دراساتشؤون إفريقيةشمال إفريقياليبيا

ليبيا: توازن الضعف بين مكونات المشهد وحتمية الحل السياسي (1من 3)

 علي عبداللطيف اللافي

         لا يختلف اثنان أن الصراعات المُتواصلة في ليبيا وإن كانت بين أطراف ليبية فإنها واجهة عملية لحروب بالوكالة تخُوضها أطراف ومكونات وتشكيلات ليبية عبر الولاء المباشر وغير المباشر لأطراف إقليمية ودولية لها مصالح ومطامح في ليبيا تاريخيا واقتصاديا وثقافيا واستراتيجيا، بل أن كل ما يهم تلك القوى الدولية و أذرعها الإقليمية هو فقط ترسيخ حضورها الاستراتيجي واللوجستي المستقبلي في كل أرجاء القارة الإفريقية وان كان الهدف المرحلي، هو بسط النفوذ وتطويع الخيرات الباطنية في شمال افريقيا وبعض دول الساحل والصحراء الافريقية….

 

الحلقة الأولى

 توازن الضعف داخل وبين مكونات الأطراف السياسية الليبية

 

بناء على معطيات ميدانية يعرفها كُل متابع لتطورات الساحة السياسية في بلد عمر المختار يمكن الجزم أنه لا خيار في ليبيا اليوم وبعد سنوات أربع من الصراع والتجاذب والتقاتل والدمار الناتج على تلك الصراعات، إلا الذهاب للحل السياسي والانتخابات نتاج توازن الضعف بين الأطراف المتصارعة في الداخل الليبي وأيضا بين الأذرع الإقليمية وبين القوى الدولية الطامحة لجني مصالح عدة في ليبيا عسكريا واقتصاديا وسياسيا، فما هي مجسدات توازن الضعف وتوازن القوى في مسرح الاحداث في ليبيا سياسيا وعسكريا وشعبيا؟

++  توازن نسبي داخل وبين حكومتي طبرق وطرابلس 

إن المكونات التي ترتكز عليها كلا الحكومتين تفتقد عمليا لمنطق التازن الداخلي بين مكوناتها الذاتية وبينها وبالتالي بدا هناك تخبط كبير بين طرفي الصراع لان ولا مكون واحد يمكن الجزم بشأنه أنه وحدة متكاملة كما يعتقد البعض حتى أن كلا الحكومتين تضم عمليا مكونات لا ترى في الحوار بين الليبيين تحقيقا لأهدافها الذاتية:

1-توازن نسبي بين مُكونات حكومة طبرق

وهي تشمل حوالي خمس مكونات بعضها ظاهر كـــ”الفيدراليين” و”معسكر الكرامة” بقيادة  الجنرال العجوز وأنصار هذه الحكومة في الجهة الغربية (وهم أيضا ليسوا وحدة متكاملة)، وأطراف لا تُرى  ولا تظهر في الصورة، ومنهم أطراف من قبيلتي البراعصة والعبيدات، ومنهم مكونات سياسية ليبرالية وطبعا بعض قيادات نظام القذافي التي لم تكن معلومة في عهده من عسكريين ورجالات الأمن الخارجي والداخلي، إضافة إلى أنصاره في القبائل وفي الإدارة ومؤسسات الدولة على علاتها البنيوية، وطبعا بعض هذه المكونات تختلف في رؤيتها للصراع وإيمانها بأهمية الحوار  والحكومة كفريق وزاري ضعيفة ولا سلطات فعلية لديها وكل صلاحياتها مسندة للقيادة العامة وللبرلمان، و عمليا لا يزال التوازن في الشرق مفقودا بسبب سيطرة نسبية لحفتر والمقربين منه على كل شيء تقريبا ….

2-التوازن والضعف داخل مكونات حكومة التوافق

مكونات حكومة الوفاق متعددة الولاءات سياسيا وفكريا وكل مكون ليس بالضرورة وحدة متكاملة، بل أن كل مكون له قراءات من زوايا مختلفة للعلاقة مع حكومة الوفاق ومع المجلس الرئاسي والمجلس الأعلى للدولة ومع بعض الوزراء والفاعلين القريبين من السراج غير مرتاحين لتعديل الاتفاق السياسي ولكنهم مرنين في قبول المقترحات ويرغبون أكثر من غيرهم في انهاء حالة التشتت ومع تقديم تنازلات من كلا الطرفين وبضرورة عدم ترك أي طرف خارج جبة الاتفاق الجديد من اجل القدرة على انهاء المرحلة الانتقالية والنسج على المنوال التونسي حتى لا تسقط الثورة الليبية في مطبات النماذج العربية الأخرى، وعمليا ساد الضعف داخل حكومة السراج وانتشرت اتهامات الفساد واصبح التجاذب أمرا دارجا تجاه العلاقة مع حفتر وفي الرؤية للتطورات في درنة وفي العلاقة بالأطراف الاقليمية والدولية ورغم الشرعية الدولية في إن السيطرة على الغرب الليبي ولائيا أصبح أمرا نسبيا إضافة الى فقدان التأثير على تطورات الاحداث في الجنوب   ….

++ توزان ضعف في كل الاتجاهات بين وداخل مكونات التيارات الفكرية والسياسية 

1-ضعف التيار الليبرالي والتوازن المفقود بين مكوناته

الضعف السياسي هو سمة التيار الليبرالي في ليبيا رغم غياب التيار اليساري الناقد للخيارات الليبرالية، وهو تيار غير واضح من حيث التشكل إضافة الى اخفاقه في الخروج من الجمود الخطابي والعملي وقصوره مع التعامل البراغماتي مع السلطات والقوى على الأرض وعمليا  التوازن موجود بين مكونات التيار الليبرالي، ورغم أن “تحالف القوى الوطنية” بقيادة محمود جبريل  هو الأكبر، فانه قد عرف الانحصار نتاج خياراته ومواقفه، ورغم أنه أمام فرص استثمار تنوع الساحة السياسية القابلة بطبيعتها لإعادة التشكل، الا أنه سيعرف منافسة من ثلاث مكونات ليبرالية:

  • حراك نعم ليببا: ويضم مجموعة من “السبتمبريين” و”الفبراريين”، في محاولة لتجاوز الانقسام والاستفادة من المساحة البينية المتروكة…
  • تجمع الوطنيين الأحرار: مجموعة ثوار متمايزين على التيارين الإسلامي والليبرالي رغم انتمائهم للتيار المحافظ، ولهم حضور قوي في مدن عديدة وهم بصدد بناء علاقات موسعة رغم غياب حضورهم الاعلامي…
  • تيار الجبهة الوطنية: خسر العديد من قياداته التاريخية، وهو بصدد الاعداد لمؤتمره والذي قد يعقد قريبا في مدينة مصراتة…

 2-التوازن النسبي بين مختلف مكونات التيار الاسلامي

عرف التيار الإسلامي منعطفات عديدة نتاج واقعه الذاتي في ليبيا ونتاج العواصف الإقليمية، ورغم أن “الاخوان”، هم الأكثر تنظماً وخبرة في ليبيا ولهم قدرة تكتيكية في التعامل مع المستجدات، ورغم تعرضهم لهزات خلال السنوات الماضية فان قوة حضورهم في تنام مستمر، ورغم ذلك فان لهم منافسة شعبيا وسياسيا وتنظيميا من عدد المكونات الإسلامية الأخرى على غرار حركة التجمع الإسلامي اضافة الى مكونات الحركة الإسلامية للتغيير (والتي ورثت عمليا الجماعة الليبية المقاتلة)، رغم ان حزب الوطن (بقيادة ع.بلحاج) هو من اكتسب الحضور السياسي والإعلامي، كما أن حزبي “العدالة والبناء” و”الوطن” سيعرفان شعبيا وسياسيا منافسة من طرف:

  • القوى المحافظة التقليدية : أي أنصار دار الإفتاء والقادرين موضوعيا على حشد جموع فبرايرية هُمشت أو غاضبة من الاخوان…
  • السلفيون : وهم مختلفون من حيث مشاربهم وتياراتهم المتصارعة فيما بينها خاصة على الساحة الدينية ثقافيا واجتماعيا..
  • الصوفيون: وهم فسيفساء متنوعة ولكن بعضهم له القابلية في أن يكون آلية لاستهداف للتيار الإسلامي ككل…

 3-السبتمبريون: تشتت وتعدد للولاءات وتوازن ضعف بين الزعامات والتنظيمات والولاءات

يُمكن موضوعيا الجزم أن أنصار القذافي في ليبيا حاليا ليسوا وحدة متكاملة من حيث الرُؤى والتوجه  والولاء أو من خلال رُؤيتهم لمستقبل ليبيا  وبعضهم يحلم بتوظيف مقولة أن جزء من الغرب قد يضطر للبحث عن قذافي جديد بينما يطمح فريق ثان أن يلعب حفتر ذلك مرحليا رغم أن بعضهم يكرهه كُرها شديدا، كما أن لبعضهم  خطط بديلة في حالتي نجاح أو فشل التوصل إلى اتفاق سياسي محين لاتفاق الصخيرات، وبعض أنصار القذافي يرون في قراءتهم للوضع الحالي أن تنفيذ وصية العقيد في أن يقع ترتيب الأمور لصالح سيف الإسلام القذافي وهو ما قد يُفسر تأسيس أنصاره لحزب “الجبهة الشعبية لتحرير ليبيا” بعيدا عن حزبين آخرين قريبين من أنصار القذافي أحدهما يتزعمه أحمد قذاف الدم والثاني تقوده قيادات سابقة للجان الثورية، وفي هذه النقطة بالذات ينقسم أنصار القذافي إلى طرفين الأول يرى في “سيف” مُنقذا للبلاد والطرف الثاني يرى في ذلك تكتيكا أوليا في طريق عودة نظام القذافي باعتبار أن الغرب في تحليلهم طبعا ليس أي إشكال مع سيف الإسلام بل هو ورقة غربية قديمة، أم الطرف الثالث من أنصار القذافي فهو يرى في نجاح الحوار سبيلا أن تسترد بعض قبائل محسوبة عليهم حقها وانه لا يجب معاملتها بناء على قربها السابق من القذافي، وهؤلاء يرون أن المصالحة الحقيقة هي في بناء جديد يدفن آلام الماضي…

و الخلاصة أن أنصار القذافي مُشتتون ومُختلفون وقوتهم على الأرض بشرية ومادية لوجستية وقد كانت متمركزة في دول جوار ليبيا، ولكنهم اليوم مشتتون بين “انتهازيين” و”متملقين” و”ايديولوجيين” و”واقعيين”، وقد تأكدوا جميعا أنه لا أمل في إفشال الخيار السياسي رغم هامش قوة مقتدر ولكنه نسبي على إرباك أي حكومة ليبية جديدة وخاصة في الجنوب، و الأكيد أيضا أن قطاعات واسعة من أنصار القذافي مؤمنة أن “عهد القذافي” انتهى وولى وأن عليهم القبول بالحل السياسي  والمشاركة في المسارات الجديدة بل أن بعضهم يعمل على توظيف القوة العددية قبليا وتوظيف مدعمات في صالحهم وقد تم تدارس ذلك في لقاءات عُقدت أخيرا في بعض العواصم الافريقية على غرار “نيروبي” (خلال الأيام الماضية) …

ولابد من الإشارة وأن السبتمبريين  مشتتين من حيث الولاء لـــ”حفتر” و”سيف الاسلام القذافي” وبين الاصطفاف وراء شخصيات مختلف عليها بينهم على غرار “محمد الزوي” أو آخرين…

ومن المهم التفريق بين “أنصار القذافي” وبين “أنصار النظام السابق” رغم التداخل والتشابك وخاصة في العلاقة بالقوى الإقليمية والدولية فشخصيات مثل “القاعود” أو “البشير صالح” أو “الزوي” أو “شلقم” لها عمليا ارث علاقاتي كبير بينما ضباط الامن والمخابرات واطارات اللجان الثورية تتقاذفهم ميولات نحو هذه الجهة او تلك او هذا الزعيم أو ذاك او الايمان بالسياسي أو بالعسكري أو في القبول بمحطة وخيارات فبراير، وبالتالي فالتوازن الولائي والارتباطي موجود دون سيطرة لهذا الاتجاه أو ذاك بين السبتمبريين ….

المصدر: صحيفة الرأي العام التونسية بتاريخ 24 ماي 2018

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق