تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: من يُريد تلغيم وإفشال الجولة الثالثة من الحوار الليبي؟

 

 

علي عبداللطيف اللافي

++ تمهيد:

يجزم المتفائلون أن الأزمة السياسية في ليبيا  تقترب عمليا من محطتها الأخيرة، وأن الطريق – نحو الانتخابات  التشريعية والرئاسية المنتظرة نهاية السنة الحالية  – بات مُمهدا أكثر من أي وقت مضى، وسط آمال بأن تكون بداية نهاية لأزمة طال أمدها، فهل ستشكل الانتخابات القادمة (لو أجريت فعلا)، مخرجا للأزمة السياسية في ليبيا ومن هي الأطراف في الداخل والخارج التي تسعى عمليا الى إعاقة أو تلغيم الجولة الثالثة من الحوار الليبي والذي سنطلق خلال الأسابيع القادمة بعد خطوات تمهيدية وبعد قناعة لدى الجميع بحتمية الحل السياسي، وما هو مستقبل الأوضاع في ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية؟

++ الأطراف الإقليمية والدولية:

  • أطراف دولية: رغم أن القوى الدولية حسمت أمرها عمليا، في اتجاه إنجاح الحوار الليبي والذهاب في تحيين عددا من بُنود اتفاق الصخيرات وإدارة مرحلة انتقالية نهائية لمدة لا تتجاوز سنة واحدة، إلا أن عوامل وتطورات لاحقة قد تجعلها تتراخى في الدعم أو في الانجرار وراء قوى إقليمية تسعى لإرباك الحوار الليبي في حد أدنى وهو أمر يبقى واردا بالنسبة للبعض كما أن الصراع الاستراتيجي بين دول كبرى قد يكون نتيجته الصراع واطالة امد الازمة وبالتالي عائقا موضوعيا امام نجاح جولة الحوار…
  • أطراف إقليمية: عديدة هي الأطراف الإقليمية التي تسعى لإفشال الحوار الليبي لأسباب مختلفة، وبغض النظر عن المواقف الدبلوماسية المعلنة فان تلك الأطراف الإقليمية هي:

ا- النظام المصري: وهو نظام غير مُرتاح عمليا للمضي قدما في الحل السياسي رغم تطور مواقفه مقارنة بمواقفه السابقة، وهو نظام سيبقى حبيس سؤال هل ستحتاج الحكومة الليبية الجديدة لدعمه اللوجستي وهل سيستأثر بعطايا برامجها وخاصة الاقتصادية منها خاصة أن حليفه حفتر سيكون شريكا وليس الآمر الناهي،   وسيبقى السيسي حبيسا لعقلية استئصال خصوم حلفائه الإقليميين على غرار تيار الاخوان حتى خارج مصر وهو ما يفسر اللقاءات المصرية السعودية …

ب- الإماراتيون: وهم ثاني الأطراف الإقليمية التي ستسعى لعدم الذهاب بعيدا في الحل السياسي، فإنهم لن يكونوا مرتاحين لنجاح الحوار الليبي وتشكيل حكومة يتواجد فيها ثوار فبراير وتحديدا إسلاميو ليبيا ولن تكون رؤيتهم للتعامل معها بعيدة عن رؤيتهم لحكومات تونس ما بعد الثورة…

 ت- القطريون والأتراك:  وهو تحالف لا يمثل طرفا محايدا في ليبيا، وهو تحالف يتحرك بهدوء ويسند واقعيا حكومة السراج  رغم أن الاتراك  خسروا موقعهم في الساحة الليبية مقارنة بوضعهم قبل واثناء ثورة فبراير …

ث – الجزائريون: وهم طرف مهم وفاعل لا يمكن تغييبه، باعتبارهم الجار التقليدي لليبيا فانهم يرغبون في استقرارها وعدم السماح للغير بمس العملية السياسية فيها لأسباب عدة منها ما هو تقليدي ومبدئي في تقاليد الدبلوماسية الجزائرية وفيها ما هو مرحلي في قراءة مطامح القوى الدولية في القارة السمراء وبعضها ناتج من حضور أطراف إقليمية في ليبيا وما يعنيه ذلك استراتيجيا بالنسبة لهم…

ج – أطراف إقليمية أخرى: لا شك أن الإيرانيين والاردنيين والسعوديين مثلا، هي أطرف غير بعيدة عن التأثير في الملف الليبي وهي أطراف إقليمية معنية موضوعيا بحاضر ومستقبل ليبيا وتتناقض مواقفهم بشأن دعم الجولة الثالثة أو العمل على اعاقتها لسبب من الأسباب…

++ النخب والأحزاب والمجتمع المدني الليبي :

دمر الاستبداد في ليبيا على مدى أكثر من أربع عقود البنى التنظيمية بالنسبة للنخب والفاعلين في المجتمع المدني الليبي بل وجعلها غير قادرة أن تكون قوية ومنظمة ومؤسساتية، مما يعني أن عوامل “الزعامتية” و”النخبوية” و”الجهوية” قد تتحول الى عوائق موضوعية أمام نجاح الجولة الثالثة للحوار الليبي خاصة وأن القوى الإقليمية مخترقة سياسيا وثقافيا في حد أدنى لتلك القوى والمكونات….

++ مكونات الحكومتين القائمتين في البيضاء وطرابلس:

إن كل من طرفي الصراع الظاهرين، ليس وحدة متكاملة كما يعتقد البعض ولكن كُل منها يضم مكونات لا ترى في الحوار الليبي تحقيقا لأهدافها:

  • مكونات الحكومة المؤقتة في الشرق الليبي

وهي تشمل حوالي خمس مكونات بعضها ظاهر كـــ”الفيدراليين” و”مجموعة الكرامة” بقيادة  الجنرال/المشير ونجليه وأنصار هذه الحكومة في الجهة الغربية (وهم أيضا ليسوا وحدة متكاملة)، وأطراف لا تُرى  ولا تظهر في الصورة، ومنهم أطراف من قبائل “البراعصة” و”العبيدات” و”العواقير”، ومنهم مكونات سياسية ليبرالية وطبعا قيادات نظام القذافي التي لم تكن معلومة في عهده من عسكريين ورجالات الأمن الخارجي والداخلي، إضافة إلى أنصاره في القبائل وفي الإدارة ومؤسسات الدولة على علاتها البُنيوية، وطبعا بعض هذه المكونات تختلف في رؤيتها للصراع مع اسلاميي ليبيا خصوصا والفبراريين عموما وإيمانها بأهمية الحوار وحسمها في الحسم العسكري مستحيل واقعيا وميدانيا وأنه لا سبيل إلا بتشكيل حكومة لكل الليبيين….

  • مُكونات حكومة التوافق بقيادة السراج 

وهي مُكونات كانت موضوعيا في حكومتي الإنقاذ وطبرق واختارت حكومة التوافق بعد امضاء اتفاق الصخيرات، ولكنها عمليا ليست وحدة متكاملة بهل هي أطراف لها قراءات من زويا مختلفة للعلاقة مع حكومتي الإنقاذ وطبرق وخاصة مع المشير/الجنرال وبعض الوزراء والفاعلين القريبين مع السراج غير مرتاحين لتعديل الاتفاق السياسي ولكنهم مرنين في قبول المقترحات ويرغبون أكثر من غيرهم في انهاء حالة التشتت ومع تقديم تنازلات من كلا الطرفين وبضرورة عدم  ترك أي طرف خارج جبة الاتفاق الجديد من اجل القدرة على انهاء المرحلة الانتقالية والنسج على المنوال التونسي حتى لا تسقط الثورة الليبية في مطبات النماذج العربية الأخرى ….

++ الجهاديون وبعض مكونات التيار السلفي الليبي:

فسيفساء التيارات السلفية في ليبيا معقدة ومتشابكة ومتطورة ومتحولة وأغلب مكوناتها ترى في الوصول الى حل سياسي مع مكونات حكومة طبرق تشكيل حكومة جديدة تباشر عملها من طرابلس ضربا لأجنداتها السياسية والميدانية:

  • الداعشيون ووكلائهم: رغم أن “داعش” في ليبيا ليس طرفا واحدا أو وحدة متكاملة تنظيميا بل هي فسيفساء تختلف من حيث الجهة المُمولة والداعمة لوجستيا ومن حيث الامتداد الجغرافي، فــ”داعش سرت” وان كان لم يعد له وجود يذكر، فإنه كان  خليطا بين داعشيين تونسيين ومصريين  يسود غموض حول الجهات الداعمة لهم وبين بقايا مرتزقة القذافي وأنصاره في الجنوب الليبي، بينما داعش في الجهة الغربية هي تنظيم شبح (من حيث استقراره)، وهو مُركب ومدعوم لوجستيا من طرف عدد من القوى الإقليمية وبعض أجهزة المخابرات الأجنبية والمنظومات القديمة لعدد من الأنظمة العربية التي أسقطتها ثورات الربيع العربي، أما “داعش درنة”، فهي مجموعات ليبية كانت تنتمي لشبكات  تنظيم القاعدة  وتبنت فكر داعش وبايعته…
  • أغلب التنظيمات الإرهابية في ليبيا لا تتحكم في مصيرها وأجنداتها لأنها عمليا مُجرد أداة توظيفية وأنها مخترقة في مؤسساتها القيادية ويمكن أن يقع توجيهها لاحقا لعدد من الأهداف سواء لإفشال الجولة الثالثة من الحوار وان لم يقع فلإرباك أي حكومة قادمة أو لخدمة أجندات وأهداف خارج ليبيا يُرتب لها مستقبلا من طرق قوى إقليمية ودولية …
  • بعض التنظيمات الجهادية الليبية من غير المجموعات الموالية لداعش أو للقاعدة لن تكون بالضرورة ضد نجاح الجولة الثالثة ولا يعني ذلك أنها ستساند لاحقا الحكومة سياسيا (القراءة هنا بالنسبة للسلفيين هي قراءة شرعية وفكرية)، في حين سيكون لبلحاج وحزبه أنصاره دور مستقبلي في ليبيا نتاج تطور فكرهم السياسي وعلاقاتهم الخارجية المتطورة مع أغلب القوى الإقليمية والدولية…
  • أكثر الأطراف تعقيدا في لعب أدوار مثبطة لنجاح الحوار الليبي عي التيار السلفي المدخلي، وان التيار غير متجانس وتتغير طبيعته وأدواره من جهة الى أخرى، فان المشترك بالنسبة لهذا التيار هي لعب الأدوار الغريبة والمسترابة وقد تتجسد أكثر خلال الأسابيع والأشهر القادمة …

++ المنظومة الليبية القديمة وأنصار القذافي:

يُمكن التأكيد أن أنصار القذافي ليسوا وحدة متكاملة من حيث الرُؤى والتوجه والولاء أو من خلال رُؤيتهم لمستقبل ليبيا وخاصة بعد جوان 2017

  • بعضهم انقلابين يسعون لتكوين ما يُسميه البعض منهم في جلساتهم الخاصة أو في تدويناتهم على الشبكة الاجتماعية بــ”المجلس العسكري”، بل هم يحلمون بتوظيف أن الغرب قد يبحث عن قذافي جديد وبعضهم يطمح أن يلعب حفتر ذلك مرحليا رغم ان بعضهم يكرهه كُرها شديدا، وطبعا سيكُون الانقلاب على مسار الحوار وميدانيا على حكومة التوافق وتصفية خصومهم في كُل ليبيا حتى لو تطلب ذلك بحرا من الدماء أو حرب أهلية، كما لهُم خطط بديلة في حالتي نجاح أو فشل التوصل إلى اتفاق سياسي محين طبعا لاتفاق الصخيرات….
  • بعض أنصار القذافي يرون أنه يُمكن عودة نظام القذافي بكامله والبعض الآخر يعتبر أن تنفيذ وصية العقيد في أن يقع ترتيب الأمور لصالح سيف الإسلام القذافي وهو ما قد يُفسر تأسيس أنصاره لحزب “الجبهة الشعبية الليبية” بعيدا عن حزبين آخرين قريبين من أنصار القذافي أحدهما يتزعمه أحمد قذاف الدم والثاني تقوده قيادات سابقة للجان الثورية (عمليا ينقسم أنصار القذافي في هذه النقطة إلى طرفين الأول يرى في “سيف” مُنقذا للبلاد والطرف الثاني يرى في ذلك تكتيكا أوليا في طريق عودة نظام القذافي باعتبار أن الغرب في تحليلهم طبعا ليس له أي إشكال مع سيف الإسلام، ومن الأسماء التي يُروجون إليها “محمد الزوي” و”جادالله عزوز الطلحي”…)
  • الطرف الثالث من أنصار القذافي فهو يرى في نجاح الحوار سبيلا أن تسترد بعض قبائل محسوبة عليهم حقها وأنه لا يجب معاملتها بناء على قربها السابق من الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، وهؤلاء يرون أن المصالحة الحقيقة هي في بناء جديد يدفن آلام الماضي…

و الخلاصة أن أنصار القذافي مُشتتون ومُختلفون وقوتهم بشرية ومادية لوجستية ولكنها متمركزة أساسا في القوت الراهن في دول جوار ليبيا وأنه لا أمل لأنصار القذافي في إفشال الحوار الليبي الجديد رغم هامش قوة مقتدر ولكنه نسبي على إرباك الحكومة الليبية الجديدة، والأكيد أيضا أن قطاعات واسعة من أنصار القذافي مؤمنة حاليا بما قاله رجل المخابرات القوي في عهد القذافي عبدالله السنوسي، لقبيلة “المقارحة” في سجنه بعد القبض على محمد بن نايل سنة 2015 “عهد القذافي انتهى وولى ولن يعود وعليكم القبول بذلك والمشاركة في المسارات الجديدة”…

++ الحوار الليبي في أفق 2018؟

بغض النظر عن التجاذبات وصعوبة المهمة والبعثة الأممية، يُضاف الى ذلك تعقد تفاصيل المشهد الليبي ومفرداته العديدة والمتعددة في أفق 2018، فانه يمكن القول على أن نجاح الحوار الليبي أمر شبه محسوم بينما سيكون تشكيل الحكومة الليبية المرتقبة سيعرف صعوبات ومزالق عديدة وتحديات كبرى وعوائق لا تحصى ستسعى أطراف عدة إقليمية و ربما دولية إضافة إلى أطراف في الداخل الليبي، إلى العمل على توسيعها وتضخيمها، حيث أن تلك الأطراف ستلعب كل ما بقي لها من أوراق لإفساد المشهد الجديد وخلط الأوراق و إعادة الأمور للنقطة الصفر….

ولكن مستقبل ليبيا في أفق نهاية السنة الحالية سيكون واعدا من أجل عودة الوئام بين الأخوة/الفرقاء حتى يتمكنوا من إجراء مصالحة شاملة وعادلة تدفن آلام الماضي وتوقي الصعاب عبر تشكيل الحكومة الجديدة تنهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات ديمقراطية وشفافة تقنع الجميع في الداخل والخارج وتكون منطلقا لإعادة بناء المؤسسات الدستورية وحتى يهنأ الليبيون كل الليبيين بغض النظر عن أحزابهم وقبائلهم ومدنهم وانتماءاتهم الفكرية والمذهبية والسياسية…

ولكن ما يُمكن التأكيد عليه أن الحوار قد يعرف الصعوبات والعراقيل والتغذية ولكنه سينجح في الأخير لأن عدم نجاحه يعني الانزلاق الى ما هو غير متوقع ليس في ليبيا فقط بل في كل دول الجوار، كما أن النجاح المرحلي والبدء في السنة الانتقالية التي نرجو أن تكون الأخيرة لا يعني عدم تجدد الخلافات لاحقا وان بشكل جزئي ولكن المهم هو النجاح المرحلي لان الخلافات والصراعات بعدها ستكون بيد صاحب السلطة الاصلية وهو الشعب الليبي وهو شعب يدل تاريخه الطويل أنه شعب وطني وصبور وفريد من نوعه ….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 15 مارس 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق