رأي

أما آن لنا لهذا الشعب أن يترجل في وجه (المُستعمِر الوطني)؟

 

منذ زمن ليس ببعيد، هتف (باعيسى) بأعلى صوته، أن لا نومَ ولا سِنةَ بعد اليوم، حدث ذلك عندما كان الوطن في رحبة بأهله، ولم تضق حلقاته كما هي عليه الآن لأكثر من ربع قرن!! ومع إشراقة كل يوم جديد، فإن مشهد الوطن من أعلاه إلى أدناه، يؤكد فقدان (المُستعمِر الوطني) بوصلته اللاوطنية. جنون وسفور سياسي لا يتوقفان أبدا، وتمادٍ في التبرج اللأخلاقي، والعنجهية البلهاء الكاشفة لسوءاته وفجوره، في الوقت الذي يحاول فيه بعض الغُفَّل، مواراة عواره، ولهاث رهط آخر من الحالمين المحترفين، في بيع أو شراء أدوات التجميل والمساحيق لترطيب وجه (المستعمِر القميء)، بل واستماتتهم أحيانا في وصفه بالوطنية.

ثقافة المدافعة هذه لدى البعض، تأتي بوصف أنه أي (المستعمِر هذا) تربع على حكم البلاد وقهر العباد، فقط بحكم الشرعية الثورية. وهناك من استمرأ الترويج بضرورة المحافظة على ما هو قائم أيا كان، مع إدمان محاولة إصلاح إعوجاجه العقلي، والرهان على بقائه لا غير، حتى أصبحت عند هؤلاء حتمية مطلقة!! بدلا عن الدخول في متاهات وطنية سحيقة أكثر مما هو عليه الوضع.

مثل هذه المساحيق تتبدى تارة في اختلاق مشاريع متخالفة متباينة متعارضة، وحينا آخر بالكتابة بأسماء مستعارة، حتى أن بعضها لم يتورع، بل ولن يستنكف أن يعقد سمنارات وهمية لما يُسمَّى بـ (تجميع القوى الوطنية) ….، إلى غير ذلك من نفخ بالونات وفقاعات إعلامية وهمية ما أنزل بها الواقع الإرتري المتأزم من مفهوم. يموج ذلك كله في المشهد الإرتري النازف، رغما عن نفاذ الصلاحية المفترضة للمجموعة القاهرة (المستعمِر الوطني) بعد تعطيلها دستور 1997 (مع كل التحفظات والتخوفات)!!! إلا أن العصابة الحاكمة في أسمرا، تتمادى في ضلالها الممنهج؛ مع احتراف تمزيق لحمة الوطن، وتضييع كل الفرص المواتية لاستقرار البلاد، وضمان وحدة الشعب الإرتري ومصيره المشترك. كل شيء في وطن التضحيات، أصبح في كف عفريت أو مهب الريح! الوطن برمته على شفا جرف هاو، يوشك أن تنهار قواسم تعاضده وتآزره. عجيب أمرنا نحن الإرتريين!!!

وفي مواصلة محمومة للعربدة السياسية التي تشهدها بلادنا، وصب المزيد من زيت الحرب البينية على وجه الوطن الباكي، تناقلت الأخبار قبل أيام، إقدام [المُستعمِر الوطنِي]، وبتعنتٍ مَقيت، ابتلاع حصن آخر من مكونات المجتمع الإرتري (المُسلم) تحديدا، ممثلا في انتهاك خصوصية وملكية مدرسة الضياء الإسلامية بحي (أكريا) الشهير، مشفوعا بالإقدام على خطوة إجرامية كبرى في إذلال المسلمين، عبر اعتقال رئيس لجنة مجلس إدراة المدرسة الشيخ/ موسى محمد نور، البالغ من الكِبر عتيا، حيث تجاوز الـ 90 عاما!!! وما يدعو إلى الدهشة أكثر، أن هذا (المستعمِر) يعلم يقينا، أن المدرسة أنشئت بجهود الراحل/ الأستاذ بشير، حتى أن البعض يسميها إلى اليوم (مدرسة الاستاذ بشير). أسسها الراحل في عهد الاستعمار الإثيوبي الأول (هيلي سلاسي)، من حُر ماله، ومساعدة الخيريين من أبناء المسلمين تحديدا. أكمل تعليمه بجمهورية مصر العربية وعاد إلى وطنه، محملا بآمال وأحلام عِراض، صارفا أنظاره عن العروض التي كانت أمامه للعمل بالخارج، وتحديدا المملكة العربية السعودية. هذه إفادة أدلى بها في مقابلات عدة أجريتُها معه لصالح (إذاعة صوت الجماهير الإرترية) و (جريدة إرتريا الحديثة) قبل سنوات. أنشرها اليوم لأهميتها فقط، وليس لغرض شخصي كما يظن بعض مَن في قلبه زيغٌ، أو في عقله مرضٌ، أو في فهمه حَوَلٌ، لم يأت نشرها في سياق التسلق على أرواح الراحلين كما زعم وكذب المتوهمون في ترهاتهم من قبل.

المربي الجليل الأستاذ/ بشير عزم على تأسيس مدرسة في وطنه، تكون ضياء لتعليم الأبناء أمور دينهم ودنياهم وقد كانت بحق. بدأها مما هو دون الصفر، صامدا مستمسكا بالحق؛ فنشر التحصيل الأكاديمي والتفقه في أمور الدين. وظل هكذا شامخا كالطود، حتى تخرَّج على يديه، جيلٌ مسلحٌ بالمعرفة والعلم، احتل جلُّهم مواقع مشهودة في عدد من دول العالم بما فيها إرتريا. واعترافا بجميل المربي عليهم، قام طلابه المقيمون بالمملكة العربية السعودية، بتكريم أستاذهم، بشراء منزل له بحي أكريا، وقد شرفتُ فيه في إجراء مقابلات عدة معه قبل وفاته بأعوام، عليه الرحمة. الأستاذ الجليل قدم شهادته الخاصة بالمدرسة في اللقاء الصحفي، بما في ذلك ما شجر بينه وبين نفر من أعضاء هيأة التدريس بالمدرسة، سيما الذين دسَّهم (المستعمِر الوطني) في العشرية الثانية من التحرير، إلاَّ أن المؤسس الراحل كان أسمى وأكبر دوما، إذ فطِن عن وعٍي إلى حجم المؤامرة المدبرة بليل، فآثر عن طيب خاطر، تفويت الفرصة على المتربصين بالمدرسة؛ فاعتزل عمله، وأنزوى في بيته، حتى لقي ربه راضيا قبل سنوات ومرضيا بإذن الله.

وأخيرا، حان قطاف مخطط (المُستعمِر الوطني) في إبتلاع المدرسة بقضها وقضيضها، كما التهم من قبل مدرسة الجالية العربية، على خلفية حملات إعلامية قادها إعلامه الرسمي، كان آخر شباكها المسعورة، المقال الذائع الصيت (مدرسة الجالية العربية، صرحٌ يتهاوى فهل من منقذ؟)، ولمن ساهم في الحملة، عفو الخاطر، نسأل الله له الغفران. عودا على بدء إن منهجية القضم لمرافق التعليم الخاصة، سيما العربية والاسلامية في إرتريا، ليس بجديد على (المستعمِر الوطني)، فقد قضى عليها واحدة بعد أخرى، بعد أن ظلت لسنوات حصينة في وجه (المستعمِر الأجنبي)!! حدث ذلك في عدد من مدارس البلاد المغلوب على أمرها، سيما وأن الجغرافيا الوطنية من أقصاها إلى أقصاها، منتهكةً حقوقُها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ودينيا؛ لتكون محصلة السنوات العجاف، هذا الواقع المخزي. إذ إن كل شيء اليوم في الوطن، في مهب الريح، في ظل استمرار المشهد المزري، والأدهى والأمر أن كل الاحتمالات واردة، بما فيها أن تكون إرتريا أو لا تكون مع الأسف الشديد.

(المستعمِر الوطني) ظل وما فتء، يمارس عن عمد وإصرار، سياسة إشعال فتنة وطنية، بين أبناء الشعب الواحد. أدمنها أكثر من أقرانه، بل تفنن في ممارستها، حتى بزَّ كل الشياطين (المستعمِرين الوطنيين) في دول العالم الثالث. (الفتنة أكبر من القتل)، ولا يزال يشعل فتيل أوارها، حتى خلق أجواء من عدم الثقة بين أفراد الوطن، وصلت عند البعض في المجاهرة، بخطاب الكراهية، بين الشركاء في الاتجاه والاتجاه الآخر (المسلمين والمسيحيين). المستعمِر الوطني هذا، روج فيما زعم عن الفكر الجهادي، وتخوفه من انتشار المشروع الحضاري للإسلاميين في السودان في بدايات التحرير، فزج بآلاف الأبرياء من أئمة المساجد والشيوخ والدعاة وحفظة كتاب الله، كلهم أصبحوا أثرا بعد عين! وتواصلت مسلسلات الفبركة والإرهاق السياسي، باعتقال مجموعة الـ 15، بذرائع ملفقة هي الأخرى، ثم توالت عمليات الاستهداف المنظم، ليكون حصاد مخططه هذه المرة، الزج بعدد آخر من الإرتريين المسلمين تحديدا، بتهمة ضلوعهم في قلب النظام من الداخل، كثيرون منهم قضى نحبه، على رأسهم الدكتور/ طه محمد نور، أحد مؤسسي جبهة التحرير الإرترية، عضو مفوضية الدستور، شقيق الشيخ الطاعن في السن الذي أعتقله (المستعمِر الوطني) مؤخرا الشيخ/ موسى محمد نور. وفي المحاولة الانقلابية الحقيقية الجادة التي قادتها مجموعة من أعضاء الحزب الحاكم نفسه – لو كتب لها النجاح لربما اختلف حديث اليوم – ولحكمة يعلمها العزيز المقتدر، وتماشيا مع الحقيقة التاريخية لإرتريا، أن قادة فكرتها الميمونة تلك، كان معظمهم أو كلهم من المسلمين. ليأتي (المستعمِر الوطني) كعادته؛ ناسجا حولها، مزاعم أنها كانت محاولة عسكرية إسلامية صرفة؛ لتفريغها من مضمونها وأهدافها الوطنية، زغى وأزبد وجفت حنجرته في ترديد مزاعم وأكاذيب، من قبيل أن المجموعة هدفت إلى أسلمتْ إرتريا!! وكانت محصلتها نشر مزيد من خطاب الكراهية بين الفرقاء وشركاء الوطن الواحد!!!

وفي ذات الوقت، فإن امتعاض المسلمين من سياسة (المستعمِر الوطني)، وصل لدى البعض إلى حد القناعة القطعية، أن المسلمين في إرتريا مستهدفين من قبل إخوانهم المسيحيين، وهي تهم تأتي في صالح (المستعمِر الوطني) لا غير. وهذه تمثل كبرى جرائم وجرائر هذا النظام، إذ نجح في إحداث شرخ وطني كبير، لا يندمل حتى بالتقادم، سيما مع نشر مخططات وسيناريوهات تتردد علنا هنا وهناك، سواء في وسائل التواصل الاجتماعي، أو في إعلام رسمي تديره جهات ملعومة المصدر والعنوان، أو تلك التي تصرح بأسماء مستعارة حزبية كانت أو فردية، وأشهر تلك البؤر السرطانية (مجموعة الأقآزيان)، ومن وَالاهم من أسماء مزعومة إلى الوطنية، وفئة أخرى في الاتجاه الآخر، من المسلمين تحديدا طفح بهم الكيل، فأخذت تردد ذات الخطاب المنحرف المتطرف، علما بأن إرتريا قدرها الوحيد، العيش المشترك بين أبناء الطائفتين (المسلمون والمسيحيون)، هكذا تقول حقائق التاريخ وستظل هكذا. ومن يحلم بخلاف ذلك، فهو كمن يحرث في البحر.

تمادى (المستعمِر الوطني) في ضرب أسافين بين أبناء الوطن الواحد، سواء عبر اعتقال شخصيات لها مكانتها في المجتمع الإرتري من الطائفتين أكثرهم من المسلمينن وذلك عن قصد، أو في نشر سموم مخططات تسعى لابتلاع مكونات بعينها، على حساب المكونات الأخرى المعلومة بالضرورة الوطنية. كما أن الطرف المشكوك في هيمنته وسطوته، هو الآخر يظل متوجسا من شريكه متربصا به المكائد!! ألا يصح لنا القول بعئذ إن هذا (المستعمِر الوطني) لا يمثل إلاَّ جرثومة سرطانية، ينبغي استئصال شأفتها عن جذورها؛ باعتبار أن أكبر نجاح حققه، هو نشر الشك وعدم الثقة والخوف والتوجس، هذا ضد ذاك، سياسة إبليسية نحج فيها بامتياز، فيما فشل في تعميقها المستعمر الخارجي بكل جبروته، إلاَّ لسنوات معدودة، تجاوزها الشعب الإرتري، في اصطفافه الثوري، وترسيخ لحمته الوطنية، طوال فترة الكفاح المسلح بكل تعرجاتها.

إن الحقيقة الدامغة، لهذه الملهاة الوطنية، أن (المستعمِر الوطني)، أوصل البلاد بكل نضالاتها وتضحياتها، إلى درك هاوية سحيقة، لاعبًا بالورقة الدينية، أو المكون الديني بخبث ومكر، وإلاَّ كيف يمكن تفسير من يقول اليوم: ” إن الاستعمار الإثيوبي بكل سوءاته، لم يبلغ ما وصل إليه (المستعمِر الوطني)؟؟ لقد نحت هذا المستعمِر عن جدارة، في جدرايات الوطن المكلوم، خطاب الكراهية، والحقد، والشك، والريب، بين أبناء الوطن الواحد!!! بالتالي فإن استمرار هذا الجرثوم الوطني، يمثل مهددا خطيرا لمستقبل البلاد والعيش المشترك. عليه فإن مشروعية اجتثاثه، تظل المهمة الأولى والأخيرة لكل مواطن حادب على مصلحة الوطن، ومستقبل أبنائه بكل طوائفه وأديانه وأعراقه. وعلى النقيض من ذلك، فإن كل ما يدور دون هذا، سواء كان تجمعا سياسيا، أو تكتلا طائفيا، أو اصطفافا جهويا، بكل المسميات والعناوين والإعلام، والعويل والصراخ، ما هي إلاَّ تيارات داعمة لجسم هذا الأخطبوط (المستعمِر الوطني) المتهالك بقوة الله وعزم الشعب الإرتري لامحالة.
الحرية للشيخ/ موسى محمد نور، ولكل المعتقلين القابعين خلف أسوار وتحت أنفاق (المستعمِر الوطني).

أحمد شريف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق