أثيوبياتقاريرسياسيةشرق إفريقيا

بعد سنوات من الاضطرابات: هل تتجه إثيوبيا نحو المصالحة الوطنية؟

      في قرار مفاجئ، أكّدت السلطات الإثيوبية عزمها إطلاق سراح عدد من سجناء الرأي داخل سجونها، رغبة منها في إنهاء الصراعات الداخلية التي تفجّرت في السنوات الأخيرة في البلاد، الأمر الذي رفضته المعارضة داعية السلطات الحاكمة إلى القيام بخطوات أخرى، فضلا عن إطلاق سراح كلّ المساجين السياسيين، فهل تتحقق المصالحة الوطنية، في هذا البلد الإفريقي الصاعد؟

الإفراج عن معتقلي الرأي:

قبل يومين، كشف رئيس الحكومة الإثيوبية، هايلي مريام ديسالين، النقاب عن برنامج لإلغاء الاتهامات الموجهة إلى عدد من السجناء السياسيين في البلاد، وأعلن ديسالين الذي تنفي إدارته قمع المعارضة السلمية، في مؤتمر صحافي عقده بالعاصمة أديس أبابا، الأربعاء الماضي، أن الحكومة قررت إطلاق سراح سجناء سياسيين وإسقاط العقوبات ضدهم، علاوة على إغلاق المعتقل الشهير”سجن ميكالاوي”  المعروف بتعذيب المعتقلين داخله للحصول على اعترافات.

وقال رئيس الحكومة الإثيوبية بحضور رؤساء الأحزاب الأربعة المشكلة للحكومة الائتلافية في حديث لوسائل إعلام محلية إنه، “سيتم الإفراج عن السجناء السياسيين الذين يواجهون ملاحقات قضائية وهم قيد الاعتقال، جميع الاتهامات القضائية التي ينظرها القضاء حاليا ضد المعارضين السياسيين سيتم إسقاطها أيضا”، في خطوة قال إنها تهدف لفتح باب الحوار المجتمعي في البلاد.

ويأتي قرار ديسالين كخطوة تنفيذية من الحكومة الإثيوبية لقرارات أحزاب الائتلاف الحاكم بإطلاق سراح السجناء السياسيين عقب اجتماعات عقدتها على مدى أسابيع لبحث السياسات ومعالجة أسباب الاحتجاجات بشأن حقوق ملكية أراض وقمع، واشتباكات عرقية شهدتها إثيوبيا في الآونة الأخيرة.

فضلا عن قرار الافراج عن المساجين السياسيين، قرّرت الحكومة الإثيوبية التي تحتضن بلادها مقر الاتحاد الإفريقي وغالبية مؤسسات الأمم المتحدة الخاصة بالقارة السمراء، تحويل معسكر اعتقال “مايكيلاوي” إلى متحف، وافتتاح سجن جديد يلتزم بالمعايير الدولية، وقال رئيس الحكومة، “زنزانة السجن السيئة السمعة التي كانت تسمى تقليديا الميكلاوي… ستغلق وتحول إلى متحف”.

تحفّظ المعارضة:

ردّ المعارضة الإثيوبية (غير ممثلة في البرلمان منذ سنة 2015) على القرار الحكومي جاء سريعا، حيث دعت الحكومة إلى تعديل قانون مكافحة الإرهاب، كخطوة لتحقيق المصالحة الوطنية في البلاد، وقال رئيس حزب “اندينيت”، تيجيستو أويلو، في مؤتمر صحفي عقده 11 حزبًا معارضًا، في العاصمة أديس أبابا، إنه “يتعين على الحكومة تعديل قانونها الصارم لمكافحة الإرهاب.
ودعا تيجيستو أويلو حكومة بلاده إلى “الإفراج عن كل السجناء السياسيين، وليس بعضهم فقط، وقال إن “الصحفيين والمدونين ونشطاء حقوق الإنسان هم من بين ضحايا قانون مكافحة الإرهاب.. في الواقع تم سجنهم بسبب التعبير عن آرائهم“.

                                                     تظاهرات مندّدة بسياسة الحكومة

وقال أويلو إن إعلان الحكومة، أول أمس، هو “اعتراف بوجود سجناء سياسيين”. ودعا إلى الإفراج عنهم “دون أي شرط مسبق، وتجري أحزاب المعارضة حوارًا مع الحكومة منذ مطلع العام الجاري بشأن سبل التوصل إلى مصالحة وطنية.

ومن بين السياسيين البارزين المحتجزين حاليا زعيما المعارضة غورميسا أيانو وبيقيلي غيربا، نائب رئيس المؤتمر الفيدرالي بأوروميا، وقالت منظمة العفو الدولية في وقت سابق إن “الحملة على المعارضة السياسية شهدت اعتقالات تعسفية جماعية والتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والمحاكمات غير العادلة وانتهاكات الحق في حرية التعبير وتكوين الجمعيات”.

ضغط داخلي وخارجي:

إعلان السلطات الإثيوبية، جاء نتيجة الضغط المسلّط عليها داخليا وخارجيا للإفراج عن المعتقلين السياسيين الذين تمّ اعتقالهم عقب الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي جدّت في مناطق كثيرة من أوروميا وأمهارا بوسط وغرب البلاد بداية من نوفمبر/تشرين الثاني 2015.

وسبق أن دعت أحزاب سياسية معارضة ومنظمات حقوقية إثيوبية ودولية حكومة إثيوبيا إلى الإفراج عن كلّ السجناء السياسيين، على اعتبار أنهم اعتقلوا بتهم ملفقة، من بينها الضلوع في أعمال إرهابية والتآمر مع جبهة تحرير أورومو الانفصالية التي صنفتها الحكومة على أنها جماعة إرهابية.

بداية الاحتجاجات:

يقول الأهالي، إن الحكومة حاولت في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، مصادرة أراضيهم في منطقة أوروميا بغية تأجيرها لمستثمرين أجانب من الهند والصين ودول من الشرق الأوسط، الأمر الذي أثار غضبهم، كون هذا القرار سيهدد أراضي يسكنها تقليديا أفراد من الأوروميا، أكبر إثنية في البلاد، ما أدّى إلى اندلاع الاحتجاجات التي تعتبر الأكثر دموية في البلاد منذ وصول الحكومة الحالية إلى السلطة في عام 1991، الأمر الذي أدى إلى اعلان حالة طوارئ استمرت شهرا.

ومن بين أسباب الاحتجاجات أيضا ما يعتبره أهالي أوروميا وأمهارا اللذان يمثلان نحو 60% من الإثيوبيين، هيمنة بلا منازع لأقلية التيغراي (شمال) على الحكم، وتعتبر أوروميا أكبر قوميات جمهورية إثيوبيا الفدرالية بنسبة تتجاوز 39,5% من إجمالي سكان الجمهورية، بتعداد يتجاوز 25 مليون نسمة. ويعد المسلمين الأكثر تأثيرًا، في هذه المجموعة القومية، ذلك أن تعدادهم في إقليم الأوروميا أكثر من 70% والمسيحيين أكثر من 20 % والباقية وثانيين.

واستغل أهل منطقة أورميا هذه الاحتجاجات للمطالبة بالمزيد من الحكم الذاتي الإقليمي طبقاً للدستور، وتحتج هذه القومية منذ عشرات السنين بسبب “انتهاك” حقوقها والتمييز الاقتصادي والمجتمعي الذي تمارسه الحكومة ضدها، وتناضل لإنصافها عبر مجموعة من المنظمات بعضها فصائل مسلحة، وتحتل منطقة “أوروميا” معظم أراضي وسط إثيوبيا وتشغل كبرى ولاياتها التسع، وتتكون من عشرة أقاليم من أشهرها إقليم “شوا” الذي تقع في قلبه عاصمة البلاد أديس أبابا.

وتتهم الأورومو السلطات الإثيوبية بأنها تعتمد تجاهها سياسة القتل والتنكيل والاعتقال العشوائي، واغتصاب النساء والتهجير القسري والاستيطان المنظم والإبادة الجماعية ومحاربة الثقافة الخاصة لقوميتها، وباعتمادها سياسة تكرس انتشار الفقر والتخلف والجهل ومحاربة التنمية والتطور في مناطقها. وقوبلت هذه الاحتجاجات باستخدام القوة المفرطة والمفضية للموت من جانب الشرطة، وشهدت البلاد حينها قمع المعارضة السياسية، واللجوء إلى عمليات التوقيف الجماعي، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة والمحاكمات الجائرة، وانتهاك الحق في حرية التعبير، والحق في تكوين الجمعيات، حسب منظمة العفو الدولية.

                                                           سقوط عديد القتلى في هذه الاحتجاجات

وتسبب العنف الذي قابلت به الحكومة هذه الاحتجاجات، في إلحاق أضرار بأكثر من عشرة مصانع ومعدات أغلبها مملوكة لشركات أجنبية يتهمها المحتجون بدفع أموال مقابل عقود إيجار لأراض جرى الاستيلاء عليها، الأمر الذي وجّه ضربة قوية لرهانات الحكومة على أنها جعلت من إثيوبيا نقطة جاذبة للاستثمار.

ووفقا لمنظمة العفو الدولية، لقي نحو 800 شخص حتفهم في موجات الاضطرابات التي حدثت خلال أشهر من الاحتجاجات عامي 2015 و2016، ورغم عدم وجود رقم محدد ومعروف لعدد المعتقلين السياسيين في إثيوبيا، فإن عدد من الناشطين الحقوقيين يقولون إنه تم اعتقال عشرات الآلاف من المواطنين بشكل مؤقت منذ اندلاع الاحتجاجات، مشيرين إلى أن نحو ألفي شخص ما زالوا قابعين في السجون.

ويرجع سكان أوروميا أسباب استهداف الحكومة الإثيوبية لقوميتهم إلى عوامل، أولها هو خوفها من كثافتها السكانية، وثانيها يتمثل في انتسابهم للإسلام، في حين يتجسد الثالث في تمسك القومية بحق تقرير المصير والاستقلال عن إثيوبيا، إضافة إلى إجلاء مزارعين عن أراضيهم من أجل إقامة مشاريع زراعية تجارية.

نون بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق