رأي

حسم وأخواتها: توزيع للأدوار أم صراعات أجنحة إخوانية؟

 

 

طالما أكدت الرواية الأمنية المصرية، على تبعية تنظيمات حسم، والمقاومة الشعبية، ولواء الثورة، لجماعة الإخوان المسلمين، تبعية مباشرة، بينما لم تعلن الجماعة “رسمياً” تبنيهاً لتلك التنظيمات التي تخوض مواجهة مسلحة ضد الدولةالمصرية، منذ الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق، المنتمي للجماعة، محمد مرسي،  وما تبع ذلك من فض اعتصامي الإسلاميين المؤيدين له في رابعة والنهضة.

خطابات إخوانية متباينة

ولم تتوقف وزارة الداخلية المصرية، وأجهزتها الإعلامية، عن نشر بيانات، وبث اعترافات لعشرات المتهمين من تلك التنظيمات، يكشفون خلالها عن تلقيهم تكليفات بعمليات إرهابية من قادة يعرفون بالانتماء لجماعة الإخوان، بينما يخرج عدد من الجماعة بين الحين والآخر ليشكك في تلك الرواية الأمنية، مدعين أنها انتزعت تحت الضغط، في حين يلتزم البعض الآخر الصمت المطبق.

يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، هيثم أبو زيد، إنّ الخبرة التاريخية لتلك الجماعة تشي بازدواجية الخطاب، بين العلنية والسرية، فلم يعترف مؤسس الجماعة، حسن البنا إلا “مضطراً”، بوجود تنظيم “سري” كان قد صنعه على يديه، إلا بعد مرور ما يزيد عن 10 أعوام على تأسيسه، وذلك يمتلك 4 خطابات متمايزة، واحد منها للجمهور “العوام” والثاني: لعموم جماعته، والثالث:  للخواص من النظام الخاص والرابع: للنخبة والقادة السياسيين.

بصمات إخوانية الخطاب

لكن هل ثمة تحليل لخطاب حسم و”أخواتها”، يمكن من خلاله إثبات روافدها الفكرية، والحركية، وما إذا كانت منبثقة عن تنظيمات السلفية الجهادية أم جماعة الإخوان؟

زعيم الجبهة الوسطية صبرة القاسمي، يستبعد بناء على تحليل خطاب حسم و”أخواتها” انتماءها لتنظيمات السلفيةالجهادية التكفيرية، واقترابها لحد الملامسة مع تنظيم الإخوان، وقبل أن يتطرق إلى نصوص البيانات يلفت إلى أن مسمى تلك التنظيمات وحده يكفي لتصنيفها والإمساك بروافدها.

فالقاسمي يشدّد على أنّه من المُحال أن تلصق السلفية الجهادية بمسمى أحد تنظيماتها كلمات من عينة ( الثورة، الشعبية، المقاومة…) بل تخلع دوماً على نفسها، وأفرعها مسميات تتفق مع جنس عقيدتها؛ فنجدها تستخدم مسميات (أنصار، مهاجرين، جند الله، أجناد، ولاية، مرابطين، التوحيد والجهاد…).

فالمسميات التي تتخذ من “الثورة والمقاومة” شعاراً لها، هي تنظيمات لم تنشأ في الأساس على فكر السلفية الجهادية، وحاولت بعد ثورة 30 يونيو 2013 أن تتخذ من شعارات الثورة مطية لاقترابها من الجمهور المؤيد للفعل الثوري الممتد، وأن تستدر عطف شرائح من الشعب المصري، ما تزال تحن إلى الثورية، والحراك الجماهيري.

جاء في أحد البيانات المقتضبة لتنظيم “لواء الثورة” الذي تبنى عملية اغتيال العميد في الجيش المصري، عادل رجائي، ما نصه: “قامت مجموعة من مقاتلينا بتصفية المجرم: عادل رجائي أحد قادة مليشيات “السيسي” صباح السبت بعد عدة طلقات في الرأس واغتنام سلاحه”؛ هنا يلاحظ “القاسمي”، استخدام التنظيم وصف “المجرم” وليس “المرتد” كما هي عقيدة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتنظيم “القاعدة” وفروعهما، فضلاً عن استخدام كلمة “مليشيا” في توصيف الجيش المصريهو مسمى إخواني كان أول من أطلقه الجماعة وأنصارها، بخلاف “داعش” و”القاعدة”، التي تطلق وصف “المرتد” على الجيش، وتستعمل  بدلاً منه لفظ “مقاتلينا” أو “مجاهدين” أو “جنودنا”.

ويخلص، القيادي الجهادي السابق، إلى أنّ تلك التنظيمات المتعددة تنتسب لجماعة الإخوان المسلمين، ولا تنتمي للجماعاتالسلفية الجهادية التقليدية “وفقاً لتحليل مضامين بياناتها”.

شرعن كتاب "فقه المقاومة الشعبية" حمل السلاح في مواجهة النظام الحاكم

                                  شرعن كتاب “فقه المقاومة الشعبية” حمل السلاح في مواجهة النظام الحاكم

“فقه المقاومة الشعبية”: الشرعنة الجديدة

تداولت عدد من مواقع جماعة الإخوان المسلمين على الإنترنت، في بداية العام الماضي، كتاباً إلكترونياً حمل عنوان “فقه المقاومة الشعبية”، لكاتب مجهول، يُدعى، أبو العز ضياء الدين أسد، يبدو مسمى حركياً، ولم تتبنّه الجماعة حينئذ رسمياً.

وضع الكتاب منهجاً جديداً لشرعية حمل السلاح في مواجهة النظام الحاكم، مقترباً بوضوح من فقه الجماعة الإسلامية المصرية المسلحة، في الربع الأخير من القرن الماضي، وقبل إجرائها لعملية مراجعة لأفكارها بإشراف الدولة المصريةوقتذاك.

يبدأ الكتاب بسوق العديد من الأدلة الشرعية التي تثبت، وفق رأي الكاتب، شرعية الرئيس المصري الأسبق، محمد مرسي، مستنداً في ذلك لكتاب “فقه الأحكام السلطانية” للماوردي.

يمهد الكتاب لاعتبار مرسي حاكماً شرعياً صعد إلى سدة الحكم بــــ”بيعة شرعية صحيحة”، مؤكداً أنّ التمرد على من عزلوه يأتي وفق مبدأ “رفض الحاكم المتغلب” وتفكيك القاعدة المقابلة التي تقضي عند أهل السنة والجماعةبــ”الطاعة للحكام المتغلب”.

ويصل الكتاب في نهايته إلى الحكم على النظام الحاكم في مصر، بأحكام متنوعة يرى أنها تنطبق عليه جميعها (خوارج، بغاة، محاربون لله ورسوله)، ثم يعود للتأكيد أنّ وصف من أسماهم بــ”الانقلابيين” بالخوارج فقط “شرف لا يستحقونه”، ويرى أنّهم “يستحقون حد الحرابة بجدارة”.

واستخدم الكتاب مصطلحات لم تكن تستخدمها جماعة الإخوان من قبل؛ إذ إنّه استرسل في شرح مفهوم “دفع الصائل” الذي يصل إلى حد القتل في أحوال عدة قام بشرحها، مدشّناً علنياً لشرعية العمليات الإرهابية في مواجهة الدولة.

سلميتنا أقوى بالرصاص

لم يستطع أحد من المتابعين، أن يثبت نسبة هذا الكتاب لجماعة الإخوان، حتى ظهر القيادي في التنظيم، مجدي شلش، على فضائية “مكملين” المحسوبة على الجماعة؛ حيث أكد أنّ هذا الكتاب اعتكف عليه مجموعة من النخبة الفكرية والشرعية للجماعة طيلة 6 أشهر، حتى خرج بشكل مكثف كاشفاً أن على رأسه هؤلاء، الدكتور محمد كمال، القيادي البارز في الجماعة، وأحد أعضاء مكتب الإرشاد.

واعتبر “شلش” أن كتاب “فقه المقاومة الشعبية” بمثابة التأسيس الثالث للجماعة، الذي بُني على معادلة تقضي بامتلاك القوة وتأتي عن طريق خطة لــ”الإرباك والإنهاك والإفشال، ثم السيطرة على المفاصل، وإسقاط النظام”، وفق قوله.

وتحدّث شلش عن “دفع الصائل” بوصفه “بديهية من بديهية الإسلام لا ينكره إلا من انتكست فطرته”، بينما شدّد على أنّ “السلمية ليست ثابتاً من ثوابت الإخوان” وأنّ “شعار سلميتنا أقوى من الرصاص تغيّر الآن وأصبح سلميتنا أقوى بالرصاص”.

وكشف عن أنّ ما أسماه بــ”الهيئة الشرعية” فرقت بين المشاركين فيمن أسماه بــ”الانقلاب”، فمنهم من يستحق القتل ومنهم من يستحق التحذير الذي هو ما دون القتل.

كما كشف عن أنّ هذا الكتاب، وزعته، اللجنة الإدارية للجماعة، وهي إدارة فوضتها الجماعة لتسيير أمورها، بعد اعتقال غالبية أعضاء مكتب الإرشاد،  على كافة المناطق، والشُّعَب، “وهي تقسيمات إدارية للتنظيم”، إلا أن “شلش” يعود ليؤكد أن جبهة العمل الإصلاحي لا الثوري داخل الجماعة، منعت وصول النسخة الكاملة من الكتاب إلى عدد من المناطق المسيطر عليها، وأنها قامت بتنقيح مضمونها، وغربلته، ليتوافق مع اتجاهها.

ومع كشفه الغطاء عن عمق الخلافات التي تضرب الجماعة فيما يتعلق بعمليات العنف المسلح، إلا أن “شلش” يؤكد في أكثر من مرة، أنّ جناح الدكتور محمد كمال “المتبني للعمل المسلح” يؤيده أكثر من 85 % من عناصر الجماعة، مستشهداً برسالة عدد من العناصر النسوية في التنظيم التي جاء فيها “إذا تنازلتم عن العمل الثوري فلا طاعة لكم عندنا”.

بين الأصل والنسخة

مع أن مجدي شلش، أكد بوضوح تبني الجماعة للعمل المسلح، إلا أن ذلك جاء بشكل عام، دون أن يتطرق لمسميات التنظيمات، أما القيادي في الجماعة، رضا فهمي، فنسب تلك التنظيمات للجماعة مباشرة، وهو يتحدث من نفس المنبر الإعلامي الذي تحدث منه “شلش”.

يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية هيثم أبو زيد، إنّ تنظيم الإخوان المسلمين يمتلك مخزوناً هائلاً لأفكار العنف، لم يتم مراجعته ونقده أو نقضه يوماً، يتاح للأجيال المتعاقبة التنقيب في هذا المخزون، في ظروف سياسية معينة، للتبرير لأعمال القتل والاغتيال، ويضرب أبو زيد مقولة جاءت على لسان، حسن البنا، مؤسس الجماعة، وهي “سنستخدم القوة حيث لا يجدي غيرها”، كما أن الجماعة تمتلك رصيداً كبيراً من التشريع والتنظير للعمل السري، والمرحلي.

لكن هل يكفي ما جاء في كتاب “فقه المقاومة الشعبية” وما صرح به شلش وفهمي لإثبات أن تلك التنظيمات تنتمي لجماعة الإخوان؟ أم أنّها تنظيمات خرجت عن الجماعة لتؤسس كيانات متطرفة جديدة، وهو ما تثبته التجربة التاريخية مع تلك الجماعة الأم؟

الباحث في شؤون الجماعات، عمرو عبدالمنعم، لا يستبعد ذلك، مستشهداً بعدد من التنظيمات التي كانت ولدت من رحم جماعة الإخوان، إلى أنّها ذهبت لتقف في مساحة بعيدة عنها.

بعد مقتل القيادي في الجماعة، محمد كمال، أصدرت حركة لواء الثورة بياناً توعدت فيه بالرد على مقتله

                بعد مقتل القيادي في الجماعة، محمد كمال، أصدرت حركة لواء الثورة بياناً توعدت فيه بالرد على مقتله

اقتراب واضح من جماعة الإخوان

بيد أن بيانات تلك التنظيمات ما تزال تشي حتى الآن باقترابها من جماعة الإخوان المسلمين، فبعد مقتل القيادي في الجماعة، محمد كمال، أصدرت حركة “لواء الثورة” بياناً توعدت فيه بالرد على مقتله مطالبة كافة شباب الإخوان بالتحرك ضد الدولة، وما أسموه رفع درجة الاستنفار والتأهب: “وإنا لرادّون على مقتل كمال الصاع بعشرة”.

في الحوار الذي نشرته حركة “لواء الثورة” للمتحدث الرسمي، صلاح الدين يوسف “مسمى حركي”، الشهر الماضي، تحدث عن كل ما ورد في كتاب “فقه المقاومة الشعبية” من حكم الطائفة الممتنعة، وحكم دفع الصيّال، إلا أنه ينتقد في موضع آخر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” باعتباره تنظيماً “يغالي” في أفكاره متوقعاً له الاندثار.

إلا أنّ التطور الأخطر هو نفي هذا المتحدث، أن يكون لهم علاقة بجماعةالإخوان؛ إذ إنّه قال “الحركة لا تمثل الإخوان وليست امتداداً للمنظومة الفكرية للإخوان، رغم أنّها لا ترفضها بالمطلق”.

ويكمل: “لكننا لسنا أسرى التصنيفات الحركية للقرن الماضي، ونرى أنّ الثورات وحالة المد الجهادي في الأمة تفرض واقعاّ جديداّ بالتجديد على الحركة الإسلامية نفسها، تنظيمات وتشكيلات جديدة ستظهر وأخرى ستنزوي، ومن قاد جهاد الأمة في القرن المنصرم ليس بالضرورة أن يقودها في القرن القادم، طلائع حركية جديدة وأفكار جديدة سوف تفرض نفسها في الواقع متدثرة بأمتها ومهتدية بأصول دينها وثوابت عقيدتها، ولواء الثورة ليس حركة أيديولوجية بالمعنى الضيق ولن يكون، وسنعلن إن شاء الله في وقت لاحق عن وثيقة فكرية لثوابت الحركة ومنطلقاتها”.

صلاح الدين حسن 

المصدر : حفريات بتاريخ 27 مارس 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق