تحاليلسياسيةشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

 حفتر، جدلية الغياب والعودة ومستقبله السياسي والعسكري

 

 

علي عبداللطيف اللافي:

 

مثل غياب حفتر لأسباب صحية مثار جدل كبير في ليبيا وعددا من الدول الإقليمية وتعددت التكهنات بشأن وضعه خاصة غُداة وصوله الى بنغازي وظهوره والقاء كلمته وسط أنصاره، فماذا حدث بالضبط وماهي طبيعة الوضع الصحي للعسكري العجوز، وماهي ترتبات غيابه الجزئي أو الكلي، وماذا تغير في مختلف سيناريوهات مستقبله السياسي والعسكري؟

++ جدل الغياب والعودة 

منذ 11 افريل الماضي تناقلت وسائل الاعلام الليبية والإقليمية والدولية خبر الوضع الصحي لحفتر ونقله بشكل عاجل وطارئ يومها الى الأردن مرورا بمصر ثم نقله الى الضواحي الباريسية وتم الحديث عن “مرض خطير” و”تلف في أجهزة الدماغ” و”موت سريري”، الا أن تغريدة للمبعوث الأممي غسان سلامة والتي كان مفادها أنه تواصل مع حفتر، غيرت طبيعة الجدل لتتضارب المعطيات بين التصديق والتكذيب والمبالغة، لتصبح أخبار غيابه ومن سيخلفه هي في سُلم نشرات الأخبار بل مدار متابعة كُل مهتم بالشأن الليبي، وانقسم الليبيون بين “مُهلل و مستريح من الرجل ومتاعبه على ليبيا والمنطقة و آخر” حائر و مصدوم جراء الفراغ الكبير الذي أحدثه بغيابه” …

وبناء على ذلك يمكن استخلاص النقاط التالية:

أ- المرض لم ولن يكون مفتعلا بالضرورة باعتباره مريض منذ أكثر من سنتين وأيضا لأنه مصاب فعلا، ولكن المؤكد أن الامر أقل خطورة مما أذيع وبُث، ومن خلال التثبت في صور ولقطات الخطاب بدأت الحقيقة أن حالته الصحية مُرتبطة بإشكالات على مستوى الدماغ، كنتاج طبيعي لمضاعفات الأدوية بعد أن كانت معاناته الصحية مرتبطة بالقلب وأنه بدا شاحبا ومرهقا….

ب- اذا صح الحديث عن تهويل فعلي (بغض النظر عن سقوط وسائل اعلام ليبية وإقليمية في التهويل المرتبط بالأماني والعواطف والاصطفاف)، فان الإيهام بخطورة الحالة الصحية هو ترتيب محترف لأجهزة اقليمية ودولية وليس وسائل إعلام وبعض من هذه الأخيرة تم التلاعب بها لتصبح خادمة لأجندات التوظيف والمخادعة، ويمكن التأكيد أن التلاعب شاركت فيه مصر والأردن ودولة أوروبية معروفة و كذلك الإمارات و دوائر ضيقة و عائلية مُحيطة بحفتر عائليا وسياسيا وعسكريا (وللأمانة فان رجال حفتر كانوا يؤكدون دوما انه بخير وان المرض ليس مستفحلا بغض النظر ان ذلك مرتب للحد من الترتبات أو حرفية القيام بجزء من الدور الموكول لهم)…

ت- العقل المُدبر لحفتر والكرامة خلفيته أمنية وعسكرية وعادة عند وضع الخطط يقوم العسكريون بمناورة تمويهية، لذلك يصح التساؤل ما الذي قصد التمويه عنه في الحالة الليبية ومن خلال تضخيم مرض حفتر والحديث عن خروجه النهائي من المعادلة السياسية؟ فبينما كان الجميع يخوض ويتنبأ بمن سيخلفه، لابد من التساؤل: ماذا كانت الجهة الممسكة باللعبة تخطط وعن أي مشروع يُحاك في الظلام كانت تُعمي وتُموَه؟، خاصة في ظل رواج أخبار مسربة ان تطورات في الملف الليبي تجرى بعيدا عن الأضواء وهي معطيات أكدها أكثر من مصدر ليبي واقليمي….

ث- بالتوازي مع تناقل الإعلام حول غياب الرجل، تم تناقل خبر رفع الحصار عن درنة الواقعة جغرافيا بين بنغازي والحدود المصرية والمحاصرة

لأكثر من سنتين ورغم القصف  كل ما سلط عليها بقيت متماسكة داخليا وهي مدينة استعصت واقعيا على حفتر بل أصبحت مثلا حيّا لضعف جيشه رغم الدعم اللامحدود عسكريا وماديا و مخابراتيا من مصر و الإمارات ودولة أوروبية معروفة بات من المتأكد أن اقتحام درنة المحصنة جغرافيا سيكون ثمنه مكلفا أكثر من معركة بنغازي التي خسر فيها حفتر أكثر من 10000 مقاتل من قواته (بغض النظر عن هويتهم واصولهم) وهو يواجه أقل من 500 مقاتل في الصابري وسوق الحوت، بل أن المتابعين يؤكدون أن معركة درنة ستكون أصعب من بنغازي، ولاشك أنه وقع توظيف معطى أن الانشغال بغياب حفتر خير حدث يجنبه الحرج و يغطي على جيشه خبر رفع الحصار وتجنب الحرب رغم التهديدات المتكررة سابقا باقتحامها .

ج –لقاء “عقيلة صالح” و”خالد المشري” (الرئيس الجديد للمجلس الأعلى للدولة)، لم يكن ليقع لولا غياب حفتر ذلك أن عقيلة كان يرفض أي اتصال بالمحسوبين على التيار الإسلامي وها هو يذعن للواقع ويتحول للمغرب للتفاوض مع أحد رموز هذا التيار، وذهابه لطاولة المفاوضات للتحاور إما لأنه تحرر من سطوة حفتر (رغم الحديث عن صفقة سابقة شارك فيها حفتر) بدأ يتحرك باستقلالية في القرار أو هو أيضا جزء من المناورة ….

ح- غياب حفتر وعدم التكذيب بل والتعمد في تسريب خبر عجزه النهائي على ممارسة مهامه بالتالي البحث عن خليفة له مثل خير اختبار لولاء معسكر الكرامة لحفتر خصوصا القيادات المحيطة به مباشرة لذلك يتوقع امكانية أن يتم التخلص وبعنف من بعض الرؤوس القريبة من حفتر والتي سقطت في الاختبار …

++ الترتبات المستمرة لجدلية الغياب والعودة 

أ- من الواضح وجود مؤشرات لاستمرار الارتباك في عدد من العواصم العربية والغربية مع “التأكيد مع توسع مجال رئيس حكومة الوفاق فائز السراج للتحرك بالمنطقة الشرقية، خاصة في الدعم الدولي المتنامي….

ب- العودة الواضحة لرئيس تحالف القوى الوطنية “محمود جبريل” للمشهد إضافة عارف النايض (السفير الحالي في الامارات)، كمرشح محتمل للرئاسة مدعوم من “أبو ظبي”…

ت- تواصل الخلافات الصامتة بين القيادات المسلحة المحلية بمدينة بنغازي وأبناء حفتر، فهذه القيادات ترفض ضمنا أي دور عسكري أو أمني لنجلي حفتر، والامر هنا تجاذب بين رؤيتين تدور النقاشات حولها بين الفاعلين، أولى نفعية في توظيف القرابة والواقعي على الأرض، وبين رُؤية وطنية إصلاحية للدفع في اتجاه الحل السياسي بغض النظر على المدى الزمن وتوخي المرحلية…

ث- عودة التوتر لمنطقة الهلال النفطي سيصبح أمرا جد وارد، وانسحاب متوقع للتيار السلفي المدخلي من المشهد الأمني في بنغازي مستقبلا، ومعلوم أن المداخلة في كل ليبيا يعيشون مرحلة ارتباك كبرى وما يسمى عملية السليان التنظيمي والعلاقاتي…

ج-فض الشراكة بين القوى السياسية والعسكرية بالمنطقة الغربية مع معسكر حفتر سيكون وارد مستقبلا بل أن تلك القوى هي عمليا في وضع البحث عن مصالحها مع المجلس الرئاسي بطرابلس والتقرب من مكوناته وربط علاقات سياسية واجتماعية معها….

++ ماذا تغير في تراتبية سيناريُوهات المستقبل السياسي لحفتر  

بناء على ما ذكرناه أعلاه فان حفتر أمام سيناريوهات عدة بناء على تطورات الساحة الليبية والإقليمية والدولية مستقبلا:

أ- السيناريو الأول، وهو أن يتحسن وضعه الصحي ويكون جزء من اللعبة السياسية المرتقبة ولكن بشروط الآخرين وليس بشروطه التي طالما أملاها على برلمان طبرق …

ب- السيناريو الثاني، ويتمثل في نهاية طموحه السياسي مقابل بقائه رقما مهما في قيادة المؤسسة العسكرية ولو مؤقتا….

ت- السيناريو الثالث، أي خروجه الفعلي من الساحة بناء على نهاية أفقه السياسي والعسكري ربما قبل انتخابات أكتوبر القادم بناء على تصدعات حاصلة بينه وبين عسكريين بعضه قري من أنصار القذافي، والبعض يتوقع أن حفتر يعيش مرحلة نهاية شبيهة بنهاية جون قرنق في السودان وإن بأشكال مختلفة …

ث-السيناريو الرابع، قد تتطور الأوضاع لصالحه دراماتيكيا فيعيد سيناريو 1 سبتمبر 1969 ويلعب دور القذافي 2 رغم ان هذا السيناريو طُرح اقليميا ودوليا في بدايات سنة 2016 الا أنه توارى كسيناريو …

++ الخلاصة

لم يعد لحفتر نفس الدور والحضوة ووهو بعد العودة أضعف مما كان عليه صحيا وعسكريا وسياسيا واجتماعيا، بل لم يعد جوادا وحيدا للذين كانوا يدعمونه ويُراهنون عليه سواء من مناصريه أو المتحالفين معه في الداخل والخارج، والأمر أصبح مختلفا لما كان عليه الوضع قبل 11 أفريل الماضي، ذلك أن الفاعلين السياسيين أصبحوا يستحضرون أجندات وطنية تقوم على الوعي بالمخاطر المستقبلية لأي تطورات سلبية أو انفصالية أو تنامي النزعات الشخصية في المشاريع السياسية والعسكرية المستقبلية، الا انه مطلوب منهم أيضا استيعاب عقلهم السياسي لطبيعة التطورات الإقليمية واثارها على ليبيا والمنطقة المغاربية وعلى كل القارة السمراء، وهو ما يعني ضرورة مسارعة كل الليبيين الى بناء المصالحة الوطنية التي تنبني على عدالة انتقالية منصفة ودافنة لآلام الماضي….

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق