أثيوبياإقتصاديةتقاريرشرق إفريقيا

لماذا تحتاج إثيوبيا إلى فتح المجال لشركات اتصالات عالمية؟

     تتبوأ جمهورية إثيوبيا مكانة رفيعة في القارة السمراء، فهي التي تحتضن المقر الرئيس للاتحاد الإفريقي (المنظمة التي تنضوي تحت لوائها 54 دولة)، كما أن بها مقر اللجنة الاقتصادية الإفريقية التابعة للأمم المتحدة، بالإضافة إلى اللجان والمؤسسات التي تتبع لاتحاد القارة السمراء.

وخلال السنوات الأخيرة نجحت إثيوبيا في استقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية بخطة طموحة قادها رئيس الوزراء السابق مليس زيناوي الذي يعتبره إثيوبيون كُثُر قائد النهضة ومفجر ثورة التغيير والتطور.

وبموازاة ذلك، تمكَّنت الدولة من اجتذاب أعداد مقدرة من السياح خصوصًا في فصل الصيف نظرًا لما تتمتع به من طقس جميل وأمطار مستمرة خلال الفترة من مايو وحتى أكتوبر.

إستراتيجية تشجيع المؤسسات الوطنية:

تتبع الحكومة الإثيوبية منذ عهد مليس زيناوي سياسة تشجيع ودعم المؤسسات الوطنية الكبرى مثل شركة الخطوط الجوية الإثيوبية والبنك التجاري الإثيوبي إلى جانب شركة الاتصالات الإثيوبية EthioTelecom وهي إستراتيجة تشير إلى رؤية سليمة تؤسس لنهضة البلاد وتقدمها مع بعض التحفظات على مجال الاتصالات بشكل خاص.

نتحدث هنا عن مؤسسة Ethio Telecom التي تحتكر خدمات الاتصالات بكل أنواعها (هاتف ثابت، محمول، إنترنت) في بلد أصبح قبلة للاستثمارات والسياحة من كل حَدَب وصوب، ويزيد عدد سكانه على 100 مليون نسمة.

                                المبنى الرئيس لشركة الاتصالات الإثيوبية “EthioTelecom

إحصائيات وأرقام:

أطلقت مجموعة الاتصالات الإثيوبية أعمالها منذ العام 1952 عندما كانت تحمل اسم “مؤسسة البريد والتلغراف والاتصالات”، ثم تغيرت مع تطور الزمن لتشمل خدمات المحمول والإنترنت في عقد تسعينيات القرن الماضي.

لتصير حاليًّا من أكبر الشركات في إثيوبيا حيث يصل عدد موظفيها إلى 22 ألف ونصف شخص، فيما يبلغ عدد المشتركين في خدمة الهاتف المحمول نحو 70 مليون مشترك من بينهم 17 مليون يستخدمون خدمات الإنترنت العريض “Broadband” عبر الهاتف النقال والأجهزة الأخرى كما صرّح السيد أندو ألم أديماسي الرئيس التنفيذي للمجموعة التي تديرها شركة “فرانس تيليكوم” في حديثه لصحيفة العلم الإثيوبية.

شراكة مع إريكسون:

وقعت شركة الاتصالات الإثيوبية في العام 2015، اتفاقية تعاون مع شركة إريكسون في مجال معدات الجيلين الثالث والرابع والخدمات المرتبطة بهما. وأتاحت هذه الاتفاقية لشركة الاتصالات الإثيوبية تطوير قدرة وأداء شبكتها التي تدعم اتصال الجيلين الثاني والثالث، وبالتالي ضمان تحسين جودة وتغطية الشبكة، وتقديم خدمات اتصال متحرك أكثر تميزًا للمشتركين في منطقة جنوب إثيوبيا “إقليم جامبيلا”، وذلك مواكبة لنمو معدلات الإقبال على خدمات الجيلين الثالث والرابع في غرب وجنوب إثيوبيا.

وضمن هذا الإطار، وقّع أندوالم أداميسي الرئيس التنفيذي لشركة الاتصالات الإثيوبية، اتفاقية تمويل طويلة الأجل تهدف إلى استثمار نحو 500 مليون دولار أمريكي بالتعاون مع شركة إريكسون.

وقد جرى التوقيع على الاتفاقية مع إريكسون خلال حفل خاص أقيم في فندق شيراتون في أديس أبابا، حيث سيجري تسخير هذه المبالغ لشراء منتجات وخدمات إريكسون، بهدف تطوير الشبكة الحاليّة وتعزيز قدراتها لتلبية احتياجات الدولة لتوفير خدمات الاتصال لتحقيق أكثر من 60 مليون مشترك على الصعيد الوطني.

نجاحات وإنجازات متعددة لشركة “إثيو تيليكوم”:

خلال مسيرتها الطويلة، تمكنت شركة Ethio Telecom من تحقيق نجاحاتٍ كان أبرزها إطلاق خدمة الجيل الرابع 4G في وقت مبكر نسبيًا، فقد أعلنت الشركة في مارس 2015 إطلاق الخدمة في العاصمة أديس أبابا، ومن الملاحظ أن الاتصالات الإثيوبية أطلقت الجيل الرابع قبل دول عديدة في القارة السمراء من بينها السودان ومصر اللذان دشناها في 2016 و2017 على التوالي.

ومن المعروف أن شبكة الجيل الرابع تقدم إنترنت بسرعات أعلى بكثير قد تصل إلى عشر مرات من شبكة الجيل الثالث 3G، حيث تسمح للمستخدمين بتصفّح الإنترنت بشكل أكثر سلاسة.

وكانت شركة الاتصالات الإثيوبية قبل عامين وقعت عقدًا بقيمة 1.6 مليار دولار مع شركتي هواوي وZTE الصينيتين لتوسيع البنية التحتية للاتصالات في جميع أنحاء البلاد، حيث من المفترض أن تكون شبكة الجيل الرابع قادرة حاليًّا على استيعاب نحو 400 ألف مستخدم، كما تهدف هذه الصفقة إلى زيادة قدرة شبكة3G  على استيعاب 90 مليون مشترك.

ومن النجاحات التي حققتها Ethio Telecom فوزها بجائزة ريادة الاتصالات الإفريقية لعام 2015 التي تُعطى للمؤسسات والقادة الذين يساهمون في النمو الاقتصادي لبلادهم، وكانت القطاعات الأربع التي فازت فيها الاتصالات هي أفضل مشغل للعام وأفضل رئيس تنفيذي للعام وأفضل رئيس تنفيذي لتوجيه الموارد البشرية وجائزة الريادة العالمية المُستدامة.

وبالإضافة إلى ذلك، مُنحت الاتصالات الإثيوبية جائزة أوروبا الدولية للجودة” للعام نفسه في باريس تقديرًا لالتزامها الجودة في إدارة الأعمال.

انتقادات توجه إلى الاتصالات الإثيوبية:

رغم كل ما ذكرناه من نجاحات حققتها شركة Ethio telecom فإن مشتركيها يتذمرون من خدماتها، ونرصد هنا أبرز الملاحظات التي يبديها قطاع عريض من المشتركين:

– ارتفاع تعرفة الاتصالات الداخلية والخارجية، إذ إن إثيوبيا مصنفة ضمن أعلى دول القارة السمراء في تكلفة المكالمات.

– ضعف الشبكة والتغطية في مناطق عديدة داخل العاصمة أديس أبابا وخارجها.

– كثرة انقطاع الاتصال وضعف جودة المكالمة في أحيانٍ عديدة خصوصًا في ساعات الليل.

– رداءة الإنترنت وبطء خدماتها.

– حظر الدخول إلى مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية في أثناء الاحتجاجات المتفرقة وفي مواسم امتحانات طلاب الثانوي والجامعات.

– صعوبة استخدام التجوال الدولي Roaming في الحالتين: إذا كنت زائرًا للبلاد وتريد استخدام هاتفك الدولي دون تغييره، أو إذا كنت مشتركًا مع الاتصالات الإثيوبية وأردت استخدام رقمك خارج إثيوبيا.

– صعوبة في الدخول إلى البريد الإلكتروني لمتابعة الأعمال.

                               إثيوبيا أعلى دول إفريقيا في تعرفة الإنترنت

كل هذه الملاحظات طبيعية نظرًا لأنها شركة واحدة تخدم بلدًا ذا كثافة سكانية عالية وسنحاول التطرق إلى أبرز الأسباب التي تجعل إثيوبيا تحتكر خدمات الاتصالات عبر شركة واحدة.

لماذا شركة اتصالات واحدة؟

يجيب مصدر في شركة Ethio Telecom فضّل عدم ذكر اسمه، أن احتكار الحكومة الإثيوبية للاتصالات ينطلق أولًا من مخاوف الأمن القومي، وثانيًا باعتبارها من مصادر الدخل للحكومة، حيث أطلق على الشركة رئيس الوزراء الحاليّ هايلي مريام ديسالين لقب ““Cash Cow أي البقرة الحلوب، ورغم أن الحكومة السابقة في عهد رئيس الوزراء الراحل مليس زيناوي منحت شركة MTN رخصة للعمل في البلاد، لكنها انسحبت قبل أن تبدأ عملياتها نظرًا للصعوبات والعراقيل التي وضعت في طريقها.

الحكومة الإثيوبية ليست وحدها التي تحتكر خدمات الاتصالات، ففي الصين البلد الذي يبلغ عدد سكانه 1.4 مليار نسمة تستحوذ شركتا “ChinaMobile” و”China Telecom” الحكوميتان على سوق الهاتف المحمول الضخم مما خلق تذمرًا واسعًا وعدم رضا عن خدمات الاتصالات هناك لغلاء الأسعار وضعف جودة شبكة الإنترنت.

تحكم في الاتصالات وإغلاق مواقع:

يقول الصحفي الاستقصائي داني أوبريان في تقرير نشره موقع لجنة حماية الصحفيين: “في إثيوبيا يتم التحكم بشبكة الاتصالات برمتها، بما في ذلك الهواتف المحمولة والإنترنت، مباشرة من الحكومة من خلال الشركة الاحتكارية “إثيو تيليكوم”، وهذه الأخيرة ملزمة بالتقيد بأوامر الحكومة بما في ذلك حجب العشرات من المواقع الإخبارية (ومن بينها موقع لجنة حماية الصحفيين).

وفي مايو/أيار 2012، نفّذ نظام الهواتف المحمولة عريضة النطاق في إثيوبيا عملية فحص معمق للحُزم لمعرفة المستخدمين الذين لديهم برنامج “تور” المضاد للرقابة ومن ثم حجبهم، وذكر رئيس هيئة المديرين في “إثيو تيليكوم” آنذاك، جان – ميشيل لاتوت، لصحيفة “لا كرو” أن القرار اتُخذ من وزارة الاتصالات، لكن الفحص المعمق للحزم كان رغم ذلك أداة مفيدة جداً للشركة”.

وبالفعل يشكو العديد من المواطنين الإثيوبيين والمقيمين هناك من حجب مواقع التواصل الاجتماعي في الفترات التي تشهد امتحانات المرحلتين الثانوية والجامعية، وأحيانًا عند اندلاع الاحتجاجات التي حدثت في أجزاء من إقليمي أوروميا وأمهرا عام 2016، هذا بخلاف بطء شبكة الإنترنت بشكل عام ورداءة الاتصالات الصوتية خصوصًا في ساعات الليل كما أوضحنا.

هل ستفتح إثيوبيا المجال لشركات أخرى؟

هنالك حالة سخط وسط المواطنين الإثيوبيين جراء رداءة خدمة الاتصال الصوتي والإنترنت، ويرى العديد من السكان أن شركة “إثيو تيليكوم” لا تلتزم بالعقود مع الزبائن، كما يعاني المستثمرون ورجال الأعمال من تدني الخدمة وأحيانًا سيطرة الحكومة وإغلاق الإنترنت في أوقات الأحداث والمشاكل الداخلية مما يؤدي لتكبدهم خسائر فادحة وتعطل مصالحهم.

ومع ذلك نقول إن الأمل موجود في أن تسارع الحكومة الإثيوبية التي تمكنت من جذب قطاع عريض من المستثمرين إلى فتح المجال وإزالة العوائق أمام مشغلي الاتصالات العالمية الخاصة مثل Orange وZain وVodafone وMTN وبهارتي إيرتل ليمتد وغيرها.

إذ إن المنافسة تصب في صالح المستهلك وجودة الخدمة بالإضافة إلى خلق مناخ استثماري مشجع وضخ الأموال بالسوق وخلق فرص عمل جديدة لآلاف المواطنين بصورة مباشرة وغير مباشرة، كما أنه من السهولة التحكم في الاتصالات ومنع تهديد الأمن القومي.

محمد مصطفى جامع __ نون بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق