رأي

 في ظل تسارع وتزامن الأحداث الاقليمية :هل أصبح خيار العملية العسكرية الاسرائيلية على لبنان واردا؟  

 

بقلم ثريا بن محمد

 

 تزامنت تطورات الاحداث في المملكة العربية السعودية مع الأحداث الدائرة في لبنان وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول تسارع الاحداث في البلدين وحول التزامن والتأثير المتبادل لتلك التطورات وحول استقراء مستقبل المنطقة المفتوح على كل الخيارات، فهل يمكن الحديث مثلا عن عملية عسكرية على لبنان أوفي وجود بدايات فعلية للصراع بين السعودية وإيران أو في تغيير كلي للخارطة الشرق أوسطية؟

1- استقالة الحريري وعلاقتها بالتطورات في السعودية:

زيارة الحريري للمملكة السعودية بدت في الأيام الأولى وكأنها زيارة دبلوماسية طبيعية مثلها مثل غيرها من الزيارات السابقة، إلا أن الحريري قد أعلن عن استقالته قبل عودته إلى لبنان وهو ما مثل منعرجا واضحا وبدت الترتبات اللاحقة طبيعية حيث بدأت الإشاعات بالانتشار وزعم البعض أن ما حصل هو عبارة عن خطف سياسي لرئيس الوزراء اللبناني. وطرحت فرضية أن يكون الحريري قد أجبر على الدخول تحت سيطرة السعودية فيما بعد، وهنا طرح السؤال: هل كان الحريري يخطط للاستقالة قبل ذهابه إلى السعودية؟ أم أجبره السعوديون على ذلك بغض النظر انه حليف الموقوفين من أمراء ووزراء ومسؤولين او أنه مقصود لذاته للتأثير على الأحداث لاحقا في لبنان؟

يزعم البعض أن السبب في زيارة الحريري المفاجئة للمملكة السعودية هو مواجهته لاحتمال الاغتيال. وأغلب من يزعم ذلك هم من السعوديين طبعا وبعض من حلفائهم الإقليميين ….

عند النظر إلى هذه الأحداث من الخارج فسيكون من الصواب أن نقول إن المبادرة الأولى في استقالة الحريري كانت للسعودية. لأن المزاعم بأن الحريري قد غادر بلاده بسبب وجود احتمال اغتياله لا يبدو تبريراً مقبولاً. إذ لا يذهب أي شخص إلى السعودية عقب حصول الاستخبارات على معطيات حول محاولة اغتيال. حتى وإن ذهب فلن ينته الأمر باستقالته قبل عودته إلى بلاده. يبدو أن الحريري قد تصرف بهذا الشكل وحتى ان سلمنا بفرضية أنه أجبر على الخضوع لسيطرة السعودية خلال زيارته. لكن السبب في استقالة الحريري هو أمر معقد بالفعل. إذ سيكون من الجيد استحواذ السعودية على رئيس الوزراء اللبناني في حال اعتبرت السعودية أن لبنان هو الساحة الجديدة للصراع، وهي أيضا فرضية غير مؤكدة ولكنها تبقى قائمة …

إن استقالة رئيس الوزراء اللبناني يعني إدخال الفوضى إلى لبنان. يبدو أن السعودية لم تكن تهدف إلى الانتصار في لبنان، بل تهدف إلى إيذاء شخص ما من خلال تصرفاتها فيما يخص لبنان. ومن الطبيعي ان يستنتج المتابعون في تلك الحالة هو رغبة السعودية في الضغط على حزب الله وإيران. إن زيادة تأثير حزب الله وإيران نتيجة تدهور الاستقرار السياسي في لبنان سيتسبب بقلق إسرائيل كخطوة أولى.

وعمليا تم اتهام ولي العهد السعودي انه رتب لكل هذا أي أن هذه الأحداث هي عبارة عن حسابات يجريها الأمير محمد بن سلمان الذي يصفه خصومه بالمُتسرع وأنصاره بالطموح بهدف الحصول على دعم خارجي للوصول إلى عرش السلطة في السعودية. لكن ذلك لا يغير حقيقة أن الفوضى قد أُدخلت إلى لبنان بشكل أو بآخر

طبعا لابد من الحديث عن تسارع الاحداث واللقاءات والمشاورات والمفاوضات التي تجرى بعيدا عن وسائل الاعلام وتدخل الفرنسيين وزيارات الحريري الى أبو ظبي والبحرين وحواره الباهت في إحدى القنوات والحديث عن بهاء الحريري مجددا كبديل لشقيقه ومقاربات حزب الله وعون والآخرين في المشهد اللبناني….

2- هل يرتب الكيان الاسرائيلي لعملية عسكرية في لبنان؟

للإجابة على هذا السؤال لابد من استحضار أن هناك ثلاثة عوامل منطقية تمنع الكيان من تنفيذ عملية عسكرية رغم أن تطورات الاحداث قد مهدت لذلك:

  • العامل الأول هو عدم وجود أي شيء تكسبه إسرائيل خلال الفترة الحالية في حال تنفيذ عسكرية في لبنان.
  • العامل الثاني هو أن مثل هذه المحاولات في الماضي قد تسببت في تورط إسرائيل، ولن يخاطر الإسرائيليون بتكرار ذلك.
  • العامل الثالث فهو أن إسرائيل لا تبدو جاهزة لتنفيذ عملية عسكرية بهذا الحجم.

من جهة أخرى قد يكون القادة الإسرائيليون يتساءلون عن النتائج التي قد يؤدي إليها تورط إسرائيل في حال كانت نتائج الحرب مثل شبيهاتها في السابق. إنه احتمال قوي جداً كما أنه سبب يكفي لردع احتمال تنفيذ أي عملية عسكرية.

يجب أن لا ننسى أيضاً مسألة ما يمكن كسبه من تنفيذ عملية عسكرية في لبنان. يبدو أن قوة حزب الله قد ازدادت في لبنان، لكن حزب الله لا يحارب إسرائيل منذ مدة طويلة لأنه مشغول بأجندات يراها أهم حتى -لا ندخل في نقاش استراتيجياته المرحلية- مما يعني انه ليس هناك أي داع لأن تلفت إسرائيل الأنظار نحوها، فهي تحصل على ما تريده في جميع الأحوال نتيجة الوضع العربي وارتباكات الجميع في المنطقة نتاج تسارع الاحداث …

هل يوجد احتمال أن تغض إسرائيل النظر عن هذه الحقائق وتبادر بأي عمل من هذا القبيل؟ هذا الاحتمال موجود بالطبع.  لكن يجدر بالمعرفة أن مثل هذه المبادرة لن تكون تصرفاً عقلانياً. لقد وجه “تيلليرسون” تحذيرات عديدة في هذا الخصوص مدافعاً عن استقرار لبنان. لكن موقف الرئيس الأمريكي ترامب ليس واضحاً للعيان. ولا يبدو أن موقفه سيكون واضحاً في المستقبل. أما الحصول على نتائج إيجابية من زيارة “ماكرون” للمملكة السعودية فهو احتمال ضعيف جداً. لذلك تستمر التطورات بالحفاظ على تعقيدها في انتظار الفرز والسقوط المرتقب لأجندات عديدة وانكسار أذرع إقليمية تعتقد أنها أساسية أو رئيسية او صانعة للأحداث او تتوهم أنها ستكون أوراق رابحة أو أن لها أوراق تساوم بها وتتموقع بناء على ترتباتها…

وفي الأخير فان سقوط خيار الحرب في لبنان، يعني أن طبيعة تسارع تطورات الاحداث وتزامن بعضها يفتح المجال أمام خيارات الدفع نحو صراع إيراني سعودي يحقق أهداف دول وأطراف إقليمية، كما أن خيار الدفع نحو صراعات دولية تفتح الباب لتغيير خارطة المنطقة الشرق أوسطية بشكل كلي ودراماتيكي ….

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق