شأن دولي

مسيرة العودة في ذكرى يوم الأرض.. هل ينتفض الداخل المحتل؟

 

ساعات قليلة ويقفل الستار عن التجهيزات الفلسطينية الحاشدة لإحياء ذكرى يوم الأرض الذي يصادف اليوم الـ 30 من شهر مارس الجاري، لتبدأ مرحلة جديدة من النضال الذي قد يسطر عناوين جديدة في كفاح الفلسطينيين ضد المحتل “الإسرائيلي” الذي سرق أرضهم وشردهم وأبقاهم يحملون صفة “لاجئ” في وطنهم وخارجه.

وفي هذا العام قرر الفلسطينيون إحياء يوم الأرض بطريقة خاصة، بتنظيم مسيرات ابتداء من يوم الأرض وحتى ذكرى النكبة، التي توافق منتصف مايو، ليكونا بذلك حلقة وصل بين حدثين لهما دلالة كبيرة في تاريخ النضال الفلسطيني ضد الاحتلال “الإسرائيلي”.

“إسرائيل” كذلك لم تقف مكتوفة الأيادي أمام التحركات الفلسطينية، فهي تستعد تحسباً لأي خطر يحيط بها في هذا اليوم، حيث وصفته بأنه “موجه غضب كبيرة قادمة نحوها”، فأعلنت الاستنفار التام في صفوفها ترقباً لما سيجري على حدودها مع قطاع غزة والدول العربية الأخرى.

وسرعان ما بدأت الماكينة الإعلامية للاحتلال بمحاولاتها لإفشال “مسيرة العودة الكبرى” التي تبدأ فعالياتها في يوم الأرض، والمقرر لها أن تستمر حتى أيار المقبل الذي يصادف الذكرى الـ70 للنكبة الفلسطينية، وتتزامن مع نقل السفارة الأمريكية لدى “إسرائيل” من تل “أبيب” إلى القدس المحتلة.

غضب الجمعة :

وتناقلت وسائل الإعلام العبرية، مخططات للاحتلال لترهيب ومواجهة الحشود الشعبية التي ستخرج في “مسيرة العودة”، كالاعتقالات الجماعية، والاستهداف، وإرسال رسائل تهديد لأهالي قطاع غزة عبر إلقاء المنشورات، من أجل إحباط الروح المعنوية للمشاركين.

في إطار خشيتها من “غضب الجمعة”، أجرى الاحتلال، اتصالاتٍ أمنية سريٍة مع السلطة الفلسطينية والأردن ومصر، من أجل منع التصعيد عشية مسيرة العودة المزمع، وكشفت صحيفة “يسرائيل هيوم”، أن اتصالاتٍ سريّة عقدت فقط على المستوى الأمني، تضم مسئولين كبار من “إسرائيل” والأردن والسلطة الفلسطينية.

وأضافت، أن الاجتماع الأخير، عقد في نهاية الأسبوع الماضي، داخل أحد مقرات جيش الاحتلال في الضفة، شارك فيه مسؤولون أمنيون من مصر، وأنه من المتوقع عقد اجتماعات إضافية في الأسابيع المقبلة.

وبحسب الصحيفة، فانه يسود التخوف الكبير في الأردن ومصر ورام الله، من تصعيد الأحداث المخططة في غزة وامتدادها إلى الضفة وحتى إلى الأردن، مؤكدة أن التخوف من تدهور الأحداث المقتربة إلى تصعيد أمني سيجر المنطقة بأكملها إلى مواجهات عنيفة، حيث تخشى مصر من محاولة الفلسطينيين، ليس فقط التحرك باتجاه السياج الحدودي مع “إسرائيل”، وإنما باتجاه الجانب المصري من الحدود مع غزة، وهو سيناريو يرغب المصريون في منعه.

فلسطينيو الداخل مصممون على مسيرة العودة لإحياء ذكرى النكبة رغم معارضة “إسرائيل”، ويقول هنا الناطق الإعلامي باسم “مسيرة العودة الكبرى” أحمد أبو رتيمة، “إن هناك استعدادات في مختلف الأماكن ليوم الجمعة، الذي سيمثل بداية الاعتصام وليس نهايته ، وخاصة في الداخل الفلسطيني المحتل رغم معارضة “إسرائيل” “.

وتابع أنه “تم تحديد خمسة أماكن سيتوجه إليها الجماهير، وذلك بدءًا من ساعات صباح يوم الجمعة، وسيكون هناك مجموعة من الأنشطة الجماهيرية والإعلامية والثقافية”، مؤكدًا “سنرسل رسالة قوية ذات طابع سلمي للعالم بأن الشعب الفلسطيني قضيته قضية عودة وأنه مصر على العودة إلى دياره التي هجر منها”.

وأضاف أبو ارتيمه بأنه “لن ينتهي الاعتصام إلا بتحقيق حق العودة، وهو الهدف الاستراتيجي لهذا الحراك”، مشددًا في ذات السياق على سلمية المسيرة، ومناشدًا الشباب تحديدًا مراعاة هذا الطابع لهذا الحراك، منوهًا إلى أنه “لا حديث عن إلقاء حجارة ولا عن إشعال إطارات ولا غيرها، وإنما الحديث عن معركة من سلاح جديد، وهو الكلمة والكاميرا والحشد السلمي”.

بدوره قال النائب العربي في (الكنيست) الإسرائيلي، أحمد الطيبي إن “عام 1948، عام النكبة، تعرض شعبنا الفلسطيني لعملية تطهير عرقي، من خلال هدم ما يقارب 531 قرية عربية، وتهجير مئات آلاف الفلسطينيين، وتدمير مستقبل شعب بأكمله، انه جرح ينزف في القلب، ولن يتوقف النزيف أبداً”.

وأضاف الطيبي أن “القوانين العنصرية التي تسن، لتحاول منعنا من إحياء النكبة لن تثنينا عن ذلك، وكل المحاولات العنصرية لذلك ستفشل، وهذا ما أثبتناه بتحدينا الجماعي لهذا القانون الأخرق”.

وتابع حديثه: “لن نسمح بحدوث نكبة ثانية ولن نسمح لا بطردنا ولا بتهجيرنا ولا بترحيلنا، تمسّكنا بأرضنا لن يكسره أحد، وشعارنا دوما أمام الفاشيين والعنصريين الذين يطالبون بترحيلنا: من وصل أخيرا لهذا الوطن يرحل أولا”.

النائب العربي ختم حديثه بالقول: “نحن أصحاب هذه الأرض وسكانها الأصليون حتى أن لون وجوهنا أصبح من لون ترابها، الرواية الفلسطينية أصبحت حية أكثر وهذا ما يقلق اليمين في “إسرائيل” الذي يحاول عبر القوانين العنصرية محو الذاكرة التي لن تمحى.”

وفي ذات السياق، دعت الفعاليات الفلسطينية داخل أراضي 48 للمشاركة في مسيرة العودة السنوية الوحدوية في ذكرى النكبة رغم امتناع الشرطة الإسرائيلية عن ترخيصها. رئيس لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في الداخل الفلسطيني المحتل، محمد بركة، أكد أن مسيرة العودة الـ 20 التي تدعو لها لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين، وبدعم ورعاية لجنته، ستجري كالمعتاد، فهذا موقف الإجماع الذي يؤكد على حق المهجّرين في وطنهم.

وقال في إعقاب رفض الشرطة منح ترخيص للمسيرة، التي ستنظم في قرية “الكابري” المدمرة قضاء عكا، إن هذه المسيرة انطلقت في عام 1998، تعبيرا عن موقف الإجماع، بحق المهجّرين في وطنهم وفي الشتات، بالعودة إلى ديارهم، وهي لن تتوقف إلا بعودة المهجّرين.

وأضاف بركة: “هذه الحجة ساقطة، ولا تتناقض مع الحق الديمقراطي في التعبير عن الرأي وعن الرواية من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن إصرارنا على تنظيم المسيرة في هذا اليوم، لن يؤدي بالضرورة لتفريغ رجال الشرطة للعناية باستقلالهم، الذي هو يوم نكبتنا”.

وتابع بركة،: “قلناها منذ سنين، يوم استقلالهم يوم نكبتنا، وكل ممارساتهم لن تستطيع دحر الحقيقة الواحدة والوحيدة، حقيقة اقتلاع شعب من وطنهم، وتدمير حياة الباقي في وطنهم.

كما عمم النائب أيمن عودة رئيس القائمة المشتركة بيانًا دعا فيه إلى المشاركة في مسيرة العودة في قرية الكابري الجليلية في الثاني من مايو/ أيار وفق قرار لجنة الدفاع عن حقوق المهجرين.

وقال عودة إن قرار الشرطة عدم المصادقة على المسيرة هو قرار أيديولوجي عنصري بامتياز، لأنهم يريدون التكتّم على جرحنا الأكبر، على جريمة المؤسسة الأكبر، ولأنهم يريدون سيادة رواية واحدة وهي رواية الحركة الصهيونية. مشددا على أن مسيرات العودة بقيادة لجنة المهجرين أصبحت أعظم أثرًا من أن تقمعها المؤسسة الحاكمة.

كما أكد عودة بأنه “لن هناك يكون سلام حقيقي ولا مساواة ولا ديمقراطية دون الاعتراف بالنكبة والغبن التاريخي وتصحيحهما”. وتابع القول إن “حكومة بنيامين نتنياهو تعتقد أنها ترسم قواعد المسموح والممنوع، ولكن بالذات هذه السياسة هي التي ستجعل الشعب الفلسطيني أكثر عنفوانًا وتمردًا ورفضًا للظُلم”، مشيرا إلى أن الجميع سيثبتون ذلك بمشاركة الألوف المؤلفة المستفزّة من القرار بعدم المصادقة على المسيرة.  وطالب عودة الشرطة والمؤسسة الحاكمة بالتراجع الفوري وإعطاء الحق للمتظاهرين للتعبير عن موقفهم من جذر القضايا، نكبة شعبنا الفلسطيني.

يذكر أن مسيرة العودة قد انطلقت داخل أراضي 48 للمرة الأولى في 1998 وذلك على خلفية تجاهل اتفاقات أوسلو فلسطينيي الداخل، واعتبارهم إسرائيليين وخارج الصراع. ويشكّل مهجرو الداخل نحو ثلث فلسطينيي الداخل، وهم موزعون في كل أرجاء الوطن ويحرمون من العودة لديارهم واسترداد حقوقهم بفعل القانون الإسرائيلي الظالم “أملاك الغائبين” الذي يعتبرهم حاضرين غائبين.

وحتى الآن نظمت لجنة الدفاع عن المهجرين مسيرة العودة كل سنة بالتزامن مع يوم “قيام إسرائيل” من خلال زيارة شعبية، خاصة الشباب، لإحدى القرى المهجرة حيث ترفع الرايات الفلسطينية وأسماء أكثر من 500 قرية ومدينة فلسطينية دمرتها “إسرائيل” في نكبة 1948 مستوى الاحتجاج والمساهمة في صيانة الرواية التاريخية، نحو مشروع سياسي يسعى فعلا لعودة المهجرين لقراهم.

الفرصة التاريخية :

هنا، أكد رئيس أركان جيش الاحتلال، “غادي ايزنكوت”، أن مستوى النشاط المتفجر المرتفع في الساحة الفلسطينية في الداخل والحدود يتطلب منا الحفاظ على يقظة دائمة، وفي مواجهة التهديدات المتغيرة في البيئة الإستراتيجية المتغيرة، نحن ملتزمون بالتصرف بعزم وقوة وإثبات تفوقنا”.

ويؤكد أسعد أبو شرخ المحلل السياسي، أن الشعب الفلسطيني وخاصة في الداخل المحتل، سيهب يوم 30 من مارس والذي يصادف يوم الأرض، لافتا إلى أنه يعتبر فرصة تاريخية أمامه لكي يوجه رسالة إلى العالم بأنه متمسك بأرضه وبحق العودة.

وقال أبو شرخ: “الشعب الفلسطيني سيرسل رسالة إلى العالم بأنه يريد أن يعود إلى وطنه ويعيش بسلام وأمان وان يساهم في الحضارة الإنسانية، وأنه مسالم ولكنه اقتلع من أرضه، ولن يبقى لاجئا إلى أبد الآبدين، ولن يكون هناك سلام أو استقرار في أي منطقة في العالم طالما أنه مشرداً”.

وبين أبو شرخ أن الخيام ستنصب على الحدود في كل مكان وسيتدافع الشعب الفلسطيني سواء في قطاع غزة أو في الضفة الغربية أو في لبنان أو في سوريا.

وفي السياق، أوضح المحلل السياسي أن الشعب الفلسطيني في هذا اليوم سيكون مسالما، ويعبر عن حبه للحرية، لافتا إلى أنه سيشهد مسيرات شعبية مسالمة، متوقعا أن الاحتلال الإسرائيلي قد يلجأ إلى اختراع بعض الحوادث من اجل إيذاء الشعب الفلسطيني وارتكاب مجازر.

وحول دور الفصائل في هذا اليوم، استبعد أبو شرخ أن المسيرات سيشارك فيها المثقفون ورجال الأعمال والمرأة والطلاب والمهندسون، مستبعدا في الوقت ذاته أن ينفذ أي تنظيم من التنظيمات الفلسطينية بأي عملية مسلحة.

بدوره، أوضح جهاد حرب المحلل السياسي، أن يوم الأرض سيشهد تصعيد فلسطيني في مواجهة الاحتلال، وستندلع على الحدود مع قطاع غزة، بالإضافة إلى نقاط التماس في الضفة الغربية.

“سيكون يوم مواجهة مفتوح مع الاحتلال، وهو تجديد للنشاط الفلسطيني في توسيع المقاومة الشعبية”، هذا ما أكده جهاد حرب، متوقعا أن المواجهات ستقتصر فقط على المقاومة الشعبية وليس المسلحة.

وفي السياق ذاته، أشار حرب إلى أن الاحتلال يمارس الضغوط على الفلسطينيين من ناحية، واستخدام القوة من ناحية أخرى، مثل اتخاذ الترتيبات الأمنية لمواجهة أي تطورات ميدانية، مبينا أن إعلانه عن هذه الترتيبات بهدف إخافة الفلسطينيين ومنعهم من الخروج.

نادر الصفدي ___ نون بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق