تقاريرسياسيةغرب إفريقيا

كيف ساهم عسكر أمريكا في تفريخ الجماعات الإرهابية بـ”غرب إفريقيا”؟

 

 

هل أمريكا وراء نشر الإرهاب في غرب إفريقيا؟ السياقات والوقائع تعطي إجابة واضحة عن السؤال دون إسراف في الحيرة والغموض، فالقارة السمراء المنكوبة بأزماتها المختلفة والمدججة بكل عناوين القبح السياسي لم تكن واحة جذابة للإرهاب وأربابه حتى عام 2001، وهو ما يضع الولايات المتحدة في وجه المسؤولية، خصوصًا إذا نظرنا بعين التحليل إلى خريطة التمدد العسكري وتعاملات الميري الأمريكي الوثيق مع جماعات متطرفة استوطنت المنطقة وتوحشت فيها.  

متى ظهرت البصمة الأمريكية في القارة السمراء؟

قبل عام 2001 كانت المنطقة نسبيًا خالية من التهديدات الإرهابية ولا سيما العابرة منها للحدود، ولم تظهر الجماعات المتطرفة بداية من الفرع المحلي لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والمرابطون وأنصار الدين وجبهة تحرير ماسينا التي تعمل الآن تحت عباءة جماعة نصرة الإسلام، وحركة الوحدة والجهاد في غرب إفريقيا وأنصار الإسلام والدولة الإسلامية في غرب إفريقيا وغيرها، إلا تزامنًا مع مجيء فرق العمليات الخاصة الأمريكية، التي بدأت منذ عام 2006 نشاطًا مكثفًا وخصوصًا في منطقة الغرب الإفريقي.

وقتئذ بدا للعالم أن هناك اهتمامًا أمريكيًا من نوع خاص بالمنطقة، بعدما ضخت الولايات المتحدة الأمريكية نحو 170 مليون دولار لتجهيز قوات مكافحة الإرهاب في النيجر حتى تلحقها بسياسات عسكرية مشابهة، سبق اعتمادها في مالي وتشاد ونيجيريا، وجميع هذه الدول جرى تدريب أبنائها على استخدام المعدات الحديثة في القتال، وتوطين أعمال الاستخبارات والاستطلاع من خلال التدريب المشترك مع القوات الأمريكية.

أدت السياسات العسكرية في النيجر إلى نتائج كبرى كارثية، وهو ما جعل مؤسسة راند الأمريكية تصدر تحذيرًا عبر مجموعة من كبار الباحثين لديها من العواقب الوخيمة التي تحل بالدول الفقيرة والهشة بسبب تدريب أبنائها على الأسلحة الثقيلة الحديثة وأعمال الاستطلاع والمخابرات، وأوضحت أنها على المدى البعيد تخلق اختلالات في التوازن بين القوات المسلحة النظامية وحكومات بلدانها الضعيفة والتي يمكنها السيطرة بشكل كافٍ على الجيش.

وليس هذا فقط بل تخلق ظهيرًا إرهابيًا مدربًا على تطويع الطبيعة بجانب أحدث الأسلحة لصالح توطين فكر الإرهاب والعنف، واستندت في ذلك إلى تقرير صادر عن دائرة أبحاث الكونغرس نفسه، ونشره مايكل شوركين الباحث السياسي البارز في المؤسسة.

رغم المخاطر المعلنة من عدة مراكز بحثية متخصصة، فإن أمريكا تمادت في سياساتها غير ملتفتة للانتقادات بشأنها، ومنذ 2013 أرسلت قوات القبعات الخضراء Green Berets إلى النيجر، وهي قوات عالية التدريب في التسلل خلف خطوط العدو بالاتصال وتنظيم المعارضة الداخلية ضمن عمليات عصابية، وكان ذلك مثيرًا للاستغراب في دوائر البحوث المعنية، فما الهدف الأمريكي من اختيار دولة مثل النيجر غارقة في الفقر لإنشاء فرق عمليات خاصة من أبنائها وتدريبها على التنقّل السريع في الصحراء باستخدام الأسلحة الثقيلة وأساليب الهجوم العسكري الحديث وتحليل المعلومات الاستخباراتية؟

لم يلق “عسكر أمريكا” بالاً تجاه أي صوت تحذيري، وألحقوا بعد شهرين من نفس العام فرقًا أخرى تدربت أيضًا مع القوات المحلية في النيجر على مهارات قتالية مماثلة بالمناطق النائية، في تنفيذ واضح لرغبة لم تعد غامضة بزيادة الوجود العسكري الأمريكي بهذه المناطق البعيدة عن حركة التاريخ لتطوير القوات المسلحة في كل من الكاميرون والصومال وجيبوتي ومالي ونيجيريا وتشاد وبشكل متستر على الأنظمة القتالية الحديثة وفق أعلى معدلات القوة في العالم.

كيف بررت الولايات المتحدة وجودها في إفريقيا؟

في استراتيجية الأمن القومي الصادرة في فبراير عام 2015، أكد باراك أوباما الرئيس السابق للولايات المتحدة، أن بلاده تولي أهمية أكثر من أي وقت مضى لتعميق استثمارتها في إفريقيا، وتسريع حصولها على الطاقة والصحة والأمن الغذائي في تلك المنطقة الصاعدة من العالم.

التكوينات الأمريكية التي تتكرر في الخطاب الأمريكي برتابة لإيجاد مبرر للتدخل في شؤون الدول وفرض أجندة أمريكية عليها، كانت حاضرة في خطاب أوباما، وأكد وقتها أن بلاده ترغب في مساعدة إفريقيا لتحسين الحكم الديمقراطي وسيادة القانون ودعم حقوق الإنسان والحريات الأساسية، خصوصًا أن عملية الانتقال إلى الديمقراطية تسير بشكل غير متكافئ وبطيء، في ظل تمسك بعض القادة بالسلطة، فضلاً عن توطن الفساد وتهاوي أنظمة الصحة العامة في العديد من الأماكن، ومواجهة الكثير من الحكومات توسع المجتمع المدني والصحافة الحرة عبر قوانين واعتماد سياسات تضعف هذا التقدم.

انتقل أوباما سريعًا من الحديث عن الأجندة المطلوبة إلى مخاوف المجتمع العالمي من الصراعات الجارية في السودان وجنوبه وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، فضلاً عن المخاوف من المتطرفين القساة الذين يحاربون الحكومات في الصومال ونيجيريا، بما يشكل تهديدًا خطيرًا للمدنيين الأبرياء في الساحل الإفريقي، وهو الأمر الذي ينعكس بالسلب على الأمن القومي الأمريكي.

وأعلن الرئيس الذي ينحدر من أصول إفريقية، استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للمنطقة والتحديات الأمنية التي تواجه القارة السمراء بما في ذلك نمو وانتشار الجماعات الإسلامية المتشددة في أنحاء إفريقيا، فضلاً عن التفكك المستمر الذي تشهده ليبيا وأعمال العنف الوحشية المتزايدة في نيجيريا، وعدم الاستقرار في جمهورية الكونجو الديمقراطية، ونمو الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات.

اعتبر أوباما أن كل ما ذكره، مصادر قلق رئيسية، ليس فقط بالنسبة للبلدان المتضررة بشكل مباشر، ولكن أيضًا للولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين، ومع ذلك لم ينس أوباما التشكيك في كفاءة القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا التي تعمل تحت اسم “أفريكوم”، وهي مسؤولة عن تنفيذ أي عمليات عسكرية ضرورية، سواء بمساعدة الشركاء الأفارقة أو باتخاذ إجراءات مباشرة، وأوضح أنها لم تتوفر لها أبدًا موارد كافية لتنفيذ المهمة المسندة إليها في ظل تحديات غير عادية نشأت في السنوات الأخيرة، وخلال الأحداث المتسارعة لم يتم مدها بالمال الكافي للقيام بمهمتها، وهكذا مهد الرئيس الأمريكي للمد الأمريكي في القارة الإفريقية، لتفعل بلاده ما يحلو لها دون حسيب أو رقيب.

الولايات المتحدة … نجاح ساحق “في الظلام فقط”

ما يدعو للدهشة، أن أمريكا لم تنجح في أهدافها المعلنة لمحاربة الإرهاب، فالبرنامج الأمريكي لتدريب مقاتلي المعارضة السورية على سبيل المثال والذي انطلق في مطلع مايو 2015 وتشرف عليه وزارة الدفاع الأمريكية واستهدف تدريب نحو 5 آلاف مقاتل سنويًا لمدة ثلاث سنوات و3 آلاف مقاتل بنهاية العام نفسه على أساسيات القتال، وإرشاد طائرات التحالف الدولي لتحديد أماكن أهداف تنظيم داعش من خلال تزويدهم بمعدات لاسلكية للاتصال ومتعقبات بنظام تحديد المواقع “جي بي إس”، لم يكن أكتر من حرث في الماء.

صرف الجيش الأمريكي 500 مليون دولار في العام الأول على هذه الأهداف العسكرية التي تبدو بسيطة بجانب ما يتم تدريب الأفارقة عليه في السر، إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية أقرت ضمنيًا بفشل برنامجها لتسليح المعارضة، وأعلنت أنها ستعلق البرنامج لفترة لحين تعديله، ولم يكن للسياسة الأمريكية في سوريا إلا نجاح أوحد، وهو الذي ظهر من بين السطور في شهادة قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال لويد أوستن، وهو أيضًا أول أمريكي من أصول إفريقية يتولى هذا المنصب، والذي قال منتشيًا أمام الكونغرس في إحدى جلساته، أن 4 أو 5 من المعارضين السوريين الذين دربتهم بلاده يقاتلون حاليًا في سوريا.

هكذا على ما يبدو كان الانتصار العظيم الذي يتحدث عن نفسه لأمريكا في بلد مزقته الصراعات على مدار 6 أعوام ماضية، فالفصائل التي تلقت الرعاية البكر من الولايات المتحدة خلال الحرب مع السوفييت، وتغلبت بجدارة على نظيرتها المشكلة حديثًا، حيث سحقت جبهة النصرة حركة حزم وجبهة ثوار سوريا، واستولت على مقراتهم والأسلحة الأمريكية المتطورة التي كانت بحوزتهم.

الخطط الأمريكية المعلنة والتي تتبنى ظاهريًا ضرورة التدريب العسكري للحلفاء والدول الصديقة، لم تعد تستر أغراضها الحقيقية نتائجها الكارثية بعدما جرى زعزعة استقرار هذه الدول، مما يطرح أسئلة لا إجابات لها عن الغايات الحقيقية للهوس الأمريكي بإفريقيا والتزامن المريب بين مجيء القوات الأمريكية إلى مكان ما وانتشار الحركات المسلحة فيه، إلا بالبحث جيدًا عن كيفيات مواجهة أمريكا للتطرف وهل لديها الجدية لمحاصرته أم أن بلاد العم السام هي المسؤول الأول عن صنع الترياق من السم في منطقة  الشرق الأوسط بأكملها؟

أحمد فوزي سالم _ نون بوست 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق