رأي

وعد الآخرة ونهاية التاريخ

 

افريقيا 2050___

في كلّ مرّة يطلع الأمريكيون على الإعلام بتصريحات وبيانات دالّة. هم بين اتّهام الإيرانيين بعدم احترام الإتفاق النووي وبين القول بأنّهم لا يحترمون روحيته. ماذا يقصدون بروحية الاتفأق؟ يقصدون أنّ هناك فهما أمريكيا للإتفاق لا يوافق فهم الأيرانيين ويحاول الأمريكيون التطويع. يفهم الأمربكيون الإتفاق فتحا على التطبيع ومدخلا لنقاش مستفيض حول كلّ الملفات: النفوذ، الطاقة، الصواريخ، اسرائيل والعلاقة بروسيا والصين. بالنسبة للإيرانيين تكمن قيمة الاتفاق في اخراج الملفّ برمّته من أروقة الأمم المتحدة وتحويله إلى ملف ديبلوماسي بيني وموضوع حوار بينهم وبين هذا الطرف وذاك.

بلغ الإيرانيون مرادهم ولم يظفر الأمريكيون بما خططوا له. أسابيع فقط بعد الإمضاء عقدت ايران أضخم الإتفاقيات مع الصينيين وأعلنوا حلفا خطيرا مزلزلا يجمعهم بالروس. ما عاد بوسع الأمريكيين العودة بالملف إلى المربّع الأوّل وما عادت أمريكا حتى ضامنة لإجماع غربي تجاه ايران فدول أروبية كثيرة تبني رؤية استراتيجية مختلفة وتشبّك كثيرا من مصالحها بمصالح الإيرانيين زيادة على رفض الاصطدام بالروس. على المدى البعيد قد تضمن أمريكا بريطانيا التي انسحبت من الإتحاد الأروبي. لا تضمن المانيا ولا فرنسا وغير ذلك من بلدان تفهم أنّ المقامرة ضخمة ومكلفة وغير مضمونة.

هناك ثابت ايراني: لا ترى ايران مصالحها البعيدة مع الغرب والغربيين. هي ترى هذه المصالح في توطيد قطب منافس هو آسيوي وشرقي. هذا القطب يتبلور ويعي بقيمة ايران بل أنه يرى أنّها قوّة اقتحامه في منطقة جغرافية حساسة فيها نفط وغاز وفيها ممرات وتفتح على أضخم الأسواق. لو رأت إيران مصلحتها مع أمريكا وتحرّكت نحو ذلك لمكّنت أمريكا إيران من رقاب كلّ الذين يتطاولون عليها ولسكتت عن ذبحها لهم جميعا. الذين يتحدون ويتطاولون لا يفعلون ما يفعلون إلا لأنّ أمريكا تطلب منهم ذلك فيذعنون. لقيت مرّة ايرانيا في باريس ذكر لي أنّ إيران كانت قوية منيعة زمن الشاه وهي اليوم ضعيفة يستهدفها الذين هم دونها. طبعا القصد مفهوم وخلاصته أنّ الرجل لا يفهم أو لا يريد أن يفهم بأنّ قوة ايران زمن الشاه وخوف المحيط منها قرار أمريكي. كذلك التصويب على ايران الآن قرار أمريكي. المحدد للقرارين مصلحة أمريكا.

لا يفكّر كلّ الإيرانيين كما يفكّر الذي لقيته بل إنّ الأغلبية حسمت أمرها منذ الإنقلاب على مصدّق بداية الخمسينيات من القرن الماضي وقررت أنّ الغرب السياسي جشع نهم مجرم وأنّ من يحلم ببناء معه واهم. هذه الأغلبية هي صمّام أمان السياسات الإيرانية ومغامراتها الدولية. يختلف الوضع عربيا حدّ التناقض. الهيمنة الغربية الأمريكية مطلقة شاملة بأرض العرب. لا جرأة ولو بنسب محتشمة على الغرب وسياساته. فقط بعض أصوات مفردة معزولة فحتى المعارضات العربية التي نشطت خلال العقود الماضية وجلّها اسلامي تحولت من معاداة الغرب والوعد بتحدّيه إلى حال من التودد إليه ومحاولة طمأنته والتنسيق معه وعرض تبادل المصالح. المنتظر أن توظّف أمريكا كلّ ورقاتها العربية لمواجهة إيران وسيتحجج العرب المتورطون بأنّهم يواجهون تحقيقا للمصلحة العربية ولو كان هذا صحيحا ودقيقا لكان حرص على هذه المصالح بوجه الصهاينة الذين يتربّعون بين العرب منذ عقود.

ليس هناك تضارب مصالح بين عرب وايرانيين وأتراك فهذه مجتمعات جارة يربطها تاريخ وتلحمها جغرافيا. ما هناك فعلا هو أنّ المنطقة منقسمة بين من ربط مصالحه بالغربيين وما عاد قادرا على الفكاك ويدبّر أمره كما توفّر وأمكن وبين من جرّب الغربيين زمنا طويلة وقرّر الفكاك منهم عبر ثورة ضخمة. العرب بين عاجزين وعملاء خائنين ، الأتراك طامحون إلى فكاك ولكنهم يحسبون خطواتهم ولا يتهوّرون فكلّ منظوماتهم مرتبطة بالغرب. الإيرانيون واضحون وتقدّموا أشواطا بعيدة فكاكا من هيمنة الغرب واستقلالا بالقرار واعتمادا على النفس وارتباطا بقوى دولية أخرى. تطورات السنوات الأخيرة أثبتت أن تناقض المصالح في المنطقة والعالم بلغ حدا غير مسبوق وما عاد ممكنا تجاوزه بالديبلوماسية والمقايضات والإعلام وحروب الوكالة. لذلك فإن كلّ الملفات المتداخلة ذاهبة إلى الحسم المباشر والعنيف.

تعوّد الغرب على مركزية لن يفرّط فيها وتتضرّر أطراف كثيرة من هذه المركزية وما عادت قابلة بها. أعلن ترامب القدس عاصمة فكان الردّ بإعلان حلف القدس وتحدي سلاح الجو الصهيوني. هددت أمريكا بالتدخل في سوريا فأرسلت روسيا السخوي 57 واعلنت عن تطوير غير مسبوق لأسلحتها. الغربيون يلوحون بالتدخل من دون العودة إلى الأمم المتحدة وقاسم سليماني يغيب وليس معلوما ماذا يجهّز. الصدام الكبير حتمي وقريب. سيتحرّك السعوديون لإخضاع العرب لصفقة القرن وسيعبثون بالرافضين وتكون قطر أوّل ضحية لهم. هي إن لم تذعن وتلتحق بالسعودية والامارات تُغزى أو يزيد عليها الخناق بما قد يفرض انقلابا من داخل الأسرة القطرية. وسيتجاوز السعوديون البيت الخليجي إلى استمالة الباكستانيين والتصويب مجددا وبكل قوة على الأتراك وسيبلغون نهاية المطاف شمال افريقيا ابتزازا للتونسيين وتوتيرا لوضع الجزائريين زيادة على توريط المصريين والاردنيين بالكامل. هذه الحركة السعودية الشاملة ستفرض على الأتراك حسم موقفهم بالكامل وهم يراقبون ويحبذون الآن منطقة رمادية لن تشفع لهم ولن تنفعهم بعد حين.

تقريبا سيكون الإستنزاف الأكبر عربيا رغم أنّ نصيب مصلحة العرب في كلّ هذا صفر أو أقلّ كثيرا. في كلّ الحالات لن ينتهي التاريخ بل إنّه سيستأنف أضخم الإستئناف بسقوط الذين حسبوا يوما أنّ التاريخ ينتهي. ذاهبون إلى ألم بحجم العالم ولكن يبدو أنّ الأمل الذي يطلبه العالم يحتاج هذا الكمّ من الألم. زمننا الفردي الذاتي غير زمننا الإنساني وما نعاني منه أفرادا قد يحمل الخلاص الى الجميع. هناك وعد إلاهي وهناك محطات تمحيص يفرضها التاريخ والسعيد السعيد من غنم ضميره فلم يكن ظهيرا لظلم وظالمين.

منصر هذيلي 

المصدر: الصفحة الرسمية للكاتب بتاريخ 14 مارس 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق