهوني”. والتأمت وحدات سلفية مقاتلة مماثلة في المرج حول حفتر وفي البيضاء المجاورة ولأسباب مختلفة حاربت المجموعات السلفية المدخلية وخصوصا كتيبة التوحيد، بشكل فعال جنبا إلى جنب مع قوات حفتر…

ويذكر الجميع أن حفتر وانصاره قد خسروا عمليا جزء من الهلال النفطي في مارس 2017 مباشرة بعد أن نبهت السلطات السعودية على المدخلي بعدم التدخل في الشأن الليبي يومها، وهو ما يعني أن المداخلة قد انسحبوا ولم يحاربوا يومها وانهم كانوا القوة النافذة بعد أسابيع في استرداد ما افتك من حفتر قبل ذلك ..

5- تطوَر نشاط المداخلة في الغرب والجنوب الليبيين وحضورهم في المؤسسات الإدارية والأمنية   

أ- على غرار “المداخلة” في الشرق الليبي تطور تواجد التيار المدخلي في ليبيا منذ منتصف التسعينات وتطور تعامل نظام القذافي معهم وفقا لتطور وتغير أجنداته تجاههم توظيفا واختراقا، وتطور وُجودهم في الغرب والجنوب الليبيين بعد سنة 2013 من حيث مساهمهتم الكبيرة في العمل الخدمي وخاصة في مدن “رقدالين”، و”الجميل” و”صرمان” و”الزاوية” و”بني وليد” و”سبها”، وقد لعبوا أدوار مختلفة سنة 2014 وأصبحوا حاضرين بقوة، ومع بداية سنة 2015 بدأ وجودهم مثارا للاختلاف والجدل وخاصة في “طرابلس” و”مصراتة” و”سرت” وهو تماه مع الالتباس والجدل الذي جد تجاههم في أهم مدينتين في الشرق الليبي أي “بنغازي” و”البيضاء” وذلك من أواخر 2015 إلى منتصف 2016 …

ب- ارتبطت مواقف المداخلة في الغرب الليبي مثلهم مثل المداخلة في الشرق والجنوب الليبيين بمواقف وتصريحات “محمد بن ربيع المدخلي” شيخهم المعروف والذي أصر على متابعة تطورات الساحة الليبية استهدافا للخصوم الفكريين والسياسيين الجدد للمملكة العربية السعودية وفقا للتطورات الإقليمية، ففي مداخلة هاتفية على قناة البصيرة مع “محمود الرضواني” في شهر ماي 2014 يقول “نحن مسرورون بحركة “حفتر”، ونسأل الله أن ينصره بدون سفك دماء كثيرة إن شاء الله، إذا كان عند “حفتر” قُوة يفعل كما فعل السيسي، يعتقل الرؤوس الكبار ويدخلهم السجن حتى يمشي الشعب وراءه بكل راحة وهدوء بإذن الله[2]، وعمليا تشكل في ماي 2014 فصيل باسم “كتيبة التوحيد السلفية”، وقد دعا “المدخلي” يومها لتوحيد الجهود ضد جماعة الإخوان في ليبيا، وشنَّ حرباً ضروساً على الشيخ “الصادق الغريانى” مفتي ليبيا لمناصرته للثورة الليبية بوناء على أنه محبوب بشكل كبير من عموم الشعب الليبي.، وفقا لرؤية المداخلة الليبيين وتقييماتهم وهو ما يفسر استهدافهم لاهم المقربين منه سنة 2017 والمقصود هو الشيخ نادر العمراني طبعا بل أن الجناة وضحوا التفاصيل والمرامي عند التحقيق معهم في وقت لاحق ….

ت – منذ صائفة 2016، أصبح هناك قلق عميق بين حلفاء “المداخلة” في مدن الغرب الليبي وخاصة من طرف القادة الميدانيين في مصراتة وأيضا في المؤسسات التابعة لوزارة الداخلية في طرابلس وخاصة بشأن القوة المتنامية لهذا التيار وأهدافه الخفية، بل هو “اشتباه يجد أسبابه في تقارير عن تمويل من السعودية والخليج”[3]….

ث- بعد حسم الصراع في العاصمة منذ ماي 2017، يشعر بعض القادة الأمنيين فيها كما في باقي مدن الغرب الليبي، بالقلق من منسوب الكراهية لدى المُنتسبين للمؤسسات الأمنية والمحسوبين على التيار المدخلي على غرار بعض عناصر كتيبة المشاة 604 نتاج بعض ممارساتهم تجاه بقية الوحدات الأخرى ذات الميول الإسلامية[4] وأيضا تجاه الليبراليين وغير المتدينين وخاصة تجاه من قاتلوا معهم تنظيم داعش الإرهابي في سرت في صائقة 20166 …

ج-ما يمكن التنبيه إليه أن انعدام الثقة تجاه التيار المدخلي ليس دينيا فقط، باعتبار أن جذوره تعود أيضا للصراعات القبلية المعقدة في بعض قرى ومدن ليبيا، فالكتيبة 604 مثالا لا حصرا تضم عمليا الفرجان والورفلة وهو ما فترح الصراع مع مُنتسبيها “السرتيين”(نسبة لمدينة سرت) من أصول “مصراتية” (نسبة لمدينة مصراتة)، وهذه الكتيبة كغيرها من الكتائب الأخرى غالبية أعضاؤها سلفيون يغلب عليهم الانتماء للتيار المدخلي…

ح- يُمكن التأكيد أن تأثير بعض الشخصيات المعروفة بانتمائها المدخلي على غرار كارة وغيره، في جميع أنحاء العاصمة محدود بسبب الجوار وصراع الفصائل وبسبب الاختلافات الأيديولوجية مع الجماعات الإسلامية الأخرى، ورغم مجهودات كارة أمنيا وحمايته للعاصمة ومدن الغرب الليبي، فان أفكاره ومواقفه تُثير الجدل ومن بينها تبرير اصطفافاته عبر تأكيده في تصريح صحفي في مارس 2016 مثلا “أن المرء ملزم وفقا للعقيدة السلفية “بطاعة ولي الأمر في أي إقليم كان فيه”…[5]

خ- كما في الغرب الليبي، فان البعض في الجنوب الليبي من أمنيين وفاعلين اجتماعيين   تساورهم الشكوك حول أهداف السلفيين وخاصة المداخلة على المدى الطويل. حتى أن ناشط ليبي أكد في تدوينة له منتصف سنة 2016 “نحن معهم في الوقت الراهن في الحرب ضد الإخوان، لكنهم متطرفون ولديهم أسرار.”

د- ا يجب إغفال أن زعيم المداخلة ومنظرهم الإقليمي ربيع المدخلي قد أصدر في فيفري 2015 – فتوى تحريم المشاركة في صراع الفجر- الكرامة كجزء من تحول أوسع نطاقا في السياسة الإقليمية للمملكة العربية السعودية يومها بعد وصول الملك سلمان إلى العرش، والتي تضمنت خفض درجة تهديد الإخوان وجهودا لمصالحة المعسكرين المتنافسين في ليبيا، ويجب التأكيد أن مواقف عناصرهم تغيرت وفقا لتلك المواقف والفتاوي على غرار تغير مواقف المداخلة بعد أمر السلطات السعودية للمدخلي بعدم التصريح في الموضوع الليبي في ربيع 2017   ثم تطورت أيضا   بعد أسابيع ثلاث فقط في اتجاه عكسي وهو ما مكن حفتر من استرداد سيطرته على الهلال النفطي كما تغيرت مواقفهم بعد ذلك بالتطورات في السعودية سياسيا وامنيا وتغير مواقفها الإقليمية بعد تولي محمد بن سلمان ولاية العهد وتطورات الأزمة الخليجية …

ذ- ما لم يعيه البعض من الأمنيين والعسكريين وخاصة في الغرب الليبي ان بعض الوحدات الأمنية أو العسكرية تبدو ظاهريا عادية لكنها في الواقع سلفية بل وتحديدا “مدخلية” بشكل عميق وطائفية في منظورها الفكري بل أن خطب وتصريحات المدخلي تغير فعلها على الأرض بشكل واضح وهو ما تجسده مقولاتها ورؤاها على منصاتها في شبكات التواصل الاجتماعي….

6- حول مستقبل التيار المدخلي في ليبيا وترتباته الإقليمية

أ- إن صعود ما يُسمى بالمداخلة، لا سيَما في المؤسسات الأمنية والدينية والادارية، كان أحد نتائج الصراع المتفاقم في ليبيا والتدخل الإقليمي، وإن اضطر الفاعلون الأمنيون في “طرابلس” و”مصراتة” و”بنغازي” و”البيضاء” يعترفون جميعا بتسخير قوة الجماعات السلفية المقاتلة في حملاتهم ضد الخصوم السياسيين وخاصة ضد داعش ومثيلاتها من التنظيمات الارهابية، ولكنهم يجهلون الآثار لذلك على مستقبل ليبيا وبالتالي فلابد من إعادة النظر وتقييم مسارات تواجدهم وتوظيفهم إداريا وامنيا وعسكريا ودينيا بناء على قاعدة الولاء لليبيا أولا وأخيرا…

ب- رغم الاختلاف المنهجي بين ولاءات المداخلة في الشرق والغرب الليبي من حيث التواجد ومن حيث الارتباطات وتنزيل مواقف ومقولات وأدبيات المدخلي، فان مواقفهم تطورت فعليا وفقا للمواقف السعودية من الصراعات الإقليمية، وخلال السنوات الماضية بقي بعض المتابعين والمحللين في التسلل في أكثر من مناسبة لفهم تطور الصراعات في طرابلس أو حتى في متابعة ما يجري في بعض مدن الغرب والشرق الليبيين، حيث تتغير الولاءات والتحالفات ونتائج المعارك والتي عادت ما تكون مآلاتها بناء على التدخل المستمر لدول الخليج العربي في الشؤون الأمنية في ليبيا…

ت- في العاصمة، أثبتت قوة الردع الخاصة لــ”عبد الرؤوف كارة”، أنها حصن لدعم مجلس الرئاسة خلال السنتين الماضيتين، بل أنها نجحت في القضاء على شبكات داعش داخل العاصمة، كما قضت على خلايا التنظيم الإرهابي المعروف بــ”شباب التوحيد”، وقد لعب “كارة” مثلا أدوارا كبيرة في القضاء على العصابات الاجرامية إضافة الى تصديه الكبير للإرهابيين عبر برامج التكوين والتدريب، وكل ذلك يعني أنه من المُمكن دفع عددا من المداخلة والقريبين منهم الى التحول الفعلي والايجابي الى قُوى وطنية فاعلة تستطيع تجاوز ولاءاتها الفكرية وارتباطها بمقولات كل من “الجامي” أو “المدخلي” بناء على أولوية مصلحة ليبيا وشعبها ومستقبلها ….

ث- عل عكس مدن الشرق الليبي وخصوصياته فان الحضور الكمي والسياسي للمداخلة سيكون ضعيفا في الغرب الليبي نظرا لسيطرة فعلية لــــ:

+ التيارات الليبرالية على غرار جمعيات أهلية قريبة من تحالف القوى الوطنية القريبة من محمود جبريل…

+ التيارات الإسلامية القريبة من الاخوان المسلمين عبر أذرع سياسية واجتماعية بناء على تراكم فعل تاريخي تنظيمي واجتماعي…

+ التيارات الوطنية والعروبية (عمليا قيادات سياسية وفكرية من أنصار القذافي وعددا من النخب الجامعية ….)

ج – حضور التيار المدخلي ضعيف كميا وسياسيا في الجنوب الليبي، لأن مُدنه وقُراه تغلب عليها عوامل القبيلة والغلبة والغنيمة، ولأنصار القذافي حُضور قوي كميا وشعبيا وقبليا، كما أن مستقبل التيار الإسلامي في الجنوب سيكون قويا وفاعلا لأسباب سوسيولوجية وإقليمية، كما أن أهالي الجنوب هم أقرب للاعتدال وأقرب لخصوصية وطنية تتناقض مع ماهية المنتسبين للتيار المدخلي…

د- لن يتوقف خطر البعض من المنتسبين للتيار المدخلي المشحونين بالمقولات التكفيرية للمدخلي، عند بعض جرائمهم السابقة في ليبيا على غرار جريمة اغتيال الشيخ نادر العمراني، ولن تتوقف تلك الجرائم في ليبيا وفي الإقليم، إلا إذا تداعى علماء الأمة وقادتها ومُفكروها للتحذير منهم ومن ضلالاتهم وانحرافاتهم دون مُواربة بل لابد من انجاز تحقيقات امنية واستقصائية لجرائم الاغتيالات التي حدثت في بنغازي سنوات 2012 و2013 و2014…

ذ- ستبقى التصريحات العلنية للمدخلي بشأن ليبيا، مُتناقضة في غالب الأحيان، بل واعتبرها المُتابعون والكثيرون في ليبيا مسيئة وتدخلا لا مبرر له في الشؤون الداخلية للبلاد، وهي تصريحات ستٌقلل من قدرة الفاعلين في التيار المدخلي مستقبلا على التلاؤم مع التطورات المستقبلية في ليبيا وخاصة في حال نجاح الحوار الليبي في الوصول الى توافقات مُهمة لان أغلبهم لا يستطيع السباحة الا في مستنقعات الفوضى العارمة وهُم ذوي قُدرة على الهدم لا على البناء ولن يستطيعوا التلاؤم العملي والفعلي مع مسار ديمقراطي انتقالي ….

ان بعض القوى الإقليمية والدولية من الممكن أن تُوظف مستقبلا أتباع التيار المدخلي بناء على توظيف شيوخهم الإقليميين على غرار “الرسلاني” أو”البرهومي” او مُنظري التيار (المدخلي والجامي) كمقدمات موضوعية لضرب استقرار الجزائر ولو على مدى بعيد كما يمكن توظيفهم في اعاقة ناعمة لتجربة الانتقال الديمقراطي في تونس وتعطيل تجديد الفكر الدني وتطوير الشأن الديني عبر الدفع للخيار المصري عبر استنساخ تجربة حزب النور من خلال الدعم اللوجستي والمالي وعبر أدبيات فكرية وسياسية وإعلامية وتوجيه مدقق استخباراتيا عبر لافتات إعلامية واقتصادية وعبر مجالات الفنون والفلاحة والسياحة والعلاقات الخارجية وعبر استراتيجيات الانقلاب الناعم على مسار الثورتين الجزائرية والتونسية…

المصدر : صحيفة الرأي العام التونسية  بتاريخ 19 أكتوبر 2017 و 02 نوفمبر 2017

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]  أنظر الحلقة الأولى، صحيفة “الراي العام”، العدد 27 بتاريخ 19-10-2017 ص 22-23

[2]  البدري (مصطفى)،”المداخلة ومقتل الشيخ نادر العمراني”، مدونات الجزيرة بتاريخ 23-11-2016

[3]  راجع تقرير موقع “بوابة افريقيا الإخبارية” تحت عنوان “ليبيا…، المداخلة لم يعودوا هادئين”، بتاريخ 15-10-2016

[4]  نفس المصدر بتصرف …

[5]  تقرير موقع بوابة افريقيا الإخبارية ، مصدر مذكور أعلاه بتصرف

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق