اريترياتحاليلسياسيةشرق إفريقيا

  أرتريا: هل هي ارهاصات أولية لثورة تحرر من نظام افورقي الاستبدادي؟

 


علي عبداللطيف اللافي

شهدت العاصمة الإريترية “أسمرا” يوم 31 أكتوبر الماضي أحداثا غير مسبوقة لأول مرة، حيث قابلت السلطات الأمنية المتظاهرين بالرصاص الحي لتكون الحصيلة الأولي 28 قتيلا كما تم اعتقال الشيخ التسعيني “موسى محمد نور”، فهل هي ارهاصات أولية لثورة تحرر ارترية من نظام “أفورقي” الاستبدادي، ام هي مقدمة موضوعية لمحاولة انقلابية رابعة وسط حديث عن تذمرات في الجيش الإرتري؟

1- غياب كُلَي للتنمية في بلد مُغلق ومعزُول

يجمع كل المُتابعين أن إريتريا هي أكثر بلد منغلق ومعزول ومعروف أن المطار الوحيد لا تتعامل معه سوى 4 شركات الطيران (الخطوط التركية –  فلاي دبي الإماراتية – الخطوط السودانية (سودانير) – شركة مصر للطيران)، كما تتشدد السلطات الأمنية في إصدار تأشيرات دخول للبلد بما في ذلك للسياح، فقد يستغرق استخراج التأشيرة أكثر من شهر، وعمليا يُصنف المتابعون إريتريا بأنها أسوأ الدول في سجل حقوق الإنسان، حتى  انها تُوصف بأنها “كوريا الشمالية إفريقيا”، ذلك أن تقارير دولية عديدة تُؤكد أن آلاف المواطنين الإريتريين يهجرون بلدهم كل شهر، بل ان من بينهم نسبة هامة تهرب عمليا من الخدمة العامة في الجيش (الحكومة تُبقي الشاب الارتري -أو الشابة- أن يمضِ في الخدمة العسكرية أكثر من عشر سنوات ويتم ذلك قسراً وبلا مقابل بل قد يتم تجنيد من يتجاوز سنهم الخمسين بل والسبعين أيضاً).

وعمليا يضطر الالاف من الإريتريين إلى الهجرة من جحيم النظام الحاكم والأوضاع الاقتصادية الصعبة والقاسية جدا إلى دول الجوار؛ حيث يشكل السودان وإثيوبيا الحاضن الرئيسي لهم كما توجد جاليات ارترية في ليبيا (خاصة قبل الثورة وفي بعض الدول الخليجية على غرار الكويت …

 أما التعليم بكل مستوياته فحدث ولا حرج من حيث سوء التنظيم، فقد تأسست جامعة أسمرة عام 1972(كانت تحمل اسم “جامعة الأسرة المقدسة”)، ولكن استمرارية جامعة أسمرة بالشكل الذي كانت عليه أصبحا خطراً على توجهات “نظام الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة”، وهو النظام الذي يحكم البلد بالحديد والنار منذ استقلالها عام 1993، وهو لا يرغب بالطبع في انتشار التعليم، وتصاعد النشاط السياسي المعارض، لهذا قرر إيقاف نشاط الجامعة تدريجياً، قبل أن يتم إيقاف قبول الطلاب في الجامعة نهائيّاً في عام 2003 – 2004.

كانت نتيجة تلك القرارات إنهاء العمل بالجامعة، وهروب المئات من طلابها وأساتذتها بمن فيهم مدير الجامعة؛ لتتوقف الجامعة نهائياً عام 2005….

ولجأت الحكومة الإريترية بعد ذلك إلى إنشاء ثماني كليات جديدة وزعتها على أربعة أقاليم؛ حيث توجد ثلاث كليات أساسية في الإقليم الأوسط، وثلاث أخريات في إقليم شمال البحر الأحمر، وكلية واحدة في كل من إقليم “عنسبا” والإقليم الجنوبي، وكان الغرض من إنشاء هذه الكليات تفكيك جامعة أسمرة وتوزيعها في مدن مختلفة لضمان عدم التفاف الطلاب مجدداً على فكرة معارضة سياسات الحكومة…

إعلاميا يصعب الحصول على أي معلومة، حيث لا يوجد أي وسيلة إعلام مستقلة وليس في البلاد ليس هناك الا تلفزيون واحد وإذاعة واحدة وصحيفة واحدة، وجميعها حكومية مملوكة لحزب الجبهة الشعبية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن خدمة الإنترنت ضعيفة للغاية، وتحظر السلطات معظم المواقع الإخبارية، فضلاً عن أنه لا يُسمح لأي مواطن باستخراج شريحة هاتف نقال ما لم يكن له سكن ثابت، مع انعدام خاصية إرسال الرسائل النصية خارج البلاد وعدم وجود خدمة التجوال الدولي، أما الأجانب فلا يسمح لهم باقتناء شريحة جوال…

2- منطلقات الانتفاضة الحالية

يكره الإرتريون سياسات “أسياس أفورقي” (نصّب نفسه رئيساً للبلاد منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993)، نتاج منطق الدولة الأمنية فلا انتخابات والسجون في انتظار كل المعارضين أو المحتجين دون أية محاكمات أو إجراءات قانونية؛ والبعض مسجون منذ أكثر من عقدين ومصير مساجين سابقين غير معلوم، وهو ما حدا بمائتي ضابط بداية 2013، الانقلاب على نظام الحكم، لكن المحاولة أجهضت كما حدث من قبل لمحاولتين، أولاهما في 1993، والثانية سنة 2001…

وعمليا بدأت الاحداث الحالية بعد أن تعمدت الحكومة تأميم مدرسة “الضياء الأهلية” (يدرس بها نحو 2800 طالب وطالبة)، فقررت ضمها إلى مدارس وزارة التعليم، ولكن الأهالي رفضوا الخطوة بشدة، مما دعا السلطات الأمنية إلى اعتقال رئيس لجنة المدرسة موسى محمد نور (يزيد عمره عن تسعين عاماً) وذلك على خلفية مناهضته قرارات الحكومة التي أمرت بتنحية القرآن الكريم، وفرضت خلع الحجاب والنقاب على الطالبات،  وهي عمليا القيم التي من أجلها شُيّدت المدرسة بتبرعات الأهالي، وكانت المدرسة فاعلة منذ العام 1969، دون أن تتعرض لأي تهديدات تستهدف تأميمها وضمها إلى ممتلكات الحكومة…

ويُنسب للشيخ موسى أنه قال للأهالي قبل أن يُعتقل: “إن الفتيات اللاتي يأتين إلى المدرسة محجبات هُن مسلمات وهن بناتنا، ولا يمكن أن يعتدي عليهن أحد، بل انه أضاف “نحن مستعدون لتحمل تبعات كل شيء، من أجل ديننا وعقيدتنا؛ لأن الإنسان يولد ليموت”…

واضافة لذلك شهد شارع “أكريا” وسط العاصمة الإريترية أسمرة، ظهر الثلاثاء 31 أكتوبر 2017، مظاهرات طلابية حاشدة، تخللتها اشتباكات بين المحتجين وقوات الأمن، استُخدم فيها الرصاص الحي، وتم الحديث عن سقوط 28 قتيلاً من الأهالي، في حين شنَّت السلطات حملة اعتقالات طالت العشرات…وهو ما حدا بالسفارة الأميركية في أسمرة بتجنب دخول مناطق وسط العاصمة…

وعمليا بينت الاحداث وخاصة المظاهرات المفاجئة، خوف النظام مما جعله يدفع  قوات الأمن إلى استخدام الرصاص الحي لتفرقة المنتفضين كما منعت إقامة الصلوات في مسجد الخلفاء الراشدين ومحيطه كما تم  قطع شبكة الإنترنت عن العاصمة، كما طلب مُفتي النظام الحماية الشخصية من السفارة السودانية هرباً من المتظاهرين….

3- تعتيم دولي وتحركات للمعارضين في الخارج

 

تجاهلت منظمة الأمم المتحدة منذ ربع قرن انتهاكات نظام “أفورقي” ويتساءل المواطنون الارتريون كيف يقبل المجتمع الدولي بنظامٍ يفرض عزلة إعلامية كاملة ولا يسمح بدخول وسائل الإعلام المستقلة…

وهناك خوف من تمادي النظام في سياساته القمعية ومحاضرة ما بقي من حقوق اجتماعية ومرد الخوف هو علاقات “أفورقي” مع دول إقليمية، وتجلى ذلك في مسارعة الإعلام الحكومي إلى ربط الأحداث بالإرهاب والتطرف، وزعم تقرير للتلفزيون الرسمي أن المظاهرات تقف خلفها جماعات إرهابية تهدف إلى ضرب الأمن والاستقرار، وبناء على ذلك دعا العديد من النشطاء الإريتريين في دول المهجر إلى استثمار الحدث والقيام بحراك شعبي، بجانب تنظيم تجمعات احتجاجية أمام سفارات النظام بالخارج للتنديد بالانتهاكات في ظل التعتيم الإعلامي.

واعتبر هؤلاء الشباب أن ما حدث يوم 31 أكتوبر لم يكن متوقعاً، وأنه شكّل مفاجأة للسلطات الأمنية. خصوصاً أن إحدى السيدات وقفت تخطب فى الناس بصورة مؤثرة أمام الشرطة التي لم تستطع التعرض إليها…

وبالفعل خرجت عشرات المسيرات والتجمعات للجاليات الإريترية في أوروبا، وحاول عدد من الشباب تسليم مذكرة احتجاجية لسفارة أسمرة في الخرطوم، لكن البعثة الدبلوماسية رفضت تسلّم المذكرة…

4- هل هي ارهاصات ثورة تحرر، أم تمهيد لمحاولة انقلابية رابعة؟

يرى المتابعون للشأن الاريتري، أن الكرة ما زالت في ملعب حكومة “أفورقي” بحيث يجب عليها تقديم تنازلات فورية تسمح بالحد الأدنى لحياة مدنية وديمقراطية واحترام المسلمين وحرياتهم الدينية والانسانية، واتخاذ إجراءات على غرار إطلاق سراح المعتقلين، وخاصة الشيخ التسعيني موسى محمد نور، والتخلي العملي عن تأميم مدرسة الضياء، فضلاً عن ضرورة الوقوف على مسافة واحدة من جميع الديانات والمذاهب والقوى المجتمعية …

إذا لم تفعل الحكومة ذلك فقد يكون البديل مكلفاً جداً، وربما تدخل البلاد في متاهة غير معلومة العواقب، ذلك لأن السكان ليس لديهم ما يخسرونه فانتهاكات حقوق الإنسان أكثر من أن تحصى والأوضاع الاقتصادية قاسية ودفعت خلال السنوات الماضية بغالبية الشباب إلى الهروب لدول الجوار وأنحاء العالم المختلفة، كما نقلت التقارير عن تنامي التذمر غير المسبوق في صفوف الجيش الإريتري، ما يجعل مهمة تسلّم السلطة أمراً يسيراً إذا تتابعت الأحداث خاصة في ظل وجود ضحايا ….

 


أرتريا في سطور

إرتريا” (بالتيغرينيّة: ሃገረ ኤርትራ؛ إرترا)، هي دولة أفريقية عاصمتها أسمرة،  يتحدث الكثير من سكانها العربية، يحدها البحر الأحمر شرقا والسودان من الغرب، إثيوبيا من الجنوب، وجيبوتي من الجنوب الشرقي. يمتد الجزء الشمالي الشرقي من البلاد على ساحل البحر الأحمر، مباشرة في مواجهة سواحل السعودية واليمن. وتصل مساحتها إلى 118,000 كم² وعدد سكانها 4 مليون نسمة، وتتصف اريتريا بأجوائها وأراضيها الخلابة…


المصدر: صحيفة الرأي العام، العدد 29 بتاريخ 09 نوفمبر 2017

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق