حوارات

حمودة بن سلامة :’ هكذا أسسنا أول حزب معارض في تونس’

 

برز اسم الدكتور حمودة بن سلامة ـ الأمين العام السابق لاتحاد الأطباء العرب والأمين العام السابق لرابطة حقوق الإنسان واحد ابرز مؤسسيها ـ باعتباره مؤسس «تيار المستقلين».. ومن بين أبرز مؤسسي أول حزب معارض تونسي مع السيد أحمد المستيري ورفاقه ..وتجربة الصحف المستقلة والمعارضة الأولى مثل «الرأي« و»الديمقراطية« والمستقبل ..الخ

وعرف آخرون د.حمودة بن سلامة وزيرا لمدة قصيرة جدا في عهد بن علي بعد سنوات لعب فيها وساطات سياسية بين المعارضة والحكم في عهدي بورقيبة وبن علي ..

وعرفه آخرون مرشحا لرئاسة «حكومة التكنوقراط« في ديسمبر الماضي..

د. حمودة بن سلامة وهو في السبعين من عمره لا يزال باسما متفائلا ..رغم العشرين عاما التي اجبر خلالها على «التقاعد المبكر» وهو في الـ47 ..بسبب اعتراضه مع المرحوم الجنرال عبد الحميد الشيخ على «المنعرج الأمني« الذي طلب من قيادة الحزب والدولة المصادقة عليه ..

في هذا اللقاء فتح الدكتور حمودة بن سلامة صدره لنا للحديث معه حول جوانب من مسيرته كانسان وحقوقي مستقل وسياسي .. «غير متحزب »:

* سي حمودة بن سلامة عرف في مواقع حقوقية وسياسية مختلفة .. لكن كثيرين يهتمون خاصة بكونه من بين مؤسسي «التيار الديمقراطي» أو «التيار الليبرالي» في السبعينات والثمانينات ..

بعد أكثر من 30 عاما كيف تقيم تلك التجربة التي جمعتك بشخصيات وطنية فرقت بينها السبل لاحقا مثل السادة احمد المستيري والباجي قائد السبسي وحسيب بن عمار ومحمد مواعدة والصادق بن جمعة ومصطفى بن جعفر وخميس الشماري..؟

– مجموعة الشخصيات الوطنية الوسطية المخضرمة التي أشرت لها في سؤالك هي في تاريخ البلاد المعاصر أول مجموعة سياسية إصلاحية طرحت وتبنت صراحة الخيار الديمقراطي في الخطاب السياسي، وكان ذلك منذ مطلع السبعينات إثر أزمة آخر الستينات التي تزامنت مع إنهاء تجربة التعاضد في سبتمبر1969، وكانت أول أزمة سياسية (أكثر من جوانبها الاقتصادية) منذ استقلال البلاد هزت أسس نظام الحكم وأظهرت حدود وعيوب نظام الحزب الواحد الحاكم (وكان في الحقيقة نظام الزعيم الأوحد !).

وكنت شخصيا ونخبة من الشباب الذين التفوا حول شخصيات وطنية تبنت الديمقراطية من أمثال أحمد المستيري وحسيب بن عمار والباجي قائد السبسي وراضية الحداد والحبيب بولعراس والصادق بن جمعة ومحمد صالح بلحاج …

* هل تذكر بعض رفاقك من مجموعة الشباب ؟

– المجموعة الشبابية التي انتميت إليها وساندت التيار الديمقراطي تضم خاصة الاخوة الدالي الجازي ومصطفى بن جعفر ومحمد مواعدة وإسماعيل بولحية وعبد الحي شويخة ومحمد بن أحمد ومنير الباجي وفوزي بن حميدة وعمر بن محمود وعبد الستار العجمي وفتحي الطبربي وعبد الوهاب الباهي وكمال عبد النبي وعلي منجور وعبد الرحمن الأدغم وغيرهم …

كنت الوحيد في هذه المجموعة الذي لم يكن منتسبا إلى الحزب الدستوري…

رسالة الى بورقيبة عبر «لوموند»؟

* عمليا ما هي ابرز خطوة قمتم بها في نضالكم ضد الحزب الواحد والزعيم الأوحد؟

– أسجل أن محاولات إصلاح الحزب الحاكم والنظام السياسي من داخل هياكل الحزب والدولة بعيد أزمة آخر الستينات آلت إلى الفشل: مؤتمر المنستير الأول في أكتوبر 1971 الذي طرد شخصيات بارزة بينها السيد أحمد المستيري، ثم مؤتمر المنستير الثاني في سبتمبر 1974 للحزب الحاكم، الذي ابعد شخصيات أخرى بينها السيد الباجي قائد السبسي..

 في هذا المناخ برز التيار الذي سعى إلى الإصلاح من خارج الحزب الحاكم ومؤسسات الحكم ..لكن في أروقة قريبة فكريا وسياسيا.. من جهاز الحكم لكنها مستقلة عنه ثم معارضة له فيما بعد ..

 هنا برزت مبادرات «مجموعة الليبراليين» التي عرفت فيما بعد بجماعة جريدة «الرأي» ثم حركة الديمقراطيين الاشتراكيين ..

البداية كانت عبر الرسالة المفتوحة التي وجهتها المجموعة إلى بورقيبة بمناسبة مرور عشرين سنة عن الاستقلال في 20 مارس 1976.. وهذه الرسالة التي أعدت باللغتين العربية والفرنسية لم تنشرها إلا جريدة لوموند اليومية الفرنسية..

كانت الرسالة وثيقة مرجعية مؤسسة لأول مجموعة سياسية تطرح الديمقراطية أساسا لتحركاتها السياسية، وتطالب بإنهاء نظام الحزب الواحد وفسح المجال للتعددية السياسية ولممارسة الحريات الأساسية مع الدعوة الملحة لاحترام حقوق الإنسان…

كانت بمثابة برنامج إصلاحي شامل للانتقال الديمقراطي تعرضه لأول مرة مجموعة سياسية وسطية وطنية قريبة من السلطة الحاكمة ومنشقة عنها وعن حزب الدستور الحاكم..، هذه المجموعة سبقت القوى والعائلات الفكرية والسياسية الأخرى في رفع شعار الديمقراطية…

أول صحف مستقلة وأول حزب معارض

* ماذا كانت المراحل اللاحقة؟

– المجموعة قامت خلال النصف الثاني من السبعينات إلى سنوات الثمانينات الأولى بجملة من المبادرات الرامية إلى التحول من نظام الحزب الواحد إلى نظام ديمقراطي :

– تأسيس رابطة حقوق الإنسان سنة 1977 بعد جهد بدأ في 1976.

– تأسيس « المجلس الوطني للحريات العامة « بداية 1977

– إصدار جريدة «الرأي» الأسبوعية (باللغة العربية) وجريدة «الديمقراطية» (باللغة الفرنسية) وقد صدر أول عدد للرأي يوم 29 ديسمبر 1977 .

– إحداث حزب «حركة الديمقراطيين الاشتراكيين» في 8 جوان 1978 من قبل شق من المجموعة بزعامة أحمد المستيري..

– مشاركة الحركة وانتصارها السياسي التاريخي في انتخابات 1981 رغم تزييف نتائجها من قبل النظام الحاكم الذي حرم الحركة من فوزها الواضح في تلك الانتخابات ..

واليوم وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة عن تلك التجارب .. نحن نعتز اليوم أن يمثل برنامج الانتقال الديمقراطي الحالي الذي تبنته وأجمعت عليه جل القوى والعائلات السياسية والفكرية في البلاد ، وخاصة بعد الثورة ، نسخة مطابقة للأصل للبرنامج الذي تضمنته الوثيقة المرجعية التأسيسية لمجموعة التيار الليبرالي أو التحرري قبل قرابة الأربعين عاما !…

أزمة ثقة ..؟

* تستعد تونس لتنظيم اول انتخابات برلمانية ورئاسية تعددية بعد الثورة ..وقد كنت عايشت انتخابات 1981 و1989 التين زيفت نتائجهما .. ما هي الرسائل التي توجهها لصناع القرار اليوم ؟

– اليوم حصل إجماع شعبي حول النظام التعددي الديمقراطي ـ بفضل جهود وتضحيات أجيال من الوطنيين الإصلاحيين الذين مهدوا وعبدوا الطريق للانتقال من الحكم الفردي والمستبد غالبا إلى الحكم المستنير والعائد لإرادة الشعب وسيادته ..

 اليوم وقد تعززت هذه الإرادة الشعبية الملحة بثمار ثورة أعماق تبقى أهدافها قائمة ومشروعة رغم الأخطاء والأخطار ، يحمل جميعنا وزر وعبء إعادة الثقة لدى المواطن في ورقة الاقتراع…

إن تعاقب حالات تزييف الانتخابات وتعكير ظروفها وأجوائها بالعنف والمال والتشويه الإعلامي ثم تزوير نتائجها… انحرافات تعودنا عليها (إلى حد «قبولها» ) ..

ذلك التزييف يفسر العزوف عن المشاركة في كل مراحل الاستحقاق بدءا بالتسجيل في القائمات الانتخابية مثلما هو الشأن في هذه الأيام …

هذا العزوف مقلق للغاية.. بما يؤثر سلبا عن نوعية المشهد السياسي الذي سينبثق عن هذه الانتخابات ..

صفحات بيضاء خلال العقود الماضية؟

* هل لم توجد في العقود الماضية صفحات بيضاء الى جانب صفحات القمع والحكم الاستبدادي وتزييف الانتخابات؟

– دعنا نذكر في هذا الصدد بعض التاريخ المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية في بلادنا في العقود الماضية: حقبتا بورقيبة وبن علي كانتا في الغالب استبدادية ولم تتمكن خلالها الإرادة الشعبية بل السيادة الشعبية من الممارسة الواعية الحرة والفاصلة، عدا انتخابات 1956 التي كانت تعددية وديمقراطية وكذلك دستور 1959 الذي تم تحريره من قبل شخصيات ما زالت على عهد بقيم النضال من أجل التحرر والاستقلال وملحمة 8 و9 أفريل 1938 المطالبة بدستور وبرلمان تونسي..

في مطلع الثمانينات أعلن بورقيبة موافقته على التعددية.. و كان بالإمكان أن تمثل انتخابات 1981 فرصة تاريخية للانتقال الديمقراطي، لو لم يقع تزوير نتائجها ولو تم الدفاع بأكثر ثبات عن التجربة من قبل مزالي الذي كان متحمسا لها في بدايتها ..

 كما لم نتفهم وقتها في المعارضة مشاركة قيادة اتحاد الشغل في تلك الانتخابات ، ضمن قائمات مشتركة مع الحزب الحاكم في حين أن موقعها الطبيعي كان يملي عليها الحياد.. أو الانحياز إلى المعارضة..

 وفي عهد بن علي شهدت السنوات الأولى انفراجا نسبيا حل بعد أزمة حكم خانقة استفحلت خلال سنتي1986 و1987 .. لكن الانفراج لم يعمر طويلا وعاد الاستبداد بداية سنة 1991 عندما اختار بن علي التصعيد وركز على الحل الأمني في مواجهته الإسلاميين، ثم وبعدما بدا له أنه تخلص منهم ـ بمباركة بعض النخب التي كانت ترى في بورقيبة ثم في بن علي أفضل «منقذ« من «خطر خصومهم في تيار» الإسلام السياسي» ..)، اتسعت وطالت آلة القمع نفس هذه الأوساط التي غضت الطرف لمدة سنوات عن ضرب المعارضين الإسلاميين للنظام..متناسية أن ماجرى من قمع كان في الحقيقة انتهاكا صارخا للحريات ولحقوق الإنسان قبل أن يكون فرصة للتخلص من خصوم سياسيين …

* واليوم ؟

– اليوم يتعين علينا ونحن نستعد للانتخابات القادمة أن نذكر بالظروف الطبيعية والمقبولة عموما والتي حفت بانتخابات أكتوبر 2011 ..وكل ما نتمناه أن تجرى الانتخابات القادمة أسوة بها.. مع تدارك السلبيات والنقائص التي ظهرت في حصيلة تقييم العملية..

إن إعادة المصداقية لنتائج الانتخابات وضمان تقبلها من قبل المشاركين فيها تبقى في صدارة مسؤوليات المشرفين عليها…

 التوافق ..أو الصدام ؟

* تبرز بين السياسيين حاليا خلافات حول مقترح تنظيم « توافقات سياسية « قبل الانتخابات الجديدة بناء على نجاح تجارب سابقة للتوافق.. ما رأيك في هذا المقترح؟

– تغليب منطق التوافق، الذي يملي التنازل وأحيانا تنازل الأغلبية لفائدة الأقلية والنأي عن لغة المصالح والمواقع ، مقترن عموما بوجود وضع مرحلي وانتقالي يكون فيه من الصعب تطبيق القواعد الديمقراطية العادية والتي تمكن عادة الأغلبية التي أفرزتها الانتخابات من ممارسة السلطة والاضطلاع بالحكم.. كما تقر للأقلية دور المعارضة التي يحق لها أن تعمل من أجل التداول على السلطة، وفي الأثناء فإن شؤون البلاد لا تتعطل ولا تتأثر سلبا بالصراعات السياسية طالما أن هناك أغلبية تقودها…

 لكن هذا التحليل لا يصمد أمام الواقع الصعب والخطير الذي يطبع أي انتقال من وضع إلى وضع..لأن تفعيل مفهوم الغالب والمغلوب من شأنه تأزم الأوضاع وتغليب منطق الصراع والتصادم على ضرورة التسامح والبحث عن قواسم مشتركة لتجاوز الأزمات والصعوبات…

يبقى أن هذا الإجراء يكون محدودا في الزمان والمكان، هو استثناء صالح في بعض الأوقات الحرجة مثلما تم ذلك بالنسبة لاختيار رئيس حكومة مؤقت توافقي في الأشهر الأخيرة في بلادنا…

 لكن أن يتحول هذا البحث عن التوافق إلى قاعدة قد تتضارب مع قواعد العمل الديمقراطي بما يفرغ المضامين من معانيها ومقاصدها فهذا موضوع يستدعي التروي وتعميق التشاور في شأنه كأن يراعى إذا كان لا بد من التوافق ميزان القوى الحقيقي للمكونات السياسية والفكرية المعنية.

* عمليا ..ألم يكن نجاح التجارب التعددية والديمقراطية والحقوقية منذ السبعينات مرتبطا باعتماد توافق «في الكواليس « بين الخصوم والمتنافسين ؟

– لو عدنا للحديث عن التوافق في موضوع إحداث رابطة حقوق الإنسان في النصف الثاني من السبعينات ، نذكر أنه وفي البداية تصادمت إرادتان قويتان ومتعارضتان: بين مجموعتنا الباعثة للمشروع والتي سوقت له لدى النخبة وحتى لدى جهات في السلطة كانت معروفة بتحرريتها من جهة ومجموعة « صقور الحزب الحاكم والنظام» الذين عارضوا بقوة في البداية هذا المشروع واعتبروه ضربا لشعار «الوحدة الوطنية» وللبورقيبية..

 رغم ذلك تواصلت المحاولات والمفاوضات مع السلطات قصد الاعتراف بالرابطة لمدة تزيد عن سنة، وتولى وفد منا مكون من الدالي الجازي ومنير الباجي وحمودة بن سلامة نيابة عن المؤسسين التفاوض للغرض مع مدير الشؤون السياسية بوزارة الداخلية السفير والاعلامي القدير عبد الكريم موسى ـ رحمه الله ـ ..

 وكان الصراع بين الإصلاحيين والمتشددين داخل السلطة بلغ أشده في خصوص هذا الملف .. لكن الموقف السائد في الأوساط الحاكمة في النهاية كان يميل أكثر للتفاعل الإيجابي مع مبادرتنا..

 وفي المقابل كنا من جهتنا نقوم بضغط ذكي لفائدة مشروعنا مع تجنب التصادم واحتداد المواقف.. فكان التوافق الذي حصل بحكم تقاطع وتقارب موقف السلطة بتمسك أصحاب المشروع الثابت بإرادتهم ، ولحسن الحظ فإن وزير الداخلية الطاهر بلخوجة المحسوب على الجناح المتفتح والمساند لمنح التأشيرة للرابطة كان له دور إيجابي في إنجاح المفاوضات والتي آلت إلى منح التأشيرة يوم 7 ماي 1977 ..

 علما وأن مجموعتنا هي الأولى من بين التنظيمات السياسية والفكرية القائمة في البلاد التي طرحت وأقحمت قضية الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات في صدارة تصورها للديمقراطية ، في حين أن القوى السياسية الأخرى لم تكن تعطيها الأهمية والأولوية التي تستحقها ، بل وبعض الأوساط ـ المحسوبة على تيارات يسارية ـ عبرت في بداية مسيرة الرابطة عن احترازها وتحفظها من مثل هذا المشروع ، وكانت ترى أن العلاقة «مشبوهة» بين تحركات مجموعة «الليبراليين التونسيين» مع برنامج المرشح الديمقراطي للرئاسية الأمريكية جيمي كارتر.. الذي كان يركز على شعارات «الدفاع عن حقوق الإنسان»..

 البعض اتهم مؤسسي الرابطة وحركة الديمقراطيين الاشتراكيين ب « البورجوازية الانتهازية «.. وبانحدار قادتها البارزين من رحم الحزب الحاكم والنظام القائم …

«رابطة حقوق إنسان صفراء« ؟

* الحصيلة أنكم توافقتم مع بورقيبة وممثليه حول تركيبة الهيئة المديرة؟

– تمسكنا بقائمة المؤسسين الاولى ..وباستقلاليتنا ..ثم اخترنا من بين « القائمة المنافسة» شخصيات وطنية معروفة بمواقفها التحررية ـ مثل الأستاذ عبد الوهاب بوحديبة والصادق علوش النقابي ومحمد عياد(عن اتحاد الاعراف) وعائشة بلاغة (اتحاد المراة) ..

المجموعة المؤسسة للرابطة راهنت على علاقات أفرادها المتنوعة والمتعددة بالأطراف التي كنا نرى فائدة في «التوافق» معها لإنجاح المسعى فقد راهنا على قابلية تبني المشروع من قبل الجناح المتحرر في السلطة، فتمكنا من إجهاض محاولة إدارة الحزب الحاكم فرض رابطة صفراء..

 ثم تمكنت القيادة المؤسسة للرابطة بعد حصولها على التأشيرة وشروعها في نشاطها من التوصل إلى توافق من نوع ثاني ألا وهو استقطاب نشطاء من العائلات السياسية والفكرية الأخرى بما فيها المحسوبة على اليسار الذي احترز منا في البداية قبل أن ينخرط وينصهر بكثافة في صفوف الرابطة وهياكلها المركزية والفرعية إلى حد أن الرابطة أصبحت لاحقا « محسوبة على هذا التيار» …

 واليوم وبعد مرور قرابة الأربعين عاما عن ميلاد هذه المؤسسة الجامعة التي تعد مثالا يبرز دور المجتمع المدني في المنظومة الديمقراطية و تعاقب أجيال من الرابطيين المسيرين لها ـ بمن فيهم من احترزوا عليها في البداية ـ دليل على صحة المشروع وحكمة مؤسسيه الأصليين ..وفسلفة التوافق التي قام عليها..

 مرشح توافقي لرئاسة الحكومة

 * هل تعتبر التوافق على شخصية مرشح عدة أحزاب لخطة رئيس الحكومة القادمة أمرا قابلا للتطبيق حاليا ؟

 – نعود لنقول أن التوافق استثناء لا يحل محل القاعدة وخاصة منها قواعد الديمقراطية كما هو صالح في الظروف الانتقالية وقد لا يصح اعتماده في عمل المؤسسات الدائمة..فبالنسبة للحديث عن التوافق في اختيار الحكومة المقبلة ورئيسها قد يتعارض هذا التمشي مع موقف الأغلبية البرلمانية التي ستفرزها الانتخابات القادمة وهي التي يعود لها اختيار رئيس الحكومة والمصادقة على الحكومة التي سيكونها ..

 يبقى لهذه الأغلبية الأحقية في البحث عن تحالفات وتوافقات لكن لا أتصور أن يتم ذلك على غير قاعدة الأغلبية والخضوع إلى ميزان القوى الذي سينبثق عن الانتخابات ، أي الأقرب هو أن تكون الحكومة المقبلة حكومة وحدة وطنية سياسية بامتياز (لا تقصي المتحزبين كما لا تقتصر على المستقلين ولا على «التكنوقراط»..

 المهم أنها تكون حكومة تعكس ميزان القوى، وهذا الأمر منطقي إذ الجميع في الداخل والخارج ينتظر من السلطة المقبلة (البرلمان والحكومة المنبثقة عنه) الحزم والحسم والسرعة في تسيير شؤون البلاد والعناية بملفات الشأن العام، فلا يبقى أي مجال للبحث المضني عن توافقات وضياع الوقت من أجل ذلك على حساب النجاعة ومصالح البلاد . هذا الموقف لا يمنع التوافق لكن من منطلق أن الجهة التي تعرضه وتحــسم في شأنه، ودون سواها، هي الأغلبية المنبثقة عن انتخابات حرة نزيهة وشفافة …

 مرشح توافقي لرئاسة الجمهورية؟

 * وماذا عن التوافق حول مرشح لرئاسة الدولة من خارج زعامات الأحزاب؟

 – بالنسبة للتوافق في خصوص المرشح للرئاسية الأمر يختلف نوعا ما على أساس أن رئيس الجمهورية ليس منتخبا ومنبثقا عن البرلمان بل هو منتخب من قبل الشعب، وبالتالي يجوز لأي جهة سياسية أو مجموعة أحزاب أن تقوم بمبادرة سياسية لترشيح شخصية أو مساندة ترشيحها.. ضمن تمش توافقي قد يقبله البعض ويعارضه ويرفضه البعض الآخر..

وفي كل الحالات لا أتصور أن أصحاب هذه المحاولات للبحث عن شخصية توافقية، يقصدون سلب الشعب حقه في اختيار رئيس البلاد المقبل..إذ أن الأمر إن كتب له أن يتم سيمر حتما على محك الترشيح والتصويت من قبل الناخبين..

وهذا الخيار لا يتعارض مع تعدد المرشحين للرئاسة والتنافس بينهم..مع أن الإجابة صعبة حول سؤالك حول قابلية المقترح للتطبيق..

تأسيس تيار «المستقلين»

* أخيرا.. ماذا تذكر من مرحلة تأسيسك مع بعض الشخصيات الوطنية لتيار «المستقلين « أواسط الثمانينات ؟ هل كان خيارا موفقا أم لا؟

– بعد أن انسحبت صائفة 1983 من حزب حركة الديمقراطيين الاشتراكيين الذي كنت من مؤسسيه ومسيريه، وجهت نشاطي السياسي إلى القيام بعديد المبادرات السياسية من موقعي المستقل، وأتذكر من هذه التحركات المسعى الذي قمت به بمعية الصديق صلاح الجورشي لإطلاق صراح مساجين قيادة الاتجاه الإسلامي في صائفة 1984..، والوساطة التي قمت بها بمعية الأخوين حسيب بن عمار والحبيب بولعراس رحمهما الله بين الحكومة وقيادة إتحاد الشغل في الأزمة التي جدت بينهما وسط الثمانينات، واللجنة التي أسسناها للمطالبة بعودة المناضل أحمد بن صالح من المنفى، واللجنة المدافعة عن اللغة العربية، وتنظيم لقاءات بين مجموعة من المثقفين والجامعيين جمعتنا خلال ثلاث لقاءات على الأقل في أواخر سنة 1984 بالوزير الأول محمد مزالي رحمه الله وأهم أعضاء حكومته وضم الحضور أسماء بارزة من أمثال مصطفى الفيلالي والمرحوم محمد الشرفي ومنصف المرزوقي وهشام جعيط وعياض بن عاشور وعبد اللطيف الفراتي والعميد منصور الشفي والمرحوم الأستاذ عبد الرحمن الهيلة…

كما أسسنا «منتدى المستقلين» أواخر سنة 1987 ويحضرني أسماء بعض المشاركين في اجتماعات المنتدى مثل سمير العنابي ومنصف شيخ روحه والحبيب الجنحاني ومنجي الشملي وعبد اللطيف الفراتي والأزهر بوعوني…

في كل هذا هو أننا كمستقلين أردنا بالخصوص إبراز أن التعددية ليست فقط حزبية وأن المجال مفتوح للتعددية الحقيقية للمستقلين وللمجتمع المدني، واعتقادي أن هذا التصور ما زال صالحا وينطبق على ما هي عليه الحياة السياسية والفكرية في البلاد اليوم وغدا..

حاوره : كمال بن يونس 

المصر: الصباح نيوز بتاريخ  9 جويلية 2014

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق